مرّت الأيام على وتيرة واحدة، كأن الزمن قد قرر أن يسير بخط مستقيم لا انحراف فيه؛ استيقاظ، فطعام، فعمل، فعودة إلى النُّزُل، فاستحمام، فتدريب، وأخيراً نومٌ يبتلع ما تبقّى من طاقة الجسد.
روتينٌ صار مألوفاً… حتى كاد يتحول إلى جزء من كياني.
حتى جاء الأسبوع الثاني.
استيقظتُ في ذلك الصباح كما أفعل كل يوم، لا شيء يميّزه عن غيره، تناولتُ طعامي على عجل، ثم اتجهتُ إلى العمل بخطى ثابتة.
كنت أعلم في قرارة نفسي أن هذا اليوم مختلف… ليس لأنه يحمل حدثاً ظاهراً، بل لأنه اليوم الذي سأحصل فيه على قدرة جديدة.
ومع ذلك، آثرت أن أؤجل التفكير بها حتى أعود، كعادتي… أردت أن أعيش لحظة اكتشافها بتركيزٍ كامل، دون أن يشوّشها إرهاق العمل أو ضجيج الآخرين.
انقضى اليوم ببطءٍ رتيب؛ تنظيف للأسلحة، ترتيبٌ للصناديق، ومهام متكررة لا تحمل أي مفاجأة.
حتى الغروب بدا وكأنه نسخة مكررة من سابقه.
استلمتُ راتبي، ثم عدتُ إلى النُّزُل برفقة فيسبر، تبادلنا بضع كلماتٍ عابرة، ثم تناولنا الطعام بصمتٍ شبه معتاد.
وبعد ذلك، صعدتُ إلى غرفتي.
أغلقتُ الباب خلفي بهدوء…
وساد الصمت.
تقدّمتُ بضع خطوات، ثم جلستُ على حافة السرير، وأطلقت زفرة طويلة كأنني أُفرغ ما تبقى من يومي.
ثم قلتُ بصوتٍ منخفض:
"بطاقة القدرات…"
للحظة، لم أشعر بشيء.
لا توتر… ولا حماس مفرط… فقط ترقّب هادئ، ممزوج بأملٍ خافت.
لم أكن أتوقع الكثير هذه المرة…
لكنني، في أعماقي، كنت أتمنى… فقط أن تكون قدرة يمكن الاعتماد عليها.
وفجأة—
ظهرت.
بطاقة ذهبية، متلألئة، تشبه غروب الشمس حين يحتضن الأفق آخر خيوط الضوء.
لم تكن مجرد بطاقة… بل شعور… حضورٌ يفرض نفسه.
مددتُ يدي ببطء، وعيناي تتنقلان بين تفاصيلها.
[ الفئة: من الفئة C. ]
توقفت.
رمشتُ مرة… ثم أخرى.
"الفئة… C؟"
شعرتُ وكأن الكلمات فقدت معناها للحظة.
أهذا… حقيقي؟
تسارعت أنفاسي دون أن أشعر، وازداد تركيزي على تلك الكلمة تحديداً، كأنني أخشى أن تختفي إن صرفتُ نظري عنها.
"أنا… لا أحلم… أليس كذلك؟"
ابتسامة صغيرة، مترددة، بدأت تتشكل على وجهي…
ثم تحولت تدريجياً إلى شعورٍ حقيقي بالفرح.
لقد حصلت عليها…
أسرع مما توقعت.
أكملتُ القراءة، وقلبي لا يزال ينبض بإيقاع مختلف:
[ القدرة: ذاكرة لا تتزعزع. ]
رفعتُ حاجبي قليلاً.
"ذاكرة…؟"
تابعت:
[ الوصف: يمكنك تذكر أي شيء حدث معك في هذا العالم، حتى أبسط وأصغر التفاصيل. ]
اتسعت عيناي قليلاً، وبدأ عقلي يعمل بسرعة.
كل شيء…؟
حتى التفاصيل التي لا ألاحظها؟
مشاهد، كلمات، وجوه، لحظات عابرة… كلها محفوظة؟
همستُ لنفسي:
"قد تكون… مفيدة أكثر مما تبدو."
أكملتُ:
[ الاستخدام: تذكر الأشياء المهمة مثل كلمة سر أو إجابة سؤال أو غيره. ]
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة، هذه المرة بثقة أكبر.
"لو امتلكتُ هذه القدرة في عالمي السابق…"
توقفتُ لحظة، ثم ضحكتُ بخفوت:
"لكنْتُ الأول… دون أي مجهود."
ثم وصلتُ إلى السطر الأخير:
[ الشروط: تستطيع استخدامها فقط عشر مرات في الشهر. ]
أومأتُ برأسي ببطء.
"عشر مرات…"
ليس كثيراً… لكنه ليس قليلاً أيضاً.
بل… مناسب.
مناسب لشخصٍ بدأ يتعلم كيف يستخدم ما يملك… بدلاً من أن يندفع دون تفكير.
وبينما كنتُ أستوعب كل ذلك—
تلاشت البطاقة.
اختفت كما ظهرت…
وكأنها لم تكن هنا قط.
لكن أثرها… بقي.
رفعتُ رأسي قليلاً، ونظرتُ إلى السقف، وابتسامة هادئة ترتسم على وجهي.
"أنا… أتطور."
لم تكن جملة عابرة…
بل حقيقة بدأت تتجسد.
خطوة… تلو الأخرى.
قد لا أكون الأسرع…
لكنني لستُ واقفاً.
وضعتُ يدي على صدري، وشعرت بنبضات قلبي المنتظمة.
"وأنا… أقترب."
اقترب… من هدفي.
من عائلتي.
من الحقيقة التي ما زالت تنتظرني في مكانٍ ما.
...
صمتُّ لبرهة، أراقب الفراغ أمامي، وكأنني أحاول استيعاب ما حصل قبل لحظات…
ثم تنفستُ ببطء، وقلت بصوتٍ خافت:
"نافذة الحالة."
ظهرت أمامي على الفور، بلونها السماوي الهادئ، كأنها قطعة من البحر اقتُطعت ووُضعت في الهواء.
[ نعم، أيها المستخدم. ]
تأملتُها لثوانٍ، ثم قلت بنبرة أكثر جدية:
"أخبريني عن كل شيءٍ مهم يتعلق بقدرة الذاكرة التي لا تتزعزع."
جاء الرد سريعًا، وباردًا كعادته:
[ لقد وضحت البطاقة كل شيء بالفعل. ]
ضيّقتُ عينيّ قليلاً، ثم زفرتُ بهدوء.
"إذاً… سأطرح بعض الأسئلة."
ترددتُ لثانية، ثم سألت:
"هل أستطيع تذكر الأشياء التي حدثت قبل استلامي لهذه القدرة؟"
ساد صمت قصير…
ثم:
[ لا، أيها المستخدم. هذا غير ممكن. ]
خفضتُ نظري قليلاً، وشعرتُ بشيءٍ خفيف ينقبض داخلي.
"حسناً…"
تمتمتُ بصوتٍ منخفض:
"كان متوقعًا… نوعًا ما."
لكن رغم توقعي… كان هناك جزء مني يأمل العكس.
رفعتُ رأسي مجددًا، وقلت:
"السؤال الثاني… هل قد تؤثر هذه القدرة عليّ بأي شكل؟"
هذه المرة، لم يكن الرد مباشرًا فقط… بل كان أثقل:
[ جسديًا: لا.
نفسيًا: نعم.
حيث إنك، بقدرتك على تذكر كل شيء بالتفصيل، قد تسترجع أحداثًا لا ترغب في تذكرها. ]
تجمدتُ للحظة.
لم تكن الإجابة صادمة…
بل كانت واضحة… أكثر مما يجب.
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيّ.
"فهمت…"
قلتُ بهدوء:
"هذا… منطقي."
لكن في داخلي، كان هناك شيء آخر يتشكل—
فكرة مزعجة.
أنني لن أنسى.
ليس فقط اللحظات الجيدة…
بل السيئة أيضًا.
الأخطاء… الندم… الوجوه التي تركتها خلفي…
وكل ما حاولتُ دفنه… سيبقى.
واضحًا.
حاضرًا.
وكأن الزمن… توقف عنده.
مددتُ يدي ببطء، وأغلقت نافذة الحالة.
اختفى الضوء السماوي…
وعادت الغرفة إلى هدوئها الثقيل.
تمددتُ على السرير، وأطلقت زفرة طويلة، شعرتُ معها أن جسدي كله ينهار دفعة واحدة.
"آه…"
همستُ بصوتٍ متعب.
لم يكن التعب جسديًا فقط…
بل شيء أعمق.
شيء يتراكم مع كل يوم… دون أن يُرى.
حدّقتُ في السقف، وعيناي نصف مغلقتين، ثم بدأت الأفكار تتسلل دون استئذان—
"كم أتمنى…"
توقفتُ لحظة، ثم أكملتُ بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
"أن أعود…"
إلى بيتي.
إلى سريري الدافئ…
ذلك الذي لم أكن أقدّر قيمته يومًا.
إلى رائحة الطعام…
إلى صوت أمي وهي تناديني…
إلى تلك التفاصيل الصغيرة…
التي لم أدرك أنها كانت… كل شيء.
ابتسمتُ بمرارة خفيفة.
"حتى الجامعة…"
ضحكتُ بهدوء، ضحكة قصيرة بلا روح.
"كنت أشتكي منها…"
أغمضتُ عينيّ قليلاً، وكأنني أرى تلك الأيام أمامي.
"والآن… أتمنى لو أعود إليها… ولو ليومٍ واحد."
ساد الصمت.
صمتٌ ثقيل… لكنه صادق.
ثم همستُ:
"لكن…"
فتحتُ عينيّ ببطء، ونظرتُ إلى الفراغ.
"الواقع… ليس مكانًا تتحقق فيه الأمنيات."
تنفستُ بعمق، وكأنني أُقنع نفسي:
"ولو كانت تتحقق بسهولة…"
توقفتُ لثانية، ثم أكملتُ:
"لما كان لها أي معنى."
أغلقتُ عينيّ أخيرًا.
هذه المرة… بصدق.
جسدي كان منهكًا…
وعقلي… أكثر.
لكن وسط كل هذا—
كان هناك شيء واحد واضح:
أنني… لا أملك خيارًا سوى الاستمرار.
ومع آخر خيط من الوعي…
غرقَ كل شيء في الظلام.
ونمتُ…
نومًا عميقًا…
كما لم أنم من قبل.