جاء اليوم الموعود… وأخيرًا.

اليوم الذي طالما فكّرت فيه، وتردد صداه في داخلي منذ زمن…

اليوم الذي سأقدّم فيه استقالتي.

ما زلتُ، رغم كل شيء، عاجزًا عن استيعاب الفكرة بالكامل.

أنني… سأغادر.

سأفترق عن هذا المكان الذي، رغم قسوته، أصبح مألوفًا.

عن العمة ميليسا بابتسامتها الحنونة…

عن ليانا بحماستها الدافئة…

عن صاحب العمل، بنبرته الجادة…

عن نوكس، ولوكسيان، وماركوس، وكايرو…

وعن الجميع.

تنهدتُ ببطء.

حسنًا…

كان هذا اليوم سيأتي عاجلًا أم آجلًا.

هذا ما كنتُ أفكر فيه، بينما كنتُ أجلس حول الطاولة الخشبية، أتناول الفطور الذي أعدّته العمة ميليسا لي ولفيسبر.

كان الطعام دافئًا، بسيطًا، ومألوفًا…

لكن طعمه، اليوم، بدا مختلفًا.

أو ربما… أنا من تغيّر.

وبينما كنتُ أتناول طعامي بصمت، شعرتُ بنظرةٍ ثابتة تُراقبني.

رفعتُ رأسي قليلًا—

فوجدتُ فيسبر ينظر إليّ مباشرة.

قال، بنبرةٍ مترددة تحمل شيئًا من الجدية غير المعتادة:

"لا أعلم لماذا… لكنك في الآونة الأخيرة… بدأت تتصرف بغرابة."

توقفتُ عن المضغ للحظة، ثم سعلتُ فجأة، وكأن كلماته علقت في حلقي.

ضربتُ صدري عدة ضرباتٍ خفيفة، محاولًا استعادة أنفاسي، ثم قلتُ بسرعة:

"ماذا؟! أنا؟ ما الذي جعلك تقول ذلك؟"

أجابني، وهو لا يزال يحدّق بي:

"أعني… أنك تبدو مكتئبًا قليلًا… على غير عادتك."

"مكتئب؟"

كررتُ الكلمة وكأنها غريبة على مسامعي.

تابع بسرعة، وكأنه يخشى أن يتراجع:

"في الأيام العادية، كنتَ تضحك… تمزح… تتحدث بلا توقف.

لكن في الآونة الأخيرة… بالكاد تفعل ذلك."

ساد الصمت.

وضعتُ يدي على وجهي، وأغمضتُ عينيّ للحظة.

يبدو أن… قرار الاستقالة أثّر عليّ أكثر مما ظننت.

لدرجة أن فيسبر نفسه… بدأ يلاحظ.

بل… ويصفني بالمكتئب.

تنهدتُ بخفة، ثم قلت:

"حسنًا… يبدو أن قرار الاستقالة هو السبب—"

"ماذا؟!"

قاطعني فجأة، بصوتٍ مرتفع، كاد أن يُسقط الكوب من يده.

"استقالة؟! عمّا تتحدث؟!"

تجمدتُ لثانية.

…آه.

صحيح.

نسيت.

ابتسمتُ ابتسامة محرجة، وقلت:

"هاها… يبدو أنني نسيت إخبارك."

ساد الصمت بيننا.

صمتٌ قصير… لكنه ثقيل.

نظرتُ إليه للحظة، فرأيتُ ملامحه مشدودة، وعينيه متسعتين قليلًا، وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه للتو.

بصراحة…

ردة فعله كانت مفهومة.

ربما… كنت سأفعل الشيء نفسه لو كنت مكانه.

أمسك بالكوب، وارتشف قليلًا من الماء، محاولًا التماسك، ثم قال بصوتٍ أخفض:

"متى… ستستقيل إذًا؟"

نظرتُ إليه مباشرة، وقلت بهدوء:

"اليوم."

في اللحظة التالية—

سعل.

اختنق بالماء، وانحنى قليلًا وهو يضرب صدره، بينما تناثر بعض الماء من فمه.

أدار وجهه بعيدًا، ثم مسحه بسرعة، وقال بنبرةٍ تجمع بين الدهشة والاستياء:

"أنت… حقًا لا تكف عن صدمتي."

ثم تابع، وهو يعقد حاجبيه:

"متى خطر هذا على بالك أصلًا؟ ولماذا؟"

أجبتُ، هذه المرة دون تردد:

"في الواقع… كان هذا القرار موجودًا منذ أول يوم عملتُ فيه مع صاحب العمل."

توقفتُ لحظة، ثم أضفت:

"وكما تعلم… يجب أن أجد عائلتي."

نظر إليّ بصمت.

ثم قال بهدوء:

"…هذا مفهوم."

لكنه لم يُكمل.

عاد الصمت من جديد، وهذه المرة كان أعمق.

بدا وكأنه غارق في أفكاره، بعيدًا عمّا حوله.

راقبته للحظة، ثم تنهدتُ داخليًا.

ربما لأنه ما يزال مراهقًا…

لذلك يبدو الأمر صادمًا له إلى هذه الدرجة.

لكن—

رفعتُ يدي، وضربتُ جبهته بإصبعي بخفة.

"لا يعني كونك مراهقًا أن لديك الحق في مناداتي بالمكتئب، أيها الشقي."

"أوتش!"

قالها وهو يمسك جبهته، متألمًا:

"هذا مؤلم!"

ضحكتُ بخفة:

"تستحق ذلك… لقلة احترامك."

ابتسم، رغم الألم، ثم قال:

"على أية حال… لقد قررت."

رفعتُ حاجبي باستغراب:

"ماذا؟"

نظر إليّ بعينين لامعتين، وقال بحماسٍ واضح:

"سأستقيل أنا أيضًا… وسأتبعك."

توقفتُ.

للحظة… لم أستوعب.

"نعم، نعم…"

قلتُ بشكل تلقائي، ثم تجمدتُ.

انتظر.

"مهلًا… ماذا؟!"

حدّقتُ فيه مباشرة.

هل… قال ما أظنه قاله؟

خفق قلبي أسرع قليلًا.

"أنت… تمزح، صحيح؟"

لكن تعبيره…

لم يكن مزاحًا.

...

نظر إليّ فيسبر بثبات، دون أن يتراجع أو يتردد، ثم قال بنبرةٍ حاسمة:

"أنا جاد في قراري… سأذهب معك في رحلتك."

تجمدتُ في مكاني لوهلة.

لم تكن كلماته مجرد حماسٍ عابر…

بل كانت تحمل وزن قرارٍ حقيقي.

صمتُّ قليلًا، أحاول استيعاب ما قاله، ثم رفعتُ رأسي نحوه وقلت:

"مهلًا… مهلًا، ما الذي جعلك تتخذ هذا القرار؟"

لم يجب فورًا.

خفض نظره قليلًا، وكأنّه يبحث عن الكلمات المناسبة…

ثم قال بهدوءٍ غير معتاد:

"حسنًا… أنا… ليس لدي مكان أذهب إليه."

توقفتُ عن الحركة.

وأكمل، بصوتٍ أخفض:

"ولا أملك أحدًا… أستطيع أن أعتبره أخًا غيرك."

سكنت الكلمات في الهواء.

بثقلٍ… لم أعتد عليه.

شعرتُ بشيءٍ غريب ينقبض في صدري، لكنني تجاهلته سريعًا، وقلت بجدية:

"يا فيسبر… أنت لا تعلم شيئًا."

نظرتُ إليه مباشرة، وأضفت:

"رحلتي لن تكون سهلة… ستكون مليئة بالمخاطر… الوحوش… الأعداء… التعب… والإرهاق."

توقفتُ لحظة، ثم قلت ببطء:

"…وربما الموت."

لم أكن أبالغ.

كنت أقول الحقيقة… كما هي.

لكن—

ابتسم.

ابتسامة بسيطة… هادئة… وكأن كلماتي لم تُخفه ولو قليلًا.

وقال دون تردد:

"هذا لا يهم."

رمشتُ بدهشة.

تابع:

"فلا يوجد شيء لأخسره… على أية حال."

صمتُّ.

تصلبت ملامحي، بينما كانت كلماته تتردد في رأسي.

لا يوجد شيء لأخسره…

هذا الشقي…

كيف يمكنه أن يقول ذلك بهذه السهولة؟

ما الذي مرّ به… ليصل إلى هذا الشعور؟

أي نوع من الحياة… جعله لا يخاف حتى من الموت؟

غرقتُ في أفكاري للحظة—

لكن صوته قطعها فجأة:

"بالإضافة إلى ذلك…"

رفع رأسه قليلًا، وابتسم ابتسامة جانبية:

"قد تموت قبلي… فأنت أضعف مني—"

طَق.

ضربتُ جبهته بإصبعي مرة أخرى.

"يبدو أنك لا تتعلم من أخطائك مهما حصل."

"أوتش!"

قالها وهو يمسك رأسه، متألمًا:

"لماذا فعلت هذا مرة أخرى؟! هذا مؤلم!"

ابتسمتُ بخفة، رغم كل شيء.

كان الجو… غريبًا.

بين جديةٍ ثقيلة… ومزاحٍ مألوف.

تنهدتُ بهدوء، ثم قلت:

"حسنًا…"

توقف للحظة، وكأن العالم كله صمت.

ثم أكملت:

"يمكنك القدوم معي."

اتسعت عيناه فورًا.

"ماذا؟ حقًا؟!"

نهض قليلًا من مكانه، وملامحه تفيض بالحماس:

"رائع! شكرًا لك!"

هززتُ رأسي بخفة، وأنا أراقب فرحته التي لم يحاول إخفاءها.

"أجل… لا بأس."

ثم أضفتُ في داخلي، دون أن أنطق:

رغم أنني لا أريد الاعتراف بذلك…

لكنني… ربما…

كنت سأصبح وحيدًا أكثر مما أحتمل… لو ذهبتُ بمفردي.

خفضتُ نظري قليلًا.

بل… ربما… مكتئبًا.

بينما كان فيسبر يضحك بحماس، وكأنه نسي كل شيء آخر—

فُتح الباب فجأة.

التفتنا معًا—

لتدخل العمة ميليسا، وعلى وجهها ابتسامة… لم تكن عادية.

ابتسامة تحمل شيئًا من الفضول… وشيئًا من الشك.

قالت بنبرةٍ هادئة، لكنها واضحة:

"يبدو أن صراخ فيسبر كان عاليًا جدًا…"

ثم أضافت وهي تنظر بيننا:

"لدرجة أنني سمعته من غرفة ليانا."

تبادلنا أنا وفيسبر نظرة سريعة.

ثم أكملت، وهي تعقد ذراعيها قليلًا:

"إذاً… ما قصة قرار "الاستقالة" هذا؟"

ضحكتُ بخفة، لكن داخليًا…

كنت أعلم.

أن الأمر… لن يكون بسيطًا.

مررتُ يدي على رأسي، وتنهدت:

"هاها…"

يبدو أنني… سأحتاج لشرح كل شيء من جديد.

2026/03/01 · 6 مشاهدة · 1007 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026