جلست العمة ميليسا على الكرسي المجاور لي ولفيسبر، بحركةٍ هادئة، وكأنها تحاول أن تُخفي توترًا خفيفًا خلف سكونها المعتاد.
شبكت يديها أمامها، ثم مالت قليلًا إلى الأمام، وعلى وجهها ابتسامة لطيفة… لكنها لم تكن خالية تمامًا من الجدية.
قالت بنبرة دافئة، تحمل في طياتها فضولًا واضحًا:
"هيا… اشرحا أمر "الاستقالة" هذا."
تنفستُ ببطء.
…يبدو أنه لا مفر.
في الحقيقة، كنت أعلم أن هذه اللحظة ستأتي عاجلًا أم آجلًا… لكن مواجهتها الآن، وجهاً لوجه، جعل الأمر أثقل مما توقعت.
مررتُ يدي على رأسي قليلًا، ثم بدأتُ أشرح.
أخبرتها بكل شيء.
عن قراري الذي اتخذته منذ أول يوم… عن نيتي في الاستقالة… وعن الرحلة التي أنوي خوضها… للبحث عن عائلتي.
كنت أتحدث بهدوء، لكن داخلي كان يموج بشيءٍ يصعب وصفه.
ومع انتهاء كلماتي…
ساد الصمت.
نظرتُ إليها.
كانت ملامحها هادئة… لكن عينيها لم تكونا كذلك.
كان هناك حزنٌ خافت، يظهر ويختفي، كظلٍ يمر فوق سطح ماء ساكن.
ثم قالت، بصوتٍ منخفض قليلًا:
"هكذا الأمر… إذاً."
خفضتُ نظري للحظة.
…يبدو أن العمة ميليسا أيضًا حزينة.
وهذا… جعل الأمر أصعب.
لكن—
ليس لدي خيار آخر.
رفعتُ رأسي مجددًا، محاولًا التماسك.
ثم أضافت، وهي تنظر بيني وبين فيسبر:
"حسنًا… إذاً فيسبر سيذهب معك أيضًا؟"
وقبل أن أنطق—
أجاب فيسبر بسرعة، وكأنه كان ينتظر السؤال:
"نعم! سأذهب معه."
التفتت إليه.
ثم عادت بنظرها نحوي.
وساد الصمت مرة أخرى…
لكن هذه المرة، كان أطول.
وأثقل.
وأكثر وضوحًا.
ثم قالت بهدوء:
"ليانا… ستفتقدك كثيرًا."
تجمدتُ قليلًا.
شعرتُ بوخزة خفيفة في صدري…
لكنني تجاهلتها، وقلت بصوتٍ منخفض:
"…لا يوجد مفر من الأمر."
لم يكن جوابًا قويًا.
لكنه… كان صادقًا.
أومأت برأسها ببطء، وكأنها تقبل الحقيقة، رغم عدم رضاها الكامل عنها.
ثم سألت:
"إذاً… إلى أين ستتوجه؟"
وقبل أن أجيب، التفت فيسبر نحوي بسرعة، وقال بحماس:
"صحيح! إلى أين سنذهب؟"
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة.
هذه المرة… بثقة.
"وجهتي… هي العاصمة التي يتحدث عنها الجميع."
اتسعت عينا فيسبر فورًا:
"حقًا؟!"
هززتُ رأسي بهدوء:
"نعم."
تدخلت العمة ميليسا، بنبرةٍ أكثر جدية:
"أتقصد… العاصمة ستورن؟"
نظرتُ إليها، ثم أومأت:
"بلى."
—
ساد الصمت مجددًا.
لكن هذه المرة…
لم يكن مجرد صمت.
كان أشبه بلحظة إدراك.
لحظة تتجمع فيها كل الخيوط… لتكوّن صورة واحدة واضحة.
ثم قالت، ببطء:
"يبدو أن كل شيء… يقود إلى نفس النتيجة."
نظرت إلينا بعينين ثابتتين، ثم أكملت:
"أنت… وفيسبر… ستستقيلان."
توقفت لثانية، ثم أضافت:
"وليس هذا فحسب… بل وجهتكما هي العاصمة ستورن."
ابتلعتُ ريقي.
ثم قلت، بتردد خفيف:
"…نعم. هذا ما في الأمر."
—
للحظة…
لم تقل شيئًا.
فقط نظرت إلينا.
ثم…
ابتسمت.
لكن هذه المرة…
كانت ابتسامة مختلفة.
ابتسامة تحمل قرارًا.
وقالت:
"إذاً… حُسِم الأمر."
تبادلتُ أنا وفيسبر نظرة سريعة.
كان هناك شيء في نبرتها…
شيء غير معتاد.
ثم أكملت، بكل بساطة:
"سأذهب أنا وليانا معكما."
—
تجمد الزمن.
رفعتُ رأسي فجأة.
واتسعت عيناي دون إرادة.
وبنفس اللحظة—
قلت أنا وفيسبر معًا:
"…مهلًا، ماذا؟!"
...
اتسعت عيناي، وما زال صدى كلماتها يتردد في أذني.
"سأذهب أنا وليانا معكما."
ابتلعتُ ريقي، ثم قلت بسرعة، وكأنني أحاول إيقاف الأمور قبل أن تتسارع أكثر:
"مهلًا… مهلًا، ما الذي جعلكِ تتوصلين لهذا القرار؟!"
نظرت إليّ العمة ميليسا بهدوء.
لم يكن في عينيها تردد… ولا اندفاع.
بل شيءٌ آخر…
شيء يشبه الحسم.
قالت بصوتٍ ثابت:
"كما تعلم… أنا وليانا لم نأتِ إلى هذا العالم بإرادتنا."
توقفت لحظة، وكأنها تستحضر ذكرى بعيدة، ثم تابعت:
"لقد انتقلنا فجأة… دون سابق إنذار."
خفضت نظرها قليلًا، ثم أضافت بصوتٍ أخف:
"والأمر نفسه… قد يكون قد حدث مع زوجي."
—
ساد الصمت.
شعرتُ بشيءٍ خفي يضغط على صدري… لكنني لم أتحدث.
تابعت، وهي تشبك يديها بقوة هذه المرة:
"لهذا السبب… اشتريتُ هذا النزل.
نظرت حولها للحظة، إلى الجدران، إلى الطاولة، إلى المكان الذي أصبح بيتًا لنا جميعًا…
ثم قالت:
"كنت أجمع المال… لأبحث عنه."
شدّت قبضتيها أكثر، حتى كادت عروق يديها أن تظهر، ثم صمتت للحظة قصيرة…
قبل أن تكمل، بنبرةٍ أقوى:
"وكنت… سأبيع هذا النزل يومًا ما على كل حال."
رفعت رأسها، وعيناها تلمعان بعزمٍ واضح:
"وبعدها… كنت سأبحث عنه."
توقفت، ثم أضافت ببطء، وكأنها تؤكد كل كلمة:
"حتى لو عنى ذلك… البحث في أرجاء العالم."
—
كلماتها…
لم تكن مجرد كلام.
كانت وعدًا.
ثم نظرت إليّ مباشرة، وقالت:
"وها أنت الآن… تخبرني أنك ذاهب إلى ستورن."
اتسعت ابتسامتها قليلًا، لكن خلفها كان هناك شيء أعمق:
"أليست هذه… الفرصة المثالية؟"
أشارت بيدها بخفة، وكأنها تجمع الخيوط أمامها:
"أبيع النزل… وأذهب معكم إلى ستورن."
ثم أضافت، بنبرةٍ دافئة لكنها صادقة:
"خصوصًا أننا نملك الهدف نفسه…"
توقفت لثانية.
ثم قالت بهدوء:
"إيجاد الأشخاص الثمينين علينا."
—
ساد الصمت.
لكن هذه المرة…
لم يكن صمتًا فارغًا.
بل صمتًا مليئًا بالأفكار.
تتزاحم.
تتصادم.
تتشابك.
وجهة نظرها… منطقية.
بل… أكثر من منطقية.
هذه فرصة نادرة.
نفس الهدف.
ومجموعة… بدل أن أكون وحدي.
…أو هكذا يفترض.
لكن—
المخاطر.
الوحوش.
المجهول.
شددتُ يدي دون أن أشعر.
هل… أستطيع حمايتهم؟
هل أستطيع حماية العمة ميليسا… إن حدث شيء؟
—
رفعت رأسي، ونظرت إليها بجدية، وقلت:
"ميليسا… أنتِ لا تعلمين نوع المخاطر التي سنواجهها."
توقفتُ لحظة، ثم أكملتُ بصوتٍ أثقل:
"قد يحدث معنا أي شيء."
ثم قلت بوضوح:
"حتى… الموت."
ساد الصمت.
ثم أضفت، وأنا أنظر في عينيها مباشرة:
"هل أنتِ حقًا مستعدة لمواجهة ذلك؟"
—
خفضت العمة ميليسا نظرها.
وصمتت.
…
تنهدتُ داخليًا.
يجب عليّ… أن ألوم نفسي لاحقًا.
كانت كلماتي قاسية.
لكن—
إن أردتُ أن أُحبط عزيمتها…
فلا توجد طريقة ألطف من الحقيقة.
—
نظرتُ إلى فيسبر.
فبادلني نظرةً مستنكرة، وكأن عينيه تقولان:
"ألا تعتقد أنك قاسٍ قليلًا؟!"
نظرتُ إليه بحدة خفيفة:
"وماذا تريدني أن أفعل؟ أزيّن الحقيقة؟!"
ردّ بعينيه:
"لا… لكن كان يمكنك قولها بطريقة ألطف."
أجبته بنظرة حازمة:
"هذه هي الطريقة الوحيدة… لتدرك الحقيقة."
—
وقبل أن يستمر هذا الحوار الصامت—
رفعت العمة ميليسا رأسها.
—
وقالت:
"لا يهم."
نظرت إليّ مباشرة.
وفي عينيها…
بريق.
بريق لم أره من قبل.
"إن كان ذلك يعني… أنني سأجد زوجي."
توقفت لجزء من الثانية…
ثم قالت، دون أدنى تردد:
"فلا يهم إن واجهت الموت."
—
…تجمدت.
هذه لم تكن شجاعة عادية.
هذه…
كانت عزيمة.
عزيمة شخص… لم يعد يرى في هذا العالم شيئًا سوى هدفه.
—
ابتسمتُ بخفة.
ليس لأن الأمر بسيط…
بل لأنني فهمت.
تنهدت، ثم قلت:
"حسنًا…"
توقفت لحظة قصيرة، ثم أضفت:
"طالما أنكِ مصرة إلى هذه الدرجة…"
نظرت إليها، ثم قلت:
"فليس لدي خيار."
ثم أكملت:
"يمكنكِ المجيء معنا."
—
في اللحظة التالية—
تنفّس فيسبر بارتياح:
"يا للراحة…!"
وابتسمت العمة ميليسا ابتسامة دافئة، وكأن حملًا ثقيلًا قد أزيح عن قلبها.
أما أنا…
فاكتفيت بالابتسام.
لكن داخلي…
لم يكن هادئًا.
—
كيف يمكنني أن أرفض طلبها؟
هي التي آوتني… عندما لم يكن لدي مكان أذهب إليه.
هي التي أطعمتني… عندما كان الجوع ينهشني.
هي التي منحتني… شعورًا يشبه البيت.
…
لم يكن بإمكاني رفضها.
أبدًا.
لكن—
عددنا أصبح أربعة.
أنا…
فيسبر…
العمة ميليسا…
وليانا.
—
نظرتُ إلى الأرض قليلًا.
وتسللت فكرة إلى ذهني…
هادئة.
ثقيلة.
مقلقة.
…
هل…
ستكون الأمور بخير حقًا؟