بعد أن اتخذت قراري بالموافقة على مرافقة العمة ميليسا لنا، تابعت تناول طعامي بصمتٍ خفيف، وكأنني أحاول استيعاب كل ما حدث في دقائق قليلة.
لم يكن القرار سهلاً... لكنه بدا صحيحاً بطريقة غريبة.
وما إن انتهيت، حتى شبكت العمة ميليسا يديها أمامي
وقالت بنبرة مترددة قليلاً:
"إذاً... لدي طلب."
رفعت رأسي ونظرت إليها قائلاً:
"ما هو؟"
أخذت نفساً خفيفاً قبل أن تقول:
"هل يمكنك تأجيل استقالتك... حتى أتمكن من بيع النزل؟"
تجمدت للحظة.
"هاه؟"
تابعت بهدوء، لكن بعزمٍ واضح:
"أعني... لن أعود إلى هنا مجدداً بعد أن أذهب معكم. لذا... من الأفضل أن أبيعه."
شعرت بشيء ينقبض في صدري.
هذا المكان... لم يكن مجرد نزل.
كان أول مكان احتواني في هذا العالم.
قلت بتوتر واضح:
"مهلاً... هل ستبيعينه حقاً؟"
أجابت ببساطة:
"أجل."
"لكن... قد نعود إلى هنا يوماً ما!"
هزّت رأسها ببطء، وعيناها تحملان قراراً لا رجعة فيه:
"أنا لن أعود... حتى أجد زوجي."
ساد الصمت.
لم يكن صمتاً عادياً... بل كان ثقيلاً، ممتلئاً بما لم يُقل.
ثم قطعت هي ذلك الصمت، وكأنها شعرت بما يدور داخلي:
"لا تقلق... بيع النزل هو قراري أنا."
تنهدت ببطء، مستسلماً لهذا الواقع الجديد، ثم قلت:
"حسناً... سأؤجل الاستقالة حتى تتمكني من بيعه."
تبدلت ملامحها فوراً، وارتسمت ابتسامة صادقة على وجهها:
"شكراً لك."
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت:
"لا داعي للشكر."
ثم التفتُّ إلى فيسبر... الذي كان لا يزال يأكل وكأن العالم لا يحتوي على أي قرارات مصيرية، فقلت بنبرة ساخرة:
"هيا، لنذهب للعمل."
ابتلع آخر لقمة بسرعة، شكر العمة ميليسا بحماس، ثم تبعني.
خرجنا من النزل، وكان الهواء الخارجي أبرد قليلاً... أو ربما كان ذلك مجرد إحساس داخلي.
وبينما كنا نسير، كسر فيسبر الصمت قائلاً:
"إذاً... نحن حقاً سنستقيل؟"
ترددت للحظة قبل أن أجيب:
"نعم..."
ثم أضفت، وأنا أنظر إلى الطريق أمامي:
"لكن ليس الآن... على الأقل ليس قبل أن تجد العمة ميليسا مشترياً للنزل."
هز رأسه بتفهم، وعاد الصمت بيننا من جديد... صمت يحمل بداية نهاية مرحلة كاملة.
بعد عدة دقائق، وصلنا إلى مكان العمل.
كل شيء بدا عادياً... بشكل مزعج.
الأصوات، العربة، الناس، الأوامر...
كلها كما هي، وكأن شيئاً لم يتغير.
إلا أنا.
بدأت العمل كالمعتاد، لكن عقلي لم يكن حاضراً بالكامل.
كانت الأفكار تتدافع داخلي بلا توقف...
الرحلة، العاصمة، العائلة... الاستقالة.
حتى جاء وقت الاستراحة.
كنت قد اتخذت قراري مسبقاً.
مسحت العرق عن جبيني، وجلست للحظة ألتقط أنفاسي، ثم شربت بعض الماء، قبل أن أنهض ببطء.
خطواتي كانت ثابتة... لكن قلبي لم يكن كذلك.
توجهت نحو العربة.
وهناك كان... صاحب العمل.
جالساً في مكانه المعتاد، يتفقد بعض الأوراق بتركيز شديد، وكأن العالم من حوله غير موجود.
توقفت أمامه.
لم يرفع رأسه.
لم ينظر إلي.
فقط قال ببرود:
"ما الذي تريده؟"
ابتلعت ريقي.
جمعت ما تبقى من شجاعتي.
أخذت نفساً عميقاً...
ثم قلت:
"أريد الاستقالة."
...
توقّف صاحب العمل عن القراءة.
ببطء، أنزل الأوراق من بين يديه، ثم أغلقها بعناية كما لو كان يغلق باب فكرة لم تكتمل بعد.
ساد صمت قصير، ثقيل بما يكفي ليجعل أنفاسي تبدو أعلى مما هي عليه.
ثم قال، دون أن ينظر إليّ:
"لماذا؟"
في تلك اللحظة، ارتسمت في داخلي ابتسامة ساخرة...
"لماذا؟"
كم مرة سمعت هذا السؤال اليوم؟
فيسبر سألني.
ميليسا سألَتني.
والآن... هو أيضًا.
أخفضت بصري قليلًا، وكأنني أرتب أفكاري قبل أن أخرجها للعالم.
لا حاجة للتفاصيل الطويلة... سأختصر.
تنفست بعمق، ثم قلت:
"لقد جمعت ما يكفي من المال... وأريد الذهاب إلى العاصمة ستورن... لأبحث عن عائلتي."
لم يجب فورًا.
بل... فعل شيئًا أغرب.
عاد ببساطة إلى أوراقه.
كما لو أنني لم أقل شيئًا مهمًا.
رمشتُ عدة مرات، غير مستوعب ردّة فعله.
هل تجاهلني؟ أم أنه لم يسمع جيدًا؟
وقبل أن أفتح فمي مجددًا، قال بهدوء، وعيناه ما تزالان مثبتتين على الأوراق:
"إن كانت هذه حالك... فلا داعي للاستقالة."
تجمّدت في مكاني.
"ماذا؟"
وقبل أن أطرح السؤال، أضاف بنفس النبرة الهادئة:
"وجهتنا التالية... هي ستورن."
في تلك اللحظة، شعرت وكأن العالم توقّف لثانية.
ستورن؟
نفس المكان... الذي قررت الذهاب إليه؟
رفعت رأسي بسرعة وقلت بدهشة صريحة:
"ماذا؟ حقًا؟ متى؟"
قال دون أن يغيّر وضعه:
"يوم الخميس. بعد ثلاثة أيام."
ثلاثة أيام فقط...
اتسعت عيناي قليلًا، وقلت:
"هذا... مفاجئ جدًا. هل يعلم الآخرون؟"
"لا."
ثم أضاف:
"كنت أنوي إخبارهم بعد نهاية اليوم."
ساد الصمت مرة أخرى.
لكن هذه المرة... لم يكن صمتًا عاديًا.
كان مليئًا بالأفكار.
الكثير منها.
أعاد صاحب العمل ترتيب بعض الأوراق، ثم قال:
"إذًا... هل ما زلت تريد الاستقالة بعد سماع هذا؟"
ترددت لثوانٍ.
ثم قلت:
"بما أننا سنذهب إلى ستورن... فلا أعتقد أن هناك سببًا للاستقالة."
صمت قليلًا... ثم أضفت، وقد بدأ الفضول يتسلل إليّ:
"لكن... لماذا قررت الذهاب إلى ستورن فجأة؟ ما الذي لديك هناك؟"
توقفت يداه للحظة.
لحظة قصيرة... لكنها لم تمر دون أن ألاحظها.
ثم قال.
"ستعرف بعد نهاية الدوام."
رفع عينيه نحوي أخيرًا، وأضاف:
"هل هناك شيء آخر؟"
هززت رأسي ببطء:
"لا... لا يوجد."
استدرت وغادرت.
عدت إلى عملي...
لكنني لم أعد كما كنت قبل دقائق.
جسدي يعمل.
أما عقلي...
فكان في مكان آخر تمامًا.
هذا غير منطقي...
عندما قررت الذهاب إلى ستورن...
وعندما قررت الاستقالة...
يتضح فجأة أن وجهتنا القادمة هي نفس المكان؟
مصادفة؟
...لا تبدو كذلك.
نظرت نحو العربة من بعيد، حيث كان صاحب العمل لا يزال يقرأ أوراقه بتركيز شديد.
هل لهذه الأوراق علاقة بستورن؟
هل كان يخطط لهذا منذ البداية؟
أم أن هناك شيئًا أكبر... وأنا فقط لا أراه بعد؟
تنهدت بهدوء، بينما كنت أواصل العمل.
"ليس وكأنني بطل رواية... حتى تحدث معي أشياء كهذه."
لكن... ولسببٍ ما...
لم أشعر أن الأمر عادي.
...
مرّت الدقائق ببطء...
أبطأ مما ينبغي.
كان الوقت يقترب من نهاية الدوام، وكل شيء بدا وكأنه يسير بشكل طبيعي... إلا أنا.
كنت أتحرك، أعمل، أجيب على من يكلّمني...
لكن داخلي كان مشغولًا بالكامل.
ستورن...
ثلاثة أيام...
ومصادفة لا تبدو مصادفة.
تنفست بعمق، ثم قررت أن أتحرك.
توجهت نحو فيسبر، الذي كان منهمكًا في تنظيف إحدى الزوايا، يحرّك يديه بسرعة وكأنه يحاول إنهاء العمل قبل انتهاء الوقت بلحظات.
ما إن لاحظ اقترابي حتى توقف، ورفع حاجبه باستغراب:
"ما الذي جاء بك إلى هنا؟"
ترددت لثانية... ثم قلت:
"حسنًا... قد يبدو الأمر مفاجئًا، لكنني... لن أستقيل."
اتسعت عيناه فجأة، وكأنني أخبرته بشيء غير متوقع تمامًا:
"ماذا؟ لماذا؟ هل غيّرت رأيك فجأة؟!"
فتحت فمي لأجيب-
لكن...
"ترننننن..."
رنّ جرس الاجتماع.
ذلك الصوت المعدني الحاد الذي لا يخطئه أحد، والذي يعني دائمًا شيئًا واحدًا...
مهمة جديدة.
رفعت رأسي قليلًا، ثم قلت بهدوء:
"يبدو أن الوقت قد حان."
نظرت إلى فيسبر وقلت:
"هيا... ستفهم كل شيء هناك."
لم يبدُ مقتنعًا... لكنه لم يعترض.
تحركنا معًا نحو مكان الاجتماع.
كان الجميع هناك.
كالعادة... لم يتأخر أحد.
ماركوس، نوكس، لوكسيان... والبقية.
وجوه مألوفة... لكن خلف كل وجه قصة مختلفة.
وقفت بينهم، محاولًا أن أبدو طبيعيًا قدر الإمكان.
لكن الحديث بدأ بسرعة.
قال لوكسيان، وهو يعقد ذراعيه ويبتسم بسخرية:
"يبدو أن اليوم ستكون لدينا مهمة تستحق... فكلما رنّ هذا الجرس، لم يجلب لنا إلا المهام الخطرة."
ابتسم كايرو ابتسامة خفيفة وقال:
"أنت محق... أتساءل ما الذي ينتظرنا هذه المرة."
تدخل تيروس، بنبرة يغلب عليها الفضول:
"ألن تكون مهمة عجيبة كالعادة؟ صاحب العمل لا يملّ من جعلنا نتفاجأ"
تنهد زايروس بوضوح، وكأن الذكرى وحدها كافية لإزعاجه:
"لو كنتم تعلمون ما مررت به في المهمة السابقة... كان عذابًا حقيقيًا. وأنا لست وحدي... الثلاثة الذين كانوا معي يعرفون ذلك جيدًا."
قال نوكس بهدوء، دون أن يرفع صوته:
"تقول ذلك... وكأنك لم تستلم سبعة آلاف دولار."
ضحك ماركوس بخفة، لكنه سرعان ما هز رأسه وقال:
"رغم ذلك... أتمنى ألا تكون كمهمة صيد الوحوش. لا أريد حتى أن أتذكر تلك اللحظة... عندما أمسك بي الوحش... وحبسني داخل الكهف."
ارتجف صوته قليلًا عند آخر جملة.
لكن كالستير لم يفوّت الفرصة للرد عليه بهدوء:
"هيا... لا تكن جبانًا هكذا. في النهاية... أنقذك صاحب العمل وريغان... ونيلوت."
ثم التفت نحوي مباشرة، وقال بابتسامة خفيفة:
"أليس كذلك يا نيلوت؟"
ابتسمت بخفة، وقلت:
"ههه... أجل."
لكن ردّة الفعل لم تكن عادية.
تجمّد فيسبر لثانية، ثم التفت إلى ماركوس بسرعة:
"ماذا؟ أحقًا حصل هذا؟"
ضحك ماركوس وقال:
"ههه... نعم، حصل منذ فترة. أنت لم تكن معنا حينها."
عاد فيسبر ونظر إليّ، وعيناه مليئتان بالدهشة:
"وأنت... كنت من أنقذه؟! لماذا لم تخبرني؟"
رفعت يدي قليلًا بتواضع:
"الأمر ليس كما تظن... لم أكن وحدي. كان معي صاحب العمل وريغان."
لكنه لم يهدأ.
اقترب أكثر وقال بإصرار واضح:
"لا، لا... عليك أن تخبرني القصة كاملة! هيا، أخبرني!"
وقبل أن أجيبه-
تدخل صوت هادئ، لكنه حاد بما يكفي ليوقفه.
قال سيريون:
"ألا ترى أن نيلوت منزعج من إصرارك؟... تبدو كالأطفال."
تغيّر وجه فيسبر فورًا، وقال بانزعاج:
"أبدو كالأطفال؟! عمري خمسة عشر سنة!"
بدأ التوتر يتصاعد بينهما-
وكنت على وشك التدخل...
لكن...
"صمتًا."
صوت واحد.
هادئ...
لكنه كفيل بإسكات الجميع.
وصل صاحب العمل.
وفي لحظة واحدة...
اختفى كل الضجيج.
ساد الصمت.
تقدّم بخطوات ثابتة، ثم نظر إلى الجميع وقال:
"بما أن الجميع هنا... فسأبدأ."
وقف الجميع بانتباه.
العيون مركزة عليه.
الأنفاس شبه متوقفة.
الجميع... ينتظر.
ينتظر ما سيقوله.
ينتظر المهمة القادمة.
ينتظر... المجهول.
أما أنا-
فكنت الوحيد الذي لا ينتظر.
لأنني...
أعرف.
أعرف ما سيقوله مسبقًا.
وهذا...
لم يجعل الأمر أسهل.
بل... جعله أكثر غرابة.