وقفنا جميعاً في أماكننا، أجسادنا متأهبة، وأنفاسنا شبه محبوسة، ننتظر ما سيقوله صاحب العمل.
كان الصمت ثقيلاً… وكأن الهواء نفسه يترقب.
لكن—
وقبل أن ينطق بحرف واحد، اخترق ذلك الصمت صوتٌ مألوف، يحمل نبرة مرحة لم نسمعها منذ زمن:
"واو~… لقد مرت فترة لم أركم فيها يا رفاق."
ارتفعت رؤوسنا جميعاً في آنٍ واحد، وكأننا تحركنا بدافع غريزي.
وهناك… عند طرف المكان، وقف ذلك الشخص.
شعر أسود كالفحم، عينان حادتان كأنهما تقرآن ما خلف الوجوه، وابتسامة… تلك الابتسامة التي لا تُنسى.
اتسعت عيناي قليلاً.
ريغان.
عاد… وكأنه لم يغب يوماً.
تبدلت ملامح الجميع في لحظة—دهشة، حذر، فضول… وكأن ظهورَه أعاد إلى الأذهان ذكريات لم تُمحَ بعد.
مال فيسبر نحوي وهمس باستغراب واضح:
"لماذا الجميع مندهشون هكذا؟ من هذا؟"
أجبته بصوت منخفض:
"هذا… ريغان. الشخص الذي أنقذ ماركوس معنا."
لم تكد كلماتي تنتهي—
حتى جاء صوت آخر، مألوف بدوره، لكنه أكثر هدوءاً:
"لقد مرت فترة بالفعل."
التفتنا مجدداً.
وهناك… وقف رجل بملامح هادئة ونظرة دقيقة، وكأنه يراقب كل شيء دون أن يُظهر الكثير.
الطبيب فيلور.
اجتماع هذين الاثنين هنا… لم يكن أمراً عادياً. لكن قبل أن تتصاعد الهمسات أو تبدأ الأسئلة—
قال صاحب العمل بصوت حازم:
"اصمتا أنتما الاثنان."
وكأن كلماته أطفأت كل شيء، عاد الصمت.
تقدم خطوة، ثم وجّه نظره إلينا جميعاً، وقال بنبرة لا تحتمل المقاطعة:
"إذاً… سأبدأ الحديث الآن."
تصلبت الأجساد، وتركزت العيون، ثم قال:
"مهمتنا القادمة… هي التوجه إلى العاصمة ستورن."
…
للحظة—
لم يتحرك أحد، لكن الملامح… تغيّرت.
تيروس وكايرو بدت عليهما الصدمة بوضوح، وكأن الاسم وحده كان كافياً لإرباكهما.
لوكسيان… لم يتغير، تلك اللامبالاة المعتادة لا تزال على وجهه.
نوكس وسيريون حافظا على هدوئهما، كأن الأمر مجرد تفصيل آخر في يوم طويل.
كالستير… كعادته، لا شيء يمكن قراءته من ملامحه.
زايروس وقف ثابتاً، رغم أن العرق كان يتصبب منه ببطء.
ماركوس… القلق كان واضحاً في عينيه.
أما فيسبر… فكانت الحماسة تلمع في نظرته وكأنها مغامرة طال انتظارها.
وأما أنا…فلم أشعر بشيء جديد.
ليس لأن الأمر بسيط… بل لأنني كنت قد سمعت هذا مسبقاً.
تابع صاحب العمل، بنفس النبرة الهادئة:
"قد يبدو الأمر مفاجئاً… لكننا سنتوجه إلى ستورن بعد ثلاثة أيام. يوم الخميس."
ثلاثة أيام فقط…
ثم أضاف:
"قد تتساءلون عن السبب… لدي عمل هناك. بالإضافة إلى أن ستورن تحتوي على مهام أكثر… وأجور أعلى."
توقف للحظة قصيرة، ثم أكمل:
"وسنقيم هناك… حتى أجل غير مسمى."
هذه الجملة—
كانت كافية.
تجمّد الجو فعلياً هذه المرة.
رفع تيروس صوته، غير قادر على إخفاء صدمته:
"سنقيم هناك؟!… أتعني أننا لن نعود إلى هنا؟"
أجاب صاحب العمل ببساطة:
"نعم."
تقدم ماركوس خطوة وقال بتردد:
"الأمر مفاجئ جداً… وليس لدينا سوى ثلاثة أيام للاستعداد."
"هكذا حدث الأمر."
ردّه كان قاطعاً… وكأنه لا مجال للنقاش.
ساد الصمت مجدداً، لكن هذه المرة… لم يكن صمت انتظار، بل صمت تفكير.
انخفضت نظرات الجميع نحو الأرض، كل واحد غارق في عالمه الخاص، يحاول استيعاب القرار… وما يعنيه له.
على عكسنا، أنا… وفيسبر.
لأننا—
كنا قد اتخذنا هذا القرار بالفعل.
أخذت نفساً خفيفاً، ثم قطعت ذلك الصمت وقلت بثبات:
"حسناً… سأذهب."
رفعت بعض الرؤوس نحوي، ثم، دون تردد، قال فيسبر بحماس:
"وأنا أيضاً!"
بدأ شيء ما يتغير.
قال نوكس بهدوء:
"حسناً… سأذهب معكم."
وأضاف سيريون:
"وأنا كذلك."
ابتسم لوكسيان ابتسامة خفيفة وقال:
"أنا معكم."
وكأن القرار كان ينتظر من يكسره—
بدأ الآخرون بالموافقة… واحداً تلو الآخر. تردد… ثم قبول، خوف… ثم حسم.
حتى—
وافق الجميع.
وقفت بينهم… أنظر حولي.
لم أتخيل يوماً أن أكون أنا… من يبدأ، أنا… من يكسر الصمت، أنا… من يدفع الآخرين لاتخاذ القرار.
شعور غريب تسلل إلى صدري، شيء بسيط…لكن دافئ.
ابتسم صاحب العمل ابتسامة خفيفة، وكأن الأمور سارت تماماً كما أراد، ثم قال:
"إذاً… لقد تقرر الأمر. جهّزوا أنفسكم جيداً قبل يوم الخميس."
توقّف لحظة، ثم أضاف بنبرة هادئة:
"هل لدى أحدكم أي أسئلة؟"
ساد صمت قصير، قبل أن يتقدّم نوكس قليلاً ويسأل بهدوئه المعتاد:
"ما الذي يفعله ريغان… والطبيب فيلور هنا؟"
حوّل صاحب العمل نظره نحوه، ثم قال ببساطة:
"سيذهبان معنا إلى ستورن. ريغان… سيكون قوة إضافية."
ثم أشار إشارة خفيفة نحو فيلور:
"أما الطبيب… فسيكون مسؤولاً عن علاجكم إن حدثت أي إصابات."
ابتسم ريغان ابتسامة واثقة، وقال بنبرة خفيفة تحمل شيئاً من المزاح:
"أجل… سأكون القوة التي ستنقذكم عندما تتورطون."
لم يعلّق أحد، لكن بعض النظرات تبادلت بصمت.
أعاد صاحب العمل نظره إلى الجميع وقال:
"أي أسئلة أخرى؟"
هذه المرة—
لم يُجب أحد، وكأن الجميع أدرك أن القرار قد حُسم بالفعل.
أومأ صاحب العمل برأسه قليلاً، ثم قال:
"يمكنكم الانصراف."
وبهذا… انتهى الاجتماع.
بدأ الجميع بالتفرق، واحداً تلو الآخر، كلٌّ منهم غارق في أفكاره الخاصة، يحمل معه قراراً سيغيّر مسار أيامه القادمة.
استدرت أنا أيضاً، وبدأت أسير نحو النزل. لم تمضِ سوى خطوات قليلة، حتى سمعت وقع أقدام خلفي.
كان فيسبر، قال وهو يلحق بي:
"إذاً… لهذا قررت عدم الاستقالة."
أجبته ببساطة:
"نعم."
سار بجانبي للحظات، ثم قال باستغراب واضح:
"لكن… كيف عرفت؟"
ألقيت نظرة أمامي وقلت:
"ذهبت إليه لأخبره بنيتي بالاستقالة… فأخبرني أننا سنذهب إلى ستورن، وأنه لا داعي لها."
اتسعت عينا فيسبر قليلاً، ثم قال بحماس لا يخفيه:
"هذا رائع! الأمر يبدو حماسياً جداً… تُرى ما نوع المغامرات التي تنتظرنا هناك؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقلت بنبرة هادئة:
"لا تتحمس كثيراً… ليس كل ما ينتظرنا سيكون ممتعاً."
ضحك بخفة، لكن الحماسة لم تغادر عينيه.
استمر حديثنا ونحن نسير، كلمات عادية… لكنها تحمل في داخلها بداية مرحلة جديدة، حتى وصلنا إلى النزل.
دخلنا، وكان المكان كما هو… هادئاً، دافئاً، مألوفاً. جلست إلى مائدة الطعام، وبدأت أتناول وجبتي بصمتٍ خفيف.
جلست ليانا بجانبي، بينما جلس فيسبر في الجهة المقابلة، لا يزال يبدو وكأنه يفكر في المغامرة القادمة.
في الخلف، كانت العمة ميليسا تقف عند المغسلة، تغسل الصحون بهدوء، وصوت الماء يملأ الفراغ.
قطعت ليانا الصمت فجأة، وقالت بحماسة واضحة:
"إذاً… سنذهب إلى مكان جديد!"
نظرت إليها وقلت بابتسامة بسيطة:
"أجل… إلى مكانٍ أفضل من هنا."
اتسعت ابتسامتها أكثر:
"أنا متحمسة!"
ضحكت بخفة، بينما كانت فرحتها الصادقة تنتقل إلى الجو من حولنا.
وبينما كنا نأكل، شرحت للعمة ميليسا ما حدث في العمل اليوم.
استمعت بهدوء، ثم قالت بعد أن انتهيت:
"إذاً… هذا ما حدث."
توقفت قليلاً، ثم أضافت بنبرة يختلط فيها القلق بالعزم:
"سنغادر يوم الخميس؟"
"أجل."
أجبتها باختصار.
تنهدت بخفة، ثم قالت:
"إذاً… يجب أن أجد مشترياً للنزل بأسرع وقت ممكن."
لم أجد ما أقوله للحظة، لكنني لم أرد أن أتركها مع هذا القلق وحده. فقلت محاولاً طمأنتها:
"لا تقلقي… أنا متأكد أنك ستجدين مشترياً قبل الخميس."
نظرت إليّ، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة… لكنها كانت كافية، ابتسامة امتنان… وربما شيء من الأمل.
بعد أن انتهيت من الطعام، نهضت بهدوء، وتوجهت إلى غرفتي.
أغلقت الباب خلفي، ثم رميت نفسي على السرير دون تفكير.
السقف… كان أول ما وقعت عليه عيناي.
مرّ اليوم بسرعة…لكن ما حدث فيه—
لم يكن بسيطاً.
ستورن…
صاحب العمل…
ريغان… فيلور…
وهدفي أنا.
تنفست ببطء.
"ما الذي يريده صاحب العمل هناك؟"
سؤال لم أجد له إجابة.
لكن هناك سؤال آخر… أهم.
"هل سأجد عائلتي هناك؟"
إن كانت ستورن هي وجهتي الأولى…فماذا بعد إن لم أجد شيئاً؟
هل سأواصل البحث؟
أين… وكيف؟
تنهدت مرة أخرى، وأغمضت عينيّ.
"الأمر… معقد."
صمتٌ قصير، ثم همست لنفسي:
"لا يهم…"
سأفكر في ذلك لاحقاً.
الإرهاق كان أقوى من التفكير، وببطء…استسلمت للنوم.
…
وهكذا—
مرّت الأيام، يومٌ تلو الآخر، بسرعة… وكأنها تهرب، حتى جاء اليوم المنتظر.
يوم الخميس.
اليوم الذي…سنغادر فيه كل شيء خلفنا.
...
لكن—
قبل أن تبدأ الرحلة… دعني أعود يوماً إلى الخلف.
[يوم الأربعاء]
كنت أجلس إلى المائدة، أتناول طعامي بصمتٍ خفيف، بينما كان عقلي منشغلاً بأمرٍ واحد فقط.
نظرت إلى العمة ميليسا، وترددت للحظة… ثم سألت:
"إذاً… هل وجدتِ مشترياً؟"
توقفت قليلاً، ذلك الصمت القصير…كان كفيلاً بأن يخبرني بكل شيء.
هذا لا يبشّر بالخير...
شعرت بأن قلبي انقبض قليلاً، وبدأت أفكاري تتسارع.
ماذا سنفعل الآن؟ هل سنتأخر؟ هل سأضطر لتغيير الخطة؟
رفعت نظري ببطء نحو فيسبر، محاولاً طلب النجدة بعينيّ.
نظر إليّ… ثم هزّ رأسه بالنفي، وحرك أصابعه بحركة عشوائية وكأنه يقول:
"لا تنظر إليّ… ليس لدي أي فكرة."
ضيّقت عينيّ نحوه، وأشرت بأصابعي بحركة سريعة:
"وهل هذا الشيء الذي فوق كتفيك للزينة فقط؟!"
لكن قبل أن أبدأ فعلياً في وضع خطط يائسة لإنقاذ الموقف—
فجأة—
قالت العمة ميليسا بصوتٍ مليء بالفرح:
"لقد وجدتُ مشترياً!"
تجمدت للحظة…
ثم—
زفرت أنا وفيسبر في آنٍ واحد، وكأن حملاً ثقيلاً قد أُزيح عن صدورنا.
"حقاً؟" قلتها بسرعة، قبل أن أضيف،
"وبكم ستبيعين النزل؟"
ابتسمت، وقالت بثقة واضحة:
"بعشرة آلاف دولار."
أومأت برأسي ببطء.
مبلغ معقول… بل جيد، بالنسبة لنزلٍ كهذا.
وهكذا—
مرّ ذلك اليوم.
[الوقت الحاضر – يوم الخميس]
وقفنا خارج النزل.
أنا…
العمة ميليسا…
ليانا…
وفيسبر.
حقائبنا كانت معنا—كل ما نحتاجه، كل ما تبقى لنا من هذا المكان.
أمامنا… وقف المشتري.
رجلٌ يبدو عادياً، يرتدي قبعةً بنية، وبدلةً بنفس اللون، يحمل حقيبةً سوداء بطريقةٍ رسمية توحي بالجدية.
قال بصوتٍ مباشر:
"هذا هو المال… أين العقد؟"
أخرجت العمة ميليسا عقد ملكية النزل، وناولته إياه.
تبادلا التوقيع.
لحظة قصيرة—
لكنها كانت كافية لتغيير كل شيء.
أخذ الرجل العقد، وأخذت ميليسا المال.
وهكذا…انتهى الأمر.
شعرت بشيءٍ غريب يتسلل إلى داخلي.
بهذه البساطة؟
هذا المكان…الذي عشنا فيه…الذي اعتدناه…لم يعد لنا.
لكن—
إن كان هذا شعوري…فما الذي تشعر به العمة ميليسا الآن؟
نظرت إليها، كان الحزن واضحاً… رغم محاولتها إخفاءه.
ساد صمتٌ ثقيل، كنت على وشك أن أقول شيئاً… أي شيء يخفف عنها—
لكنها سبقتني.
"لا بأس…" قالت بهدوء، وكأنها تقرأ أفكاري،
"لم أكن سأبقى في هذا النزل للأبد على كل حال."
ابتسمت.
لكن ابتسامتها… لم تصل إلى عينيها.
كان هناك شيء آخر…شيء لم تقله.
وقبل أن يطول هذا الصمت أكثر—
قال فيسبر بنبرةٍ خفيفة:
"هيا الآن… إنه مجرد نزل، يمكن استبداله في أي وقت. ليس وكأن أحداً قد مات."
للحظة—
ثم…
انفجرت العمة ميليسا بالضحك.
"ههههه… أنت محق يا فيسبر."
تنفست بعمق، وكأنها تخلّصت من جزء من ثقلها، ثم أضافت:
"يمكنني دائماً البدء من جديد… في مكانٍ أفضل."
ضحكت أنا أيضاً.
"ههه… هذا صحيح."
ثم قلت وأنا أصفق بيدي بخفة:
"هيا، لنذهب. علينا شراء الخيام—لن نصل إلى ستورن في يومٍ واحد."
توجهنا إلى السوق.
تنقلنا بين المتاجر، واحداً تلو الآخر، نشتري ما نحتاجه—خيام، أدوات بسيطة، أشياء قد تبدو صغيرة… لكنها قد تعني الفرق بين الراحة والمعاناة في الطريق.
ومع كل متجر…كانت الحقائب تزداد.
وأنا—
كنت الضحية.
خرجنا من آخر متجر…وكانت يداي ممتلئتين بالكامل.
حقيبة كبيرة على كتفي الأيمن…وأخرى أثقل على الأيسر…
حتى أن وجهي بالكاد كان يُرى خلف هذا الحمل.
كدت أختنق، بصوتٍ متهدج، حاولت التقدم—
فقال فيسبر بسخرية واضحة:
"يبدو أن أحدنا سينهار… قبل أن تبدأ الرحلة حتى."
لم أنظر إليه حتى، قلت بصوتٍ متعب:
"إن كان لديك وقت للسخرية… فاستغله في المشي."
ضحك بخفة…
أما أنا—
فكنت أقاوم فقط لأبقى واقفاً.
وبعد لحظات—
وصلنا إلى مكان العمل.
كانت العربة هناك…والجميع مجتمعون.
كل شخص يحمل حقيبته، يتحدث مع الآخر، وكأنهم على أعتاب رحلة… لا يعلمون ما الذي تخبئه لهم.
تقدمنا نحوهم، وبمجرد أن اقتربنا—
لاحظني صاحب العمل، رفع نظره نحوي، ثم قال بهدوء:
"إذاً… لقد وصل آخر أربعة أشخاص."
توقف قليلاً، ثم أضاف:
"ليستعد الجميع… فالرحلة على وشك أن تبدأ."
...
ما إن اقتربنا من العربة—
حتى تحولت أنظار الجميع نحونا.
واحداً تلو الآخر…توقفت الأحاديث تدريجياً، وظهرت على الوجوه ملامح واضحة من الاستغراب.
ولم يكن الأمر صعب الفهم.
العمة ميليسا… وليانا.
وجهان جديدان تماماً في مجموعةٍ اعتادت على وجوه محددة.
تقدم ماركوس نحوي بخطوات سريعة، وعلى وجهه مزيج من الدهشة والفضول، ثم قال:
"لقد وصلت أخيراً… لكن—"
توقف للحظة، ونظر خلفي، ثم أكمل:
"من هاتان الاثنتان؟"
تنهدت بهدوء، ثم رفعت صوتي قليلاً حتى يسمع الجميع:
"قبل أن يأتي هذا اليوم… ذهبت إلى صاحب العمل."
توقفت لحظة قصيرة، ثم أكملت:
"وأخبرته أن هناك شخصين… أعتبرهما كعائلتي."
ساد صمت خفيف.
"وطلبت منه السماح لهما بالذهاب معنا."
ثم أضفت بنبرة أكثر ثباتاً:
"وقد وافق."
تحركت خطوة إلى الجانب، وأشرت بيدي نحوهما:
"هذه… العمة ميليسا، صاحبة النزل التي اعتنت بي منذ وصولي."
ثم نظرت إلى ليانا، التي كانت تمسك بطرف ثوب أمها:
"وهذه ليانا… ابنتها."
توقفت لثانية… ثم قلت بجدية خفيفة:
"أرجو منكم… الاعتناء بهما."
للحظة—
لم يحدث شيء.
ثم—
تبدل الجو بالكامل.
ابتسم نوكس أولاً، ثم تبعه سيريون، وبعدهما بقية المجموعة… وكأن جدار التردد قد انهار دفعة واحدة.
"أهلاً بكما."
"لا تقلقا، ستكونان بأمان معنا."
"مرحباً!"
توالت الكلمات… بسيطة، لكنها صادقة.
ابتسمت العمة ميليسا بخفة، وقالت بصوتٍ هادئ يحمل امتناناً واضحاً:
"أرجو أن نكون عبئاً خفيفاً عليكم… ويُرجى الاعتناء بي أنا وابنتي."
أما ليانا—
فلم تنتظر، رفعت يدها بحماس وقالت بصوتٍ مليء بالطاقة:
"اعتنوا بنا جيداً!"
ضحك البعض، وردّ الجميع تقريباً في آنٍ واحد:
"بالتأكيد!"
راقبت المشهد بصمت…هذا أفضل مما توقعت.
لم يكن هناك رفض… ولا حتى تردد حقيقي.
بل ترحيب، دافئ… ومفاجئ.
ومع مرور الدقائق—
بدأت الأجواء تأخذ طابعاً أكثر حيوية.
كان البعض ينحني لمستوى ليانا، يلاعبها أو يحملها، بينما راحت تضحك بصوتٍ عالٍ، وكأنها نسيت تماماً أننا على وشك مغادرة كل شيء.
وفي الجهة الأخرى—
كانت العمة ميليسا محاطة ببعض أفراد المجموعة، يطرحون عليها أسئلة خفيفة—عن النزل، عن حياتها، عن رحلتها القادمة.
أما أنا—
فكنت أراقب فقط بهدوء.
حتى—
"يبدو أننا تُركنا على الهامش."
التفتُّ.
كان فيسبر، يضع يديه خلف رأسه، وعيناه تتابعان المشهد بنوعٍ من التسلية.
قلت بابتسامة خفيفة:
"هذا طبيعي… انضمام أشخاص جدد دائماً ما يسرق الانتباه."
وقبل أن يرد—
تدخل صوت هادئ:
"هل أنت متأكد من قرارك هذا بجلبهما معك؟"
نظرت إلى المتحدث.
سيريون.
عيناه كانتا ثابتتين، ونبرته خالية من أي حكم… لكنها مباشرة.
ترددت للحظة ثم قلت:
"ليس تماماً…"
تنفست ببطء، ثم أضفت:
"لكن… لديهما أسبابهما."
نظر إليّ لثانية…ثم اكتفى بالصمت.
وفجأة—
شعرت بلمسة خفيفة على كتفي.
تجمد جسدي للحظة—
ثم ابتعدت بسرعة، وكأنني تعرضت لصعقة.
التفتُّ بسرعة—
لأجد—
ريغان.
"هههه… آسف، لم أقصد إخافتك."
تنفست بعمق، محاولاً استعادة هدوئي، ثم قلت:
"لا بأس… فقط لا تفعلها مجدداً."
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم نظر إليّ بعينين متفحصتين:
"لكن…"
مال قليلاً، وكأنه يحاول التأكد من شيء ما.
"ألست أنت… ذلك الشخص الذي وقع في خدعة الجمجمة؟"
…
تجمدت، لجزء من الثانية عادت تلك الذكرى.
ذلك الموقف الذي تعرضت للخداع فيه وكأنني طفل.
ذلك الإحساس…
لكنني أمسكت أعصابي، وقلت بهدوء:
"نعم… هذا أنا."
اتسعت ابتسامته قليلاً:
"كما توقعت."
ثم أضاف بثقة:
"شعرت أنك مألوف."
انتقل نظره إلى فيسبر، ثم عاد إليّ:
"وهذا؟"
"فيسبر. يعمل معنا."
نظر إليه ريغان، ومد يده قائلاً:
"تشرفت."
ابتسم فيسبر وصافحه:
"وأنا كذلك."
لحظة بسيطة—
لكنها كانت كافية لتوضح أن العلاقات بدأت تتشكل.
وفجأة—
قطع صوتٌ قوي كل ذلك.
"لقد تجهز كل شيء."
التفت الجميع في آنٍ واحد.
كان صاحب العمل يقف أمام العربة، ونظرته ثابتة، ثم قال:
"لنتحرك."
توقفت الأصوات، اختفت الهمسات، تلاشت الضحكات.
وفي لحظة—
أدرك الجميع الحقيقة، الأمر لم يعد مجرد خطة، ولا فكرة، ولا احتمال.
لقد—
بدأ.
تنفست ببطء…ونظرت إلى الطريق الممتد أمامنا، طريق لا أعرف إلى أين سيقودني، ولا ما الذي ينتظرني فيه.
لكن—
شيء واحد كان مؤكداً.
لن يكون طريقاً عادياً.
...
[ملاحظة: مَن لا يتذكر ريغان، فقد ذُكِرَ في الفصل الحادي والعشرين، حيث أنه كان متطوعاً للذهاب مع صاحب العمل ومجموعته في مهمة صيد الوحوش، فحصلت الكثير من الأحداث، حتى قام ريغان بإنقاذ ماركوس في الكهف، ومن ثم ذهبوا للمستشفى لمعالجته، وآخر مشهد له كان في الفصل الحادي والثلاثين.]