همم… أنا أطفو؟
لا أرض تحت قدمي، ولا سماء فوق رأسي… فقط فراغٌ أسود، ساكن، هادئ بشكلٍ يكاد يكون مخيفًا… ومع ذلك، كان فيه نوعٌ غريب من الراحة.
لا أصوات… لا ضجيج… لا ألم… لا أفكار تُطاردني.
فقط… سكون.
وللمرة الأولى منذ زمنٍ طويل، شعرتُ وكأنني لستُ مضطرًا لفعل أي شيء… وكأن العالم قد توقف أخيرًا عن مطالبتي.
كم تمنيت… أن أبقى هكذا… إلى الأبد.
لكن—
فجأة، انبثق نورٌ في قلب ذلك الظلام.
نقطة صغيرة… لكنها كانت ساطعة بشكلٍ غير طبيعي، وكأنها تناديني دون صوت.
ما هذا…؟
لم أفهم… لكنني شعرت بانجذابٍ لا يُقاوم.
قدماي—أو ما يشبههما—تحركتا من تلقاء نفسيهما، وكأنني أسير داخل حلم لا أملك فيه إرادة كاملة.
اقتربت.
خطوة… ثم أخرى…
النور يكبر… ويزداد إشراقًا.
مددتُ يدي…
"بضعة أمتار فقط…"
نعم… اقتربت.
لمسته.
وفي اللحظة التي لامست فيها ذلك الضوء—
أغمضتُ عيني… لثانية واحدة فقط.
وعندما فتحتهما...توقف كل شيء.
سقفٌ أبيض… مألوف.
ضوء مصباحٍ بسيط يتدلى منه… يبعث دفئًا خافتًا.
سريرٌ مريح يحتضن جسدي… بشكلٍ لم أشعر به منذ زمنٍ طويل.
تنفستُ ببطء...ثم جلست.
نظرتُ حولي.
طاولةٌ خشبية بلونٍ بنيّ هادئ… فوقها حاسوب، وأقلام متناثرة، وأوراق مبعثرة بشكلٍ عشوائي… لكنه عشوائيٌ مألوف.
على الجهة الأخرى… حقيبة سوداء.
رفوفٌ تحمل كتبًا أعرفها… أو ربما… كنت أعرفها.
سجادةٌ تحت قدميّ…وصوت—
صوت أطفال… قادم من الخارج.
تجمدت، قلبـي… بدأ يخفق بسرعة.
لا…
لا يمكن…
همستُ لنفسي، بالكاد:
"…غرفتي."
غرفتي… التي كنت أنام فيها.
غرفتي… التي سهرتُ الليالي فيها، أدرس… أتذمر… وأحلم.
غرفتي…
المكان الذي… لم أدرك قيمته… إلا بعد أن فقدته.
بقيتُ جالسًا، بلا حركة… أحدق في كل تفصيلة، وكأنني أخشى أن تختفي إن رمشت.
حتى—
"نيلوت، هيا انزل من غرفتك لتناول الغذاء."
…
ذلك الصوت.
تصلب جسدي بالكامل.
صوتٌ… لا يمكن أن أخطئه، صوتٌ… لا يُقدّر بثمن.
"…أمي."
شعرتُ بشيءٍ يخنق صدري.
دمعةٌ صغيرة خانتني… وانزلقت على خدي، لكنني أغلقت عينيّ… وشددت قبضتي.
لا…
أنا أعرف.
هذا… ليس حقيقيًا.
كيف يكون كذلك…؟
كل ما مررتُ به… كان واقعيًا بشكلٍ مرعب.
الألم… التعب… الخوف…
كلها كانت حقيقية.
إذاً هذا—
"…مجرد حلم."
همستُ بها… وكأنني أحاول إقناع نفسي.
لكن رغم ذلك...قلت بصوتٍ مرتجف:
"أنا قادم…"
وقفت، اتجهت نحو الباب، ووضعتُ يدي على المقبض…
الملمس—
كان حقيقيًا.
وهذا… ما كسرني أكثر.
فتحتُ الباب ببطء.
خطوة… ثم أخرى… نزولًا عبر الدرج حتى رأيتُها، ظهرُها… وهي تُعدّ المائدة.
أمي.
توقفت ثم التفتتْ.
وفي اللحظة التي التقت فيها أعيننا—
تجمد العالم.
قبضتُ يدي بقوة… أقاتل… أقاوم…لكن—
"ما بك وكأنك رأيت شبحًا؟ هيا تعال وكل—"
لم أدعها تكمل، اندفعتُ نحوها، وعانقتها.
عانقتها… وكأنني أخشى أن تختفي إن تركتها، بكل ما فيّ من ألم… من حنين… من اشتياق.
شعرتُ بترددها للحظة… ثم—
احتضنتني.
وقالت بصوتٍ دافئ، حنون، مألوف:
"هذه أول مرة تعانقني بها منذ أن كنت طفلاً… لا أعرف ما بك… لكن… هذا شعور دافئ."
ثم أضافت، وهي تربّت على ظهري:
“لا بأس… أمك هنا الآن.”
…
وهنا—
انهرت.
لم أستطع التماسك، بكيت.
ليس دموعًا عادية… بل بكاء طفلٍ فقد كل شيء… ثم أعيد إليه فجأة.
"أ-أمي… ل-لقد اشتقتُ إليكِ… كثيرًا…"
اختنق صوتي.
"أ-أتمنى… أن لا يكون هذا… مجرد حلم…"
لكنها فقط… شدّت عليّ أكثر.
"ششش… لا بأس… كل شيء سيكون بخير الآن."
وبقينا كذلك…حتى هدأتُ.
حتى عاد نفسي، حتى...عدتُ أنا.
جلسنا إلى المائدة.
كنتُ أتجنب النظر إليها مباشرة…يا للإحراج… كيف سمحتُ لنفسي أن أنهار هكذا…
لكنها سألت بلطف:
"يبدو أنك رأيت كابوسًا."
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة، مرهقة:
"نعم… كابوس… أتمنى ألا يعود."
لم تسأل، فقط قالت:
"لا بأس الآن."
"أجل…"
ابتسمنا، ثم قالت:
"سأنادي أباك وإخوتك… لا أعلم من هذا الذي ينام حتى الواحدة ظهرًا!"
ضحكتُ.
ضحكة صادقة…
"…كم اشتقت لهذا."
لكن—
"ها! لماذا عيناك تبدوان وكأنك بكيت لمدة ساعة؟!"
التفتُّ.
كانت أختي.
ضحكتُ وقلت:
"انظروا من يتكلم… الفتاة التي بكت بسبب قطعة شوكولاتة."
"كيف تتجرأ؟! تلك القطعة لا تُقدّر بثمن!"
ابتسمت، ثم دخل أخي، وقال بسخرية:
"لا تقل أنك بكيت بسبب الشوكولاتة مثلها."
"وهل أبدو لك بهذا الجنون؟"
وقبل أن يكمل—
جاء صوتٌ آخر.
أقوى… أعمق… لكنه مليء بالحنان:
"ما الذي حصل يا نيلوت؟ عيناك لا تبدوان بخير."
أبي.
وقبل أن أجيب—
قالت أمي بخفة:
"سر بيني وبينه~"
ابتسم أبي.
"حسنًا، لن أصر."
نظرتُ إليها…فابتسمت لي.
فهمت، كانت… تحميني من الإحراج.
…
واجتمعنا على مائدة واحدة، طعامٌ بسيط...لا شيء مميز فيه.
لكن—
كان ألذ شيء تذوقته في حياتي، لأنه…لم يكن طعامًا فقط، بل…كان وطنًا.
...
انتهينا من تناول الطعام أخيرًا…
مائدةٌ امتلأت قبل قليل بالضحكات، والحديث العابر، وتلك التفاصيل الصغيرة التي لا تُلاحظ… لكنها تُفتقد.
وقفتُ بهدوء، ثم بدأتُ أساعد أمي في جمع الأطباق.
حركاتٌ بسيطة… معتادة… لكنها بالنسبة لي كانت كنزًا.
صوت الصحون وهي تتلامس، دفء الماء، رائحة الطعام التي ما زالت عالقة في الهواء…
كل ذلك كان كافيًا ليُشعرني بأنني… حي.
"أخي!"
التفتُّ.
كان أخي يقف عند الباب، بعينين تلمعان بالحماس.
"ما رأيك أن نلعب ألعاب الفيديو؟ لقد مرّت فترة!"
ألعاب الفيديو…
توقفتُ للحظة.
نعم… لقد مرّت فترة طويلة جدًا.
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة، وقلت:
"حسنًا… لكن لا تبدأ بالبكاء عندما تخسر."
رفع حاجبه بثقة، وقال:
"مَن تظنني؟"
وهكذا… توجهنا.
جلسنا أمام الشاشة، وأمسك كلٌّ منا وحدة التحكم…
وبدأت الجولة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة…
وكما توقعت—
فزت.
تذمّر بصوتٍ عالٍ، وهو يرمي يديه في الهواء:
"هذا لا يُعقل! أنت تغش، صحيح؟! وإلا كيف تفوز ثلاث مرات متتالية؟!"
ضحكتُ بخفة، وقلت:
"لا علاقة للأمر بالغش… إنها مهارة."
"لنلعب مجددًا! هذه المرة سأفوز!"
وقبل أن أجيبه—
"لا!"
صوتٌ آخر قاطعنا.
كانت أختي.
تقدمت بخطوات سريعة، ثم وضعت يديها على خصرها وقالت:
"لقد قضيتَ وقتًا طويلًا مع أخي بالفعل، هذه المرة سأستعيره أنا."
تنهّد أخي الصغير وقال ساخرًا:
"وهل تظنين أنه سيترك الألعاب ويأتي معكِ؟"
لكنها لم تنظر إليه...بل ثبتت عينيها عليّ.
"أخي… اختر."
سكتُّ.
"هل ستبقى معه… أم ستأتي معي؟"
رفعتُ يديّ باستسلام، وابتسمت:
"حسنًا، حسنًا… سأذهب معكِ."
"رائع!"
ولم تمنح أخي فرصة للاعتراض—
أمسكت بيدي، وسحبتني خارج الغرفة بسرعة، وكأنها تخشى أن أغيّر رأيي.
وصلنا إلى المطبخ، فالتفتُّ إليها، وقلت:
"إذاً… ماذا تريدين أن نفعله؟"
استدارت نحوي بحماس، وقالت:
"حان وقت الطبخ!"
تجمدتُ للحظة… ثم انفجرتُ ضاحكًا:
"أنا؟ أطبخ؟ لا بد أنك تمزحين… أقصى ما أستطيع فعله هو قلي البيض."
لكنها هزّت رأسها بابتسامة:
"أنا لا أمزح."
"ماذا؟"
اقتربت خطوة، وقالت بصوتٍ فيه رجاء طفولي:
"أخي… رجاءً، رجاءً~ هذه المرة فقط."
تنهدتُ، ثم استسلمت.
"حسنًا… ماذا سنطبخ؟"
أشرقت عيناها:
"سنصنع كعكة!"
وهكذا...بدأنا.
طحينٌ يتناثر… سكرٌ يُسكب بزيادة… بيضٌ يُكسر بطريقة فوضوية…
ضحكاتٌ لا تتوقف.
المطبخ… لم يخرج سليمًا.
والكعكة… احترقت قليلًا.
لكن—
كانت تضحك، تضحك بصدق، وهذا… كان كافيًا.
جلستْ تقطع الكعكة، ثم ناولتني قطعة، ترددتُ للحظة… ثم أخذت قضمة.
"…ليست سيئة."
رغم احتراقها الخفيف… كانت لذيذة.
أو ربما—
لأنها صُنعت معنا.
وهكذا… مرّ الوقت، بهدوء، بسرعة.
حتى—
حلّ العصر.
عدتُ إلى غرفتي، أغلقت الباب خلفي… وتمددت على السرير، ثم حدقتُ في السقف.
صمت.
فهمستُ لنفسي:
"إذاً… عندما أستيقظ… سيختفي كل هذا."
كان شعورًا غريبًا…
أن تعرف أن سعادتك… مؤقتة، أن تعيشها… وأنت تنتظر نهايتها.
أغمضتُ عينيّ للحظة…
لكن—
"ألا تظن أنك تبالغ قليلًا؟!"
فتحتُ عينيّ فورًا.
صوتٌ حاد، غاضب.
"…أوه."
نهضت ثم توجهت نحو مصدر الصوت.
خطواتي كانت أبطأ هذه المرة…وكأنني… أعرف ما سأراه.
وقفت عند باب غرفة المعيشة، ثم نظرت.
أمي… وأبي، يتشاجران...كالعادة.
"إنها أمي! كيف سمح لك ضميرك برفض إعطائها المال؟!"
"مال؟! عشرة آلاف دولار وتقولين مال؟!"
"وإن يكن! إنها تعاني!"
"وكأننا في وضعٍ أفضل! نحن أيضًا نعاني!"
الأصوات ترتفع، والكلمات تشتد.
'هناك أخوكِ! يمكنها أن تطلب منه!"
"أخي خرج من عملية قبل فترة قصيرة!"
"وإذا أعطيناها المال؟! ماذا عن أطفالنا؟! ماذا عن الطعام؟! الدراسة؟!"
…
توقفتُ، كنت أنظر بصمت.
"…حتى هنا."
حتى في حلمي…لم يختفِ هذا، نفس الكلمات، نفس الجروح، نفس الواقع… القاسي.
ابتسمتُ ابتسامة باهتة.
"كنتُ أريد فقط… أن أنهي هذا الحلم بسعادة."
لكن يبدو…
أن الواقع لا يتركني… حتى في أحلامي.
وفجأة—
"نيلوت… نيلوت!"
الصوت تغيّر.
"استيقظ يا نيلوت!"
…
انقطع كل شيء.
فتحتُ عينيّ—
الضوء مختلف، والهواء مختلف، والوجه أمامي—
كايرو.
حدقتُ به للحظة…ثم وضعتُ يدي على رأسي.
تنهدت.
"…كما توقعت."
كان مجرد حلم.