خرجتُ من الخيمة برفقة كايرو، وكان هواء الليل باردًا بما يكفي ليوقظ الحواس ويُثقل الأطراف في آنٍ واحد، ثم التفتُّ إليه قائلاً بنبرةٍ هادئة:
"إذاً... هذه مناوبتي الآن؟"
أومأ برأسه بإرهاقٍ واضح، وكأن الساعات الماضية قد سُرقت من عمره، ثم قال:
"نعم... لا تتخيل كيف كان الوقت يمر ببطء شديد بينما كان دوري أنا وماركوس في الحراسة."
توقف للحظة، ثم أضاف وهو يستدير مبتعدًا نحو خيمته:
"على أية حال... حظاً موفقاً."
راقبتُه حتى ابتلعته الظلمة بين الخيام، ثم أطلقتُ زفرةً خفيفة، وكأنني أُفرغ ما تبقى من تعبٍ في صدري، قبل أن أتجه نحو الخشبة الموضوعة أمام النار المشتعلة.
جلستُ ببطء، ومددتُ يديّ نحو اللهب، أراقب كيف تتراقص ألسنته البرتقالية في صمت الليل، وأشعر بحرارته تتسلل إلى جلدي البارد شيئًا فشيئًا.
"هذا المشهد..."
همستُ في داخلي، وعيناي معلقتان بالنار.
"يذكرني بشيءٍ بعيد..."
ذكرياتٌ قديمة بدأت تتشكل ببطء، كضبابٍ يتكاثف في أطراف الوعي...
مشاهد تخييم كنت أشاهدها عبر شاشة التلفاز عندما كنت طفلًا، ضحكات، نار، أصدقاء، مغامرات.
ابتسمتُ بخفة.
في ذلك الوقت... كنتُ أُلحّ على أمي بإصرارٍ يكاد يكون مزعجًا، طالبًا منها أن تسمح لي بالانضمام إلى الكشافة...
لكنها، وكعادتها، كانت ترفض، وتطرق جبهتي بطرف إصبعها قائلة:
"ركّز على دروسك، إن كان لديك وقت لتفكر في التخييم!"
انفلتت مني ضحكة خافتة.
"يا لها من أيام..."
لكن سرعان ما خفتت تلك الابتسامة، وتلاشى دفء الذكرى، ليحل مكانه إدراكٌ ثقيل.
"...لن تعود."
ساد الصمت من جديد، صمتٌ لم يكن مزعجًا... بل عميقًا، ممتدًا، كأنه يبتلع كل شيء.
لكن—
"يبدو أنك وصلت أولاً."
صوتٌ هادئ، بارد، اخترق ذلك السكون.
رفعتُ رأسي.
كان كالستير.
ذلك الشخص الذي لا تُقرأ ملامحه، ولا تُفهم نواياه بسهولة، وكأنه دائمًا يقف على مسافةٍ من العالم.
"نعم..."
أجبته باختصار.
جلس على الخشبة المقابلة، مواجهًا للنار، وقال بنبرةٍ خالية من الحماس:
"أمامنا ساعة من الحراسة... يا للملل."
نظرتُ إليه للحظة.
هذه أول مرة أبقى معه وحدي...
لم أكن قد أوليته اهتمامًا كبيرًا من قبل، لكنه الآن، في هذا الهدوء، بدا وكأنه يحمل شيئًا خلف تلك الملامح الساكنة... قصة، ربما.
قطع أفكاري قائلاً:
"رغم أنه ليس من شأني... لكن ملامحك تبدو كئيبة جدًا."
ثم أضاف بنبرةٍ خفيفة السخرية:
"لو جاء عدو الآن، أظن أنه سيخاف منك ويهرب."
رفعتُ حاجبي قليلًا.
"...أوه."
يبدو أن الحلم ما زال يلاحقني.
ابتسمتُ ابتسامة باهتة وقلت:
"لقد راودني كابوس... أظن أن هذا هو السبب."
هزّ كتفيه بلا مبالاة، ثم قال:
"على أية حال، ألن يمر الوقت أسرع من هذا؟ بالكاد مرت خمس دقائق."
توقفتُ للحظة... ثم ضحكت، ضحكة خفيفة، لكنها صادقة:
"هاه... لم أتوقع هذا منك."
نظر إليّ باستغراب:
"على ماذا تضحك؟"
قلت وأنا ما زلت أبتسم:
"لا شيء... فقط أدركت شيئًا."
لم يسأل.
فقط ابتسم ابتسامة صغيرة، بالكاد تُلاحظ، ثم قال:
"إن كان لديك وقت للكلام... فركز على الحراسة."
"نعم..."
ومرت الدقائق.
حديثٌ متقطع هنا وهناك، صمتٌ يتخلله صوت النار، ونسيم الليل البارد.
الغريب—
أن الوقت... مرّ بسرعة، بشكلٍ غير متوقع.
حتى انتهت مناوبتي.
نهضتُ، ومددتُ جسدي قليلًا، ثم توجهت نحو خيمة فيسبر لإيقاظه.
فتحتُ الستار...وكان هناك مستلقٍ، غارق في نومٍ عميق.
لكن—
شيءٌ ما... لم يكن طبيعيًا.
قطرات عرقٍ تتجمع على جبينه، وتنساب بسرعةٍ غير معتادة، وكأن جسده يعيش معركةً لا تُرى.
اقتربتُ منه، وانحنيت قليلًا.
"فيسبر... استيقظ."
لا استجابة.
"أوي... فيسبر."
ما زال ساكنًا، لكن العرق... كان يزداد، شعورٌ غير مريح بدأ يتسلل إلى صدري.
"فيسبر!"
وفجأة—
فتح عينيه، بشكلٍ عنيف.
جلس بسرعة، يتنفس بصعوبة، صدره يرتفع وينخفض بعنف، وعيناه تبحثان في الفراغ وكأنه يحاول الهروب من شيءٍ ما.
تراجعتُ خطوة.
"فيسبر... هل أنت بخير؟"
صمت.
ثوانٍ مرت... وهو يحاول استيعاب ما حوله.
ثم—
ابتسم.
ابتسامةٌ مصطنعة.
"أوه... نعم، أنا بخير. كان مجرد كابوس."
ضيّقتُ عينيّ قليلًا.
"هل أنت متأكد؟ كنت تتصبب عرقًا بشكلٍ غير طبيعي."
ردّ بسرعة، وبشيءٍ من السخرية:
"إنه مجرد كابوس... لا تبالغ."
توقفتُ.
كنت أعلم...أنه لا يقول كل شيء، لكنني لم أضغط عليه.
تنهدتُ وقلت بتثاؤبٍ خفيف:
"على أية حال... حان دورك للحراسة."
"نعم..."
خرجنا من الخيمة معًا، ثم افترقنا.
راقبته للحظة... قبل أن أستدير متجهًا نحو خيمتي.
دخلتُ واستلقيت.
لكن—
النوم لم يأتِ فورًا.
صورة فيسبر... لم تفارق ذهني. ذلك العرق، ذلك الذعر.
"هل كان مجرد كابوس فعلًا...؟"
سؤالٌ ظل يتردد في رأسي.
لكن—
قبل أن أجد له إجابة...تسلل النوم إليّ ببطء، وكأن الظلام... قرر أن يرحمني مؤقتًا.
...
وهكذا… مرّت الأيام.
اليوم الثامن—
كان مزيجًا من الحديث المتقطع، والضحكات التي تولد من لا شيء، والتعب الذي يثقل الأجساد دون رحمة.
طعامٌ بلا طعم، خطواتٌ متثاقلة، وسقوطٌ مفاجئ في الوحل يتبعه سيلٌ من السخرية… ثم، وكأن الأمر أصبح حدثاً لا مهرب منه—
تخييمٌ من جديد.
اليوم التاسع—
استحمامٌ سريع لا يكاد يُذكر، تعبٌ يتجدد بدل أن يختفي، وأرضٌ قاحلة تمتد إلى ما لا نهاية.
لا أشجار، لا ظل، لا حياة… فقط حرارةٌ قاتلة تضرب الرؤوس بلا شفقة.
طعام، ماء، صمت… ثم تخييمٌ آخر.
اليوم العاشر—
مللٌ كثيف كالغبار، وذبابٌ لا يتوقف عن الطنين، وكأنه يتغذى على أعصابنا.
حديثٌ بلا هدف، خطواتٌ بلا حماس… وتخييمٌ يتكرر وكأنه عقاب.
اليوم الحادي عشر—
تعبٌ مضاعف، وشمسٌ حارقة لا تعرف الرحمة، وحديثٌ متقطع بين حينٍ وآخر.
لوكسيان… وغروره الذي لا ينطفئ، حتى في هذا العذاب.
طعام، ماء… ثم—
تخييم.
تخييمٌ كاد… أن يجعلني أفقد أعصابي.
أغمضتُ عينيّ للحظة، وزفرتُ ببطء.
"الآن فقط… فهمت."
همستُ لنفسي.
"فهمتُ لماذا كانت أمي ترفض دائمًا أن أذهب للتخييم."
ابتسامةٌ ساخرة ارتسمت على وجهي… لكنها لم تدم.
وهكذا… حلّ اليوم الثاني عشر.
لا شيء مميز.
لا أحداث غير متوقعة… لا مفاجآت… لا تغيير.
باستثناء شيءٍ واحد.
"اليوم… سأحصل على مهارة جديدة."
تلك الفكرة وحدها كانت كافية لتوقظ شيئًا في داخلي.
في الأسبوع الأول من الرحلة، وتحديدًا في اليوم الرابع، حصلتُ على مهارة…
لكنها كانت من الفئة F.
تقويةٌ بسيطة في النظر، شيءٌ… لا يُذكر، شيءٌ لا يُحدث فرقًا حقيقيًا.
أما الآن—
هذا هو الأسبوع الثاني، وهذا يعني…فرصةٌ جديدة.
أو ربما—
شيءٌ سيغير كل شيء.
...
كان الطريق كما اعتدنا عليه.
تراب.
فقط تراب.
يمتد أمامنا بلا نهاية، بلا ملامح، بلا حياة.
لا أشجار، لا حيوانات، لا حتى نسمة هواءٍ كافية لكسر هذا الجمود.
فجأة—
اقترب فيسبر مني، وقال وهو يسير بجانبي، بنبرةٍ لم تعجبني أبدًا:
"الأمر… لا يبشر بالخير."
توقفتُ للحظة ثم نظرتُ إليه.
قلبي… سبق كلماته.
"لا تقلها..."
قلت بسرعة، وكأنني أحاول إيقاف قدرٍ محتوم.
"رجاءً… لا تخبرني. قل لي أن الأمر ليس كذلك."
صمت للحظة، ثم قال بصوتٍ يحمل استسلامًا واضحًا:
"للأسف… كل الظروف تشير إلى ذلك."
تجمدتُ.
"لا..."
قالها فمي، لكنني كنت أعرف....كنت أعرف مسبقًا.
"نعم..."
أكدها، ثم أضاف—
وكأنها ضربة قاضية:
"سنُضطر… للتخييم."
"لااااااا…!"
صرخة خرجت مني، ليست عالية… لكنها صادقة بما يكفي.
"لا أستطيع تحمّل هذا بعد الآن!"
تنهد فيسبر، وقال وكأنه يُجبر نفسه على تقبل الحقيقة:
"تقبّل الأمر يا نيلوت… رغم أنني لا أريد الاعتراف بهذا… لكن لا مفر."
وقبل أن أجد ردًا—
تدخل صوتٌ ثالث.
"ماذا؟"
كان زايروس.
ابتسامة ساخرة، ونبرة خفيفة وكأنه يشاهد عرضًا مسليًا.
"وأنا الذي ظننت أن الأمر خطير… اتضح أن مشكلتكم مجرد التخييم."
نظر إليه فيسبر بانزعاج واضح:
"مجرد؟ اضطررنا للتخييم لخمسة أيام متتالية… ظهري يكاد ينكسر!"
أضفتُ بسرعة، وكأنني أستغل الفرصة للدفاع عن نفسي:
"والحشرات في كل مكان… والحر الذي لا يُطاق!"
ابتسم زايروس، تلك الابتسامة التي تحمل ثقةً مزعجة، وقال:
"همم… يبدو أنني قوي. لم يؤثر بي شيء مما قلتماه."
ضحك فيسبر بسخرية خفيفة:
"قوي؟ لا تضحكني… لديك خيمة متطورة وكأنها آيفون برو ماكس الذي من العالم القديم."
رفع زايروس حاجبه:
"وكيف لك أن تجزم بذلك؟"
توترٌ خفيف بدأ يتشكل…
لكن—
"سنُخَيِّم هنا."
صوت صاحب العمل قطع كل شيء. كان حاسمًا، نهائيًا، وكأنه حكمٌ لا يقبل النقاش.
صرختُ في داخلي.
"انتهى الأمر…"
نظرتُ إلى فيسبر، كنت أبحث عن مواساة.
لكن—
كان يعض على أسنانه، يحاول التماسك بصعوبة.
...يبدو أنه هو من يحتاج إلى المواساة.
...
بدأ الجميع بنصب خيامهم.
هذه المرة—
لم يكن الأمر فوضويًا كما في البداية.
أنا وفيسبر… تعلمنا بعد محاولاتٍ كثيرة، وأخطاءٍ أكثر.
الأيدي التي كانت تتخبط سابقًا… أصبحت تعرف ما تفعل.
ببطء، بخبرةٍ مكتسبة من المعاناة.
ومع غروب الشمس...واختفاء آخر خيطٍ من الضوء...دخل كلٌ منا خيمته.
ما عدا نوكس وتيروس.
الحراسة… كانت بانتظارهما.
دخلتُ خيمتي، أغلقتُ الستار خلفي، وجلسـت.
هدوء.
صمت.
عالمٌ صغير… معزول عن البقية.
أخذتُ نفسًا عميقًا، ثم رفعتُ نظري.
"...والآن."
همستُ.
"حان الوقت."
حان الوقت… لمعرفة—
ما هي مهارتي الجديدة.