تنفستُ بعمق… حتى امتلأت رئتاي بذلك الهواء الثقيل، ثم همستُ بصوتٍ خافت لكنه حازم:
"البطاقة الذهبية… ظهور."
لم تمضِ لحظة حتى انبثقت أمامي نافذة شفافة، تتلألأ بحوافٍ ذهبية خافتة، وكأنها كيان حي يراقبني.
ظهرت الكلمات بوضوح:
[ الفئة: D ]
[ القدرة: المصارعة ]
[ الوصف:
المسك (Grip): التحكم بجسم الخصم من اليدين أو الرقبة.
الإسقاط (Takedown): إسقاط الخصم أرضًا والسيطرة عليه.
السيطرة الأرضية: تثبيت الخصم ومنعه من الحركة.
الهروب (Escape): التخلص من قبضة الخصم بسرعة.
الانعكاس (Reversal): تحويل وضعية الخسارة إلى سيطرة. ]
[ الاستخدام: الدفاع عن النفس ]
[ الشروط: التدريب (سيتلاشى الشرط بعد إتقانٍ أولي) ]
تأملتُ الكلمات بصمت…
"المصارعة…؟"
همستُ بها وكأنني أختبر وقعها على لساني.
مررتُ يدي على وجهي، وزفرتُ ببطء، وكأنني أحاول إخراج ثقلٍ غير مرئي من صدري.
"بل ويجب أن أتدرّب عليها أيضًا…"
على عكس الكاراتيه… التي جاءتني كأنها معرفة مغروسة في أعماقي دون جهد.
ابتسمتُ بسخرية خفيفة.
"بهذا المعدل… لن أحصل على مهارة خارقة ما حييت."
رفعتُ يدي وأغلقت نافذة الحالة، فتلاشت كما ظهرت، بلا أثر… وكأنها لم تكن.
"سأتدرب لاحقًا…"
تمتمتُ، ثم أرخيت جسدي قليلًا.
أغمضتُ عينيّ...لحظة صمت.
ثم فتحتهما وتوقفت.
شيءٌ ما… لم يكن طبيعيًا.
الهواء—
كان أثقل، وأكثف.
كأن العالم من حولي بدأ يختنق ببطء.
"ضباب...؟"
رفعتُ رأسي ببطء، ونظرتُ حولي… الضباب بدأ يتسلل، أولًا بخفوت، ثم أخذ يزداد كثافةً بشكلٍ مريب، حتى صار يُخفي ملامح الأشياء
"هذا… غريب."
همستُ لنفسي.
"في هذا الحر…؟"
تجمدتُ للحظة،انعقدت حاجباي، وتسارع نبضي.
ثم…
ضربة إدراكٍ مفاجئة.
"لا…"
اتّسعت عيناي.
"...هل يمكن أن يكون غازًا سامًا؟!"
لم أنتظر.
التقطتُ سيفي بسرعة، واندفعتُ خارج الخيمة.
لكن—
ما إن خرجت، حتى شعرتُ وكأنني دخلت عالمًا آخر.
الضباب كان كثيفًا… كثيفًا لدرجة أن الرؤية لا تتجاوز خطوات معدودة.
الضوء نفسه بدا وكأنه يتكسر داخله.
والصمت… ثقيل.
"لا تصرخ…"
تمتمتُ لنفسي.
إن كان هناك عدو خلف هذا… فالصوت قد يكون نهايتي.
أخذتُ نفسًا بطيئًا، ثم استحضرتُ ما أعرفه.
الخيام مصطفّة بمحاذاة النار.
"إن واصلتُ التقدم للأمام… سأصل."
بدأتُ المشي.
خطوة…
ثم أخرى…
بحذرٍ شديد، كأن الأرض قد تخونني في أي لحظة، كل حركة محسوبة، كل نفسٍ مراقَب.
حتى—
"آه!"
اصطدمتُ بشيءٍ صلب.
تراجعتُ نصف خطوة، ورفعتُ رأسي بسرعة.
شخص ظهره يواجهني.
تجمدتُ.
"عدو…؟"
بدون تفكير، مددتُ يدي نحو سيفي—
لكن قبل أن أُخرجه—
"أ-أرجوك… ارحمني!"
توقف كل شيء.
ذلك الصوت...مألوف.
مددتُ يدي وأدرتُه نحوي بسرعة.
"ماركوس...؟"
اتسعت عيناه، ثم تنهد بارتياح واضح:
"هاه...إنه أنت يا نيلوت!"
شعرتُ بأن التوتر الذي كان يشدّ جسدي بدأ يتلاشى قليلًا.
"نعم..."
قلتُ وأنا ألتقط أنفاسي.
"لكن... لما خرجت؟"
حكّ رأسه بخفة، وقال:
"الضباب... غريب جدًا. لم أرتح له، فخرجت لأتفقد الوضع."
أومأتُ ببطء.
"راودني نفس التفكير."
سكت لحظة، ثم قال بنبرة منخفضة:
"لكن… ألا تلاحظ؟"
"ماذا؟"
"الهدوء…"
توقف، ثم أضاف:
"كأن… لا أحد هنا."
شعرتُ بقشعريرة تسري في ظهري.
"يجب أن نذهب إلى نوكس وتيروس."
قلتُ بسرعة.
"لا أظن أن هذا مجرد ضباب."
أومأ دون تردد.
"معك حق."
سرنا معًا وسط ذلك البياض الخانق…
حتى—
بدأ ضوء خافت يتسلل من بعيد، وميض برتقالي…نار.
"هناك."
قلتُ وأنا أشير.
"هيا."
اقتربنا تدريجيًا...حتى بدأت الظلال تتشكل...ثم الوجوه.
"أخيرًا..."
كان نوكس وتيروس هناك، قرب النار.
لاحَظَنا نوكس فورًا، وقال بنبرة حادة:
"ما الذي تفعلانه هنا؟"
تقدمتُ خطوة.
"الضباب... غير طبيعي. وجوده بهذا الشكل... في هذا الجو... مريب."
أومأ تيروس وقال:
"كنت أقول نفس الشيء قبل قليل."
عقد نوكس ذراعيه، وقال بهدوء:
"على الأرجح… غاز سام."
"ماذا؟!"
قالها ماركوس باندفاع.
"وإن كان كذلك، لماذا تبدو هادئًا هكذا؟!"
نظر إليه نوكس بثبات:
"مجرد احتمال."
ثم أضاف:
"تفقدتُ المكان… ولم أجد أحدًا."
توقف لحظة، ثم قال:
"ومرت فترة… دون أي تأثير."
قال تيروس:
"صحيح."
نظرتُ بينهم.
"إذًا… ماذا نفعل؟"
ساد صمت قصير، ثم قال نوكس:
"ننتظر."
وقبل أن أجيب—
قال تيروس فجأة:
"هناك شخصان...خلفك يا نيلوت!"
استدرنا جميعًا، ظلان...يتحركان ببطء داخل الضباب.
رفع نوكس يده فورًا:
"ششش."
وسحب سيفه.
في اللحظة التالية—
كنا جميعًا قد جهزنا أسلحتنا.
الهواء أصبح أثقل، والثواني...أطول، أما نبضات القلب… أعلى.
حتى—
"لماذا تحملون سيوفكم هكذا؟"
صوت مألوف.
خفضتُ سلاحي ببطء.
اقترب الظلان...وانكشفت ملامحهما.
فيسبر…وصاحب العمل.
تنفستُ بارتياح، وقال نوكس:
"ظننا أنكما أعداء."
رد صاحب العمل:
"تفقدتُ المنطقة… ولم أجد أحداً."
وأضاف فيسبر:
"خرجت لنفس السبب… فالتقيت به."
وقبل أن يكتمل الحديث—
شعرتُ بشيء،حركة...خلف نوكس، اتسعت عيناي.
"هناك...!"
قلتُ بسرعة.
"الكثير من الأشخاص خلفك!"
التفت الجميع فورًا.
رفع صاحب العمل سلاحه.
"اهدؤوا."
قالها بحزم.
وقفنا...ننتظر، نراقب، والضباب… ينشق ببطء.
...
وفجأة—
انشقّ الصمت.
"هل هذا حقًا… ضباب؟"
صوتٌ مألوف… خرج من عمق البياض الكثيف، وكأنه يُمزّق السكون ببطء.
تجمّدنا جميعًا.
تبع الصوتَ آخر، أكثر حذرًا، وأكثر شكًا:
"أشك في ذلك."
تبادلنا النظرات.
ثم—
أنزل صاحب العمل سلاحه ببطء، وكأن شيئًا داخله قد حسم الأمر قبل أن تتضح الرؤية.
وبدأت الظلال… تتشكّل.
ملامح بشرية تتسلل من بين الضباب، واحدة تلو الأخرى، حتى انكشفت الحقيقة.
لم يكونوا أعداء.
بل كانوا…
سيريون، بهدوئه المعتاد، كأن الضباب لا يعنيه.
زايروس، واقفٌ بثباتٍ مصطنع، يخفي خلفه اضطرابًا خفيًا.
ريغان… لكن هذه المرة، لم يكن كعادته؛ كانت ملامحه مشدودة، وعيناه يقظتان بشكل غير مريح.
الطبيب فيلور، ملامحه غائبة خلف تلك النظارة، لكن حضوره يوحي بأنه يراقب كل شيء.
ميليسا، تحاول التماسك… إلا أن ارتجاف يدها كان يفضح قلقها.
ليانا، صغيرةٌ خائفة، تتشبث بيد أمها كأنها تخشى أن تختفي في هذا البياض.
كايرو، نظراته مضطربة، وكأنه يبحث عن تفسير لا يجده.
كالستير، هادئ… كأن الفوضى لا تصل إليه.
ولوكسيان—
يتثاءب.
نصف مستيقظ… نصف غائب… وكأن ما يحدث لا يستحق اهتمامه.
زفرنا جميعًا، وكأن ثقلًا هائلًا قد أزيح عن صدورنا.
تقدم لوكسيان خطوة، وقال بنبرة مشوشة:
"لماذا… الجميع هنا؟"
رد كايرو:
"يبدو أننا خرجنا… لنفس السبب."
وأضاف ريغان، بصوت منخفض:
"الضباب..."
عقد صاحب العمل ذراعيه، وقال:
"رغم أن وجوده مريب... إلا أنه لم يحدث شيء حتى الآن."
تثاءب لوكسيان مرة أخرى، وقال بلا مبالاة:
"طالما الأمر كذلك... لنعد للنوم. أنا بالكاد أستطيع الوقوف."
لكن ريغان لم يقتنع.
"لا..."
قالها ببطء.
"هذا الضباب... لا يعجبني."
تدخل كايرو:
"لكن لم يحدث شيء...يمكننا العودة الآن."
أومأ صاحب العمل:
"ليعد كلٌّ إلى خيمته."
ساد هدوء خفيف، بدا وكأن الأمر… انتهى.
تثاءبتُ أنا أيضًا.
"ربما… مجرد ضباب عادي."
لكن—
في اللحظة التالية—
تغيّر كل شيء، بدأت رؤيتي… تضعف، ليس تدريجيًا فقط… بل كأن العالم يُسحب من عينيّ سحبًا.
"مهلًا…"
همستُ.
"ما هذا…؟"
نظرتُ حولي—
فرأيت نوكس.
عيناه نصف مغلقتين، جسده يترنح—
ثم...سقط.
ارتطم بالأرض دون مقاومة.
"هاه…؟!"
تجمدتُ في مكاني.
وقبل أن أستوعب—
سقط فيسبر.
ثم لوكسيان، دون حتى أن يكمل تثاؤبه.
"م-ما الذي يحدث…؟!"
ارتفعت أنفاسي، تراجعتُ خطوة، لكن المشهد لم يتوقف.
ماركوس.
تيروس.
الطبيب فيلور.
ميليسا.
ليانا.
كايرو.
كالستير.
وصاحب العمل—
واحدًا تلو الآخر…يسقطون، كأوراقٍ فقدت حياتها.
"لا… هذا ليس—"
لم أُكمل.
تحرك ريغان فجأة، بسرعة حادة، كأنه الوحيد الذي أدرك الحقيقة مبكرًا.
اندفعتُ معه دون تفكير.
انحنيتُ، أمسكتُ بجسد تيروس—
لكن…قوتي بدأت تتلاشى، يداي… لم تَعِدا تستجيبان، رأسي أصبح ثقيلًا.
والضباب…لم يعد خارج جسدي فقط، بل بدا وكأنه… داخلي.
"تماسك!"
صرخ ريغان.
صوته كان بعيدًا…
بعيدًا جدًا.
"تماسك يا نيلوت!"
حاولت.
لكن—
جسدي لم يعد لي.
وعيناي...خانتاني،أُغلِقَتا... رغمًا عني، والعالم…
اختفى.
وفجأة—
لم أعد أرى…
أي شيء.