غمرني الفراغ…
لم يكن ظلامًا عاديًا، بل سوادًا كثيفًا، عميقًا، بلا حدود، كأنني أطفو داخل لا شيء.
لا صوت…
لا إحساس…
لا حتى زمن.
"همم…"
تردّد صدى فكرتي داخل رأسي، بطيئًا، باهتًا، وكأنه يأتي من مسافة بعيدة.
"هذا السواد… مجددًا؟"
حاولت أن أستجمع أفكاري، أن أتشبث بشيء، بأي شيء… لكن—
لا شيء.
ومع ذلك…
كان هناك شعور غريب.
راحة.
راحة ثقيلة، مخادعة، كأن هذا الفراغ يحتويني، يبتلعني بهدوء، ويقنعني بأن البقاء هنا… أفضل من العودة.
"لكن…"
ترددت.
"لماذا أنا هنا؟"
كان هناك شيء…شيء حدث.
أنا متأكد.
لكن كلما حاولت تذكره، تلاشى كالدخان.
"لا…"
همست في داخلي.
"لا يجب أن أبقى هنا."
وفجأة—
انشقّ السواد.
فتحتُ عينيّ.
الضوء لم يكن ساطعًا، بل باهتًا، رماديًا، كأنه تسلل إلى عينيّ على استحياء.
أول ما رأيته...كان سقفًا عالٍ جدًا.
بعيد… بشكل غير طبيعي، حتى بدا وكأنه لا ينتمي لهذا المكان.
رمشتُ عدة مرات، ثم رفعتُ رأسي ببطء—
وتجمّدت.
قاعة واسعة… بشكل هائل.
جدرانها بعيدة، وسقفها أعلى مما ينبغي، والمساحة…
تمتد بلا رحمة.
لكن—
لم أكن وحدي.
عشرات الأشخاص…بل أكثر، وجوه لا أعرفها. أجساد متفرقة، بعضها جالس، بعضها واقف، وبعضها لا يزال يستفيق من غيبوبته.
شعرتُ بانقباضٍ في صدري.
"أين أنا…؟"
همستُ.
"وأين… البقية؟"
بحثت بعينيّ بين الحشود، بسرعة، بتوتر—
نوكس… تيروس… ماركوس…
لا أحد.
وقبل أن أستوعب الموقف—
انقطع الهواء.
صوت هادئ...لكنه ملأ المكان كله، كأنه قادم من كل اتجاه:
"أهلاً بكم."
تجمّد الجميع، التفتت الرؤوس، وتبعتها عيناي.
شاشة كبيرة... معلقة على أحد الجدران البعيدة، لكن ما ظهر عليها...لم يكن طبيعيًا.
شخص...يجلس بثبات، يرتدي قناعًا أسود، يخفي ملامحه بالكامل.
لكن—
ذلك القناع…لم يكن ساكنًا.
ملامحه تتغير.
تتشكل.
كأنه حي، كأنه… يبتسم.
بدأت الهمسات تنتشر كالنار في الهشيم.
"من هذا…؟"
"ما الذي يحدث…؟"
"أين نحن؟!"
لكن الصوت عاد مجددًا، بنفس الهدوء المستفز:
"ربما أنتم متفاجئون الآن…"
توقّف لحظة، ثم أضاف، بنبرة غير مبالية:
"لكن… لا يهم."
رمزٌ غريب ظهر على القناع.
■_■
"أوي!"
انفجر صوتٌ غاضب من بين الحشد.
تقدم شاب، شعره بني غامق، وعيناه حادتان كالسيوف.
"إن كانت هذه مزحة… فهي ليست مضحكة."
ساد صمت قصير.
ثم—
"همم…"
مال رأس المقنّع قليلًا، وكأنه يفكر.
".-. ماذا أفعل إذًا؟"
توقّف ثم قال ببساطة:
"إنها ليست مزحة ○-○"
تجمّد الشاب.
"م-ماذا؟"
تغيرت ملامح القناع مجددًا.
"أنا لا أحب إعادة كلامي…"
ثم اقترب وجهه من الشاشة قليلًا.
"لكنني سأقولها مجددًا… فاستمعوا جيدًا ^-^"
صمت.
ثقل.
ترقب.
"أنا… لا… أمزح =_="
كأن تلك الكلمات كانت شرارة، انفجرت الهمسات، ارتفعت الأصوات، الخوف بدأ يتحول إلى فوضى.
لكن—
وسط ذلك كله—
خرج صوت مألوف، واثق، وساخر.
"أوي…"
ابتسمتُ دون وعي.
لوكسيان.
وقف بين الحشد، يرفع يديه بثقة مفرطة، وكأنه في مسرحٍ لا في موقف خطر.
"لا أعلم أي نوع من الغباء جعلك تحتجز أشخاصًا… يملكون قوى خارقة."
ساد صمت.
لحظة واحدة فقط—
لكنها كانت كافية.
ثم أكمل، بابتسامة مغرورة:
"ببساطة… يمكننا استخدام قدراتنا… وتدمير هذا المكان."
…
ثم—
انفجر المكان.
"نعم!"
"إنه محق!"
"أي أحمق يفعل هذا؟!"
"إن كنت تريد لعب دور الخاطف… استخدم عقلك!"
ارتفعت الأصوات، تداخلت، تضخّمت. الثقة عادت، الخوف تراجع، والجميع… بدأ يصدق أنه المسيطر.
لكن—
أنا...لم أتحرك، لم أتكلم... فقط...حدّقت في الشاشة، في ذلك القناع.
لأن—
شيئًا ما…
كان خاطئًا.
خاطئًا جدًا.
...
رغم أن لوكسيان لم يكن يومًا مثالًا يُحتذى به في الذكاء…إلا أنه—وللمرة الأولى ربما—كان مُحقًا.
أي أحمقٍ هذا الذي قد يجرؤ على احتجاز أشخاص يملكون قدرات خارقة؟
كان المنطق في صفّه… وهذا وحده كفيل بأن يطمئنني قليلًا.
ربما… الأمر ليس بخطورة ما ظننت.
لكن—
انحنى المقنّع قليلًا داخل شاشته، وكأن وجهه الإلكتروني يبتسم ابتسامة باهتة، وقال بصوت هادئ يخفي خلفه شيئًا مقلقًا:
"همم… أحقًا؟ ●_●"
رفع لوكسيان يده بثقة، مرّرها في الهواء كما لو كان يرسم مسار سيفٍ غير مرئي، وقال بتعالٍ:
"نعم… حقًا."
سكون...ثم لا شيء.
تجمّد لوكسيان في مكانه.
رمشتُ بعينيّ، غير مصدّق.
ما هذا؟
لوكسيان… يفشل؟
فتقدّم رجل أصلع بخطوات ثقيلة، وقد عقد حاجبيه بسخرية واضحة، وقال:
"أوي، أيها الأشقر… هل تمزح معنا؟"
تردّد لوكسيان لوهلة، وهو ينظر إلى يده كما لو أنها خانته، ثم قال بصوت أقل ثباتًا:
"لابد أن هناك خطأ… سأعيد."
رفع يده مجددًا، كرر الحركة ذاتها—بدقة أكبر هذه المرة.
لكن…
لا شيء، لا ضوء، لا طاقة، لا حتى شرارة.
هنا… لم يتجمّد لوكسيان وحده، بل تجمّدتُ أنا أيضًا.
صحيح أن غروره يسبقه دائمًا، لكن—
هو ليس من النوع الذي يعيد نفس الخدعة مرتين.
بدأت الهمسات تتحول إلى صرخات.
"أنت تكذب!"
"توقّف عن التمثيل!"
"هل هذا وقت المزاح؟!"
اقترب الأصلع أكثر، ثم قال بازدراء:
"تنحَّ جانبًا… ودعني أريك."
ثبّت قدميه على الأرض، شدّ عضلاته، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم أطلق لكمةً قوية نحو الجدار المقابل—
"أوتش!"
ارتدّت يده كما لو أنه ضرب صخرًا لا يُقهر. لا أثر، لا خدش، لا حتى صوت ارتطام حقيقي.
اتّسعت عيناه… ثم نظر إلى قبضته، وكأن الألم وحده هو الشيء الحقيقي الوحيد هنا.
"لا… هذا مستحيل."
تراجع خطوة.
وهنا… بدأ القلق يتسلّل إلى صدور الجميع.
فتقدّم شاب ذو شعر أسود قصير، وقد بدا عليه الانزعاج، وقال بنبرة حادة:
"أنتم عديمو الفائدة… فقط راقبوني."
تعالت الهتافات حوله.
الأمل… لا يزال يقاوم.
جلس على الأرض بوضعية تأمل، أغمض عينيه، ثم فتحهما فجأة محدّقًا في مقبض الباب البعيد.
ثانية…
ثانيتان…
عشر ثوانٍ…
لكن—
لا شيء.
قطرة عرق انزلقت على صدغه، وقال بصوت خافت:
"ه-هذا… غريب… أنا متأكد أنها كانت تعمل البارحة."
ساد الصمت، صمتٌ ثقيل… خانق.
ثلاثة أشخاص…
ثلاث محاولات…
ثلاثة إخفاقات.
هذا لم يعد مزاحًا.
فجأة، انفجر المكان بالحركة، الجميع بدأ يحاول.
شخص يقفز… لكنه يسقط كأي إنسان عادي.
آخر يضرب الأرض… دون أي تأثير.
آخر يمد يده… ينتظر شيئًا لن يأتي.
الفوضى… في أنقى صورها.
أما أنا...ترددت.
لثوانٍ فقط.
ثم همست:
"الرجوع بالذاكرة… قبل عشر ساعات."
انتظرت...لا شيء.
تجمّدت أنفاسي.
لا…
لا يمكن.
رفعت صوتي، وكأنني أحاول إقناع نفسي قبل غيري:
"نافذة الحالة!"
ثانية…
ثانيتان…
ثلاث…
لا ظهور، لا استجابة، لا شيء. الآن...لم يعد هناك مجال للإنكار.
برودةٌ زحفت في أطرافي، وهمستُ—لكن صوتي كان أعلى مما توقعت:
"يبدو أننا… في ورطة."
...
هنا…
لم يعد القلق مجرد فكرة عابرة.
بل انفجر المكان—دفعةً واحدة—بموجةٍ من الرعب الخام، رعبٍ لا يحتاج إلى تفسير، بل يُحَسّ في العظام.
همساتٌ تحولت إلى صرخات،ونظراتٌ تحولت إلى توسلات،وأعينٌ بدأت تبحث… لا عن حل—بل عن رحمة.
وفجأة…
عاد صوت المقنّع، هادئًا كما لو أنه يجلس في نزهة، لا في قلب فوضى بشرية:
"إذاً… أما زلتُ أحمقًا بنظركم؟ ^-^"
لكن هذه المرة…
لم يرد أحد.
بل—
انكسر أول صوت.
صوتٌ مرتجف، متقطّع، كأنه يُسحَب من صدرٍ يختنق:
"ر-رجاءً… أ-أنا لا أعلم إن كنتُ قد أسأت إليك يومًا… و-ولكنني… س-سأعوضك…"
التفتُّ نحو مصدر الصوت.
امرأة… في العشرينات، شعرها الأسود يلامس كتفيها، ووجهها الذي كان عاديًا قبل لحظات… أصبح الآن لوحة خوفٍ حيّة.
اقتربت خطوة، وكأنها تخشى حتى الأرض التي تقف عليها، وأضافت بصوتٍ يكاد ينكسر:
"ل-لذا… رجاءً… أنقذني… سأكون مفيدة لك… أي شيء… فقط… أخرجني من هنا…"
صمت.
المقنّع… لم يرد.
لا حركة.
لا صوت.
حتى ذلك القناع الإلكتروني… بدا وكأنه يراقب فقط.
وهذا الصمت...كان أسوأ من أي تهديد.
ثم—
بدأت العدوى.
شخصٌ بكى.
آخر مدّ يديه بتوسل.
ثالث بدأ يصرخ بأنه يملك المال.
رابع… حاول أن يبدو ضعيفًا… مثيرًا للشفقة.
المكان تحوّل إلى مسرحٍ للانهيار البشري.
كرامة… تُسحَق، أصوات… تتكسّر، وآمال… تتساقط واحدةً تلو الأخرى.
ثم—
تكلم.
"هذا... ممتع ☆~☆"
…
ساد صمتٌ مفاجئ.
ممتع؟
ممتع...؟!
ارتفعت أنفاسي دون أن أشعر.
هل... فقد عقله؟
أم... هذا هو عقله الحقيقي؟
شعرت بقشعريرة تزحف في ظهري.
أنا...لا أملك قوة خارقة، لا أملك خطة، ولا حتى فهمًا لما يحدث.
والمقابل؟
شخص... يبتسم بينما نشعر نحن بالرعب.
بدأ البعض بالبكاء.
آخرون أخذوا يدورون في المكان كأنهم يبحثون عن مخرجٍ غير موجود.
وبعضهم... وقف ساكنًا.
تلك السكونية المخيفة...حين يفقد الإنسان حتى القدرة على الخوف.
وفجأة—
وسط كل ذلك...انبعث صوت هادئ، ثابت، مألوف.
"أيها المقنّع...لماذا جلبتنا إلى هنا؟"
التفتُّ فورًا.
سيريون.
واقف... كما هو دائمًا، هادئ...كأن الفوضى لا تمسه.
وبجانبه... نوكس.
وهنا—
شعرت بشيءٍ غريب...من الراحة...ولو لثانية.
صمت المقنّع للحظة، ثم مال رأسه قليلًا، وقال:
"همم... وأخيرًا... ظهر شخصٌ مميز هنا ^-^"
سكنت الأصوات.
كل الأنظار...اتجهت.
ثم ضحك.
ضحكة خفيفة… لكنها كانت كفيلة بأن تُثقل الهواء.
"جميل… جميل…"
ثم—
تغيّر صوته، لم يعد هادئًا، بل أصبح… مكسورًا بشيءٍ أقرب إلى الجنون:
"لقد جلبتكم إلى هنا… من أجل إنقاذكم! ¤^¤"
…
إنقاذنا؟
تبادلتُ النظرات مع من حولي.
لم أفهم.
لم يفهم أحد.
ثم أضاف، وكأنه يُكمل جملة عادية:
"وأيضًا… جلبتكم من أجل أن تتنافسوا ^-^"
وهنا—
انفجر المكان.
"لا! لا أرجوك!"
"لدي عائلة!"
"أطفالي ينتظرونني!"
"أنا مريض!"
"ارحمني!"
أصوات متداخلة، متكسّرة، يائسة.
أحدهم صرخ:
"زوجتي ماتت… ولدي عشرة أطفال لأطعمهم!"
…عشرة؟
رغم كل شيء…لم أستطع منع نفسي من التفكير:
إن أردت الكذب… فكُن على الأقل مقنعًا يا رجل.
آخر صرخ وهو يبكي:
"أنا مصاب بالسرطان! قال الطبيب إنني لن أعيش طويلًا!"
وعجوزٌ قال بصوتٍ مبحوح:
"دعني أرى حفيدتي… فقط… مرة واحدة…"
المكان…لم يعد مكانًا، بل تحوّل إلى بحرٍ من الرجاء المكسور.
رفع المقنّع يده قليلًا، وقال بنبرةٍ مطمئنة على نحوٍ مخيف:
"لا تقلقوا… لا تقلقوا… سأُنقذكم ^-^"
للحظة…
سكت الجميع.
تعلّقوا بالكلمات… كما يتعلق الغريق بخشبة.
لكن—
"سأنقذكم… بعد أن تتنافسوا (:"
…
وهنا—
تحطّم كل شيء.
أي أمل، أي منطق، أي رحمة.
همستُ في داخلي:
إنه… مجنون.
بل أسوأ…
مجنون… يملك السيطرة.
عاد الضجيج، أشد من قبل.
صرخات.
بكاء.
رفض.
هيستيريا.
ثم قال، وكأنه ينهي عرضًا ترفيهيًا:
"سأدعكم تستوعبون ما حدث… وأعود بعد قليل…"
توقف لحظة، ثم أضاف:
"استمتعوا ^-^"
وانطفأت الشاشة.
…
لكن الرعب...لم ينطفئ.
صمتُّ.
ليس صمت المكان…
بل صمت داخلي، ثقيل، كأن الأفكار نفسها تخشى أن تتحرك.
حاولت أن أستوعب ما حدث، أن أربط الأحداث ببعضها، أن أجد منطقًا—أي منطق—لكن كل شيء كان يبدو وكأنه يتفلت من بين أصابعي.
ثم…
تحركت.
خطوة.
ثم أخرى.
قدماي سبقتا عقلي، وكأنهما تعرفان وجهتهما أكثر مني.
نحو لوكسيان.
عندما وصلت إليه، توقفت للحظة.
كان واقفًا… لكن ليس حاضرًا.
عيناه مفتوحتان، مثبتتان على نقطة لا وجود لها، كأنه غارق في عالمٍ آخر، عالم لا يصل إليه صوت ولا ضجيج.
تأملتُه لثوانٍ.
حتى هذا المغرور… صُدم.
قلت بهدوء:
"أوي… لوكسيان."
اهتزّ جسده قليلًا، وكأن الصوت أعاده من مسافة بعيدة، ثم رمش بعينيه وقال:
"هاه؟"
لم أشرح، لم أضيع وقتًا.
"اتبعني."
تجهمت ملامحه فورًا، وعاد ذلك القناع المعتاد من الغرور ليغطي ارتباكه:
"ومَن تظن نفسك… لتُلقي الأوامر عليّ؟"
…
لم أرد.
استدرت ببساطة… وبدأت أمشي.
لحظة صمت مرت خلفي.
ثم—
صوت خطوات.
ابتسمت بخفة، كما توقعت، رغم كلماته… تبعني.
قال بصوتٍ منخفض، وسط الضجيج الذي لا يزال يملأ المكان:
"إلى أين نحن ذاهبون؟"
أجبته دون أن ألتفت:
"نحو نوكس وسيريون… أريد أن أجد البقية."
تمتم بشيءٍ غير واضح، أقرب إلى التذمر، لكنه لم يعترض.
وهذا… بحد ذاته كان غريبًا.
شقَقنا طريقنا بين الناس، الأجساد تتحرك بلا اتجاه، الوجوه شاحبة، والأصوات متكسّرة.
حتى الهواء… كان ثقيلًا.
ثم—
وصلنا.
كان نوكس واقفًا، هادئًا كعادته، وكأن الفوضى من حوله لا تعنيه، بينما وقف سيريون بجانبه، ثابتًا، يراقب كل شيء بعينين يقظتين.
لاحَظَنا سيريون أولًا.
قال بهدوء:
"يبدو أنكم بخير."
ثم أضاف نوكس، بصوته الهادئ الذي لم يتغير رغم كل شيء:
"كنا على وشك البحث عن الجميع."
وقفت أمامهما، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن أقول:
"أجل… ولكن يبدو أننا… لا نستطيع استخدام قدراتنا الخارقة."
ساد صمتٌ قصير.
قال سيريون، وعيناه تضيقان قليلًا:
"نعم… يبدو أن ذلك المقنّع قد فعل شيئًا ما."
أضاف نوكس، بنبرة تحليلية باردة:
"وأمثاله… يستمتعون بمثل هذه الألعاب. ألعابٌ تمنحهم شعور السيطرة… شعور القمة."
تنهد لوكسيان بضيق، وقال وهو يعقد ذراعيه:
"عندما تعود قوتي… سأبرحه ضربًا."
…
نظرت إليهم.
ثم…
خرج السؤال دون أن أشعر:
"هل… حقًا ستكون الأمور بخير؟"
تبادل نوكس وسيريون نظرة قصيرة، ثم قال نوكس:
"أظن ذلك… فأقصى ما يمكن لذلك المقنع فعله هو دفع شخصين للقتال."
توقف لحظة، ثم أكمل:
"أما القتل… فأشك في ذلك."
…
شعرت بشيءٍ ينقبض في صدري.
"قتل؟"
خرجت الكلمة من فمي بصوتٍ أضعف مما توقعت.
نظر إليّ نوكس ببساطة:
"نعم."
ابتلعت ريقي، كيف يمكنه الحديث عن القتل بهذه البساطة؟
"وما الذي… جعلك تقول ذلك؟"
هذه المرة، أجاب سيريون:
"في هذا العالم… لا يوجد شيء مستحيل."
توقف، ثم أضاف بهدوءٍ أثقل من الصراخ:
"وخاصةً… القتل."
…
فقلت بخوف وتردد:
" لكن...القتل شيء سيء."
سكن الهواء...ومن ثم—
قال سيريون بهدوء:
"ذلك صحيح...ولكن يوجد في العالم كل أنواع الناس."
فقلت بتردد:
"وماذا لو...أقدم ذلك المقنع على فعلها؟"
ضحك لوكسيان بسخرية خفيفة:
"ناه… ذلك المقنّع الطفولي؟ من المستحيل أن يفعلها."
لكن—
لم يبدُ أن أحدًا اقتنع بكلامه.
تنفست ببطء، ثم قلت:
"على أية حال… لنبحث عن بقية أفراد المجموعة."
أومأ نوكس:
"إذاً لنتفرق… وليعد كل منا إلى هنا بعد أن يجد شخصًا."
وأضاف سيريون، بنبرة جافة:
"ولا تضيعوا… مثل الأطفال."
…
أومأنا جميعًا.
ثم—
افترقنا.
ابتعدت عنهم، وبدأت أتحرك بين الحشود من جديد. لكن هذه المرة...لم يكن الضجيج هو الأعلى.
بل—
أفكاري.
هل سيكون كل شيء بخير فعلًا؟
ذلك المقنّع... لا يبدو مخيفًا...أليس كذلك؟
حاولت أن أتمسك بهذه الفكرة، أن أقنع نفسي بها، أن أزرعها بالقوة داخل رأسي.
نعم…
سيكون كل شيء بخير.
خطوت خطوة أخرى.
ثم أخرى.
لكن—
في مكانٍ ما...في أعماقٍ لا أصل إليها...
كان هناك صوتٌ آخر.
هادئ.
بارد.
يهمس:
أنت تكذب على نفسك.