تجولتُ بين الحشود، خطواتي مترددة لكنها مستمرة، وعيناي تمسحان المكان بعجلةٍ لا تهدأ، بحثًا عن أي وجهٍ مألوف.

لم يكن العدد كبيرًا كما توقعت…ربما أقل من مئة شخص.

رقمٌ كهذا…كان يفترض أن يجعل العثور على الآخرين أمرًا سهلًا.

لكن—

مرت الدقائق.

واحدة… تلو الأخرى، ولا شيء، لا أثر.

لا زايروس…

لا كايرو…

لا أحد.

بدأ الضيق يتسلل إلى صدري، كأن المكان—على اتساعه—يضيق بي وحدي.

وأثناء تجوالي، لم أكن أبحث فقط…بل أراقب.

أراقب الناس.

رجلٌ يجلس أرضًا، يحدق في الفراغ، وكأن عقله انسحب من جسده.

آخر يضرب الجدار بجنون، مرةً تلو أخرى، كأنه يعتقد أن الإصرار وحده كفيل بكسره.

وثالث… كان مختلفًا.

توقفت.

ذلك الرجل… ذو الشعر الأخضر الداكن، وعينين ضيقتين تحملان بريقًا غريبًا.

كان واقفًا وسط مجموعة صغيرة، يرفع يده بثقة، وصوته يعلو فوق الضجيج:

"لنتكاتف! لنتحد! لنُسقِط ذلك المقنّع!"

توقفت بعض الرؤوس.

ثم المزيد.

"إن اتحدنا…" تابع، وقد ارتسمت على وجهه ملامح القائد،

"فلن يغلبنا شيء!"

كانت كلماته… بسيطة، لكنها أصابت هدفها.

بدأ الناس يتجمعون حوله، واحدًا تلو الآخر، كما لو أنهم وجدوا أخيرًا شيئًا يتمسكون به.

تقدمت امرأة بشعر بني قصير، وملامحها مترددة، وقالت بصوتٍ خافت:

"و-ولكن… كيف سنهزمه؟"

لحظة صمت، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:

"لا أعلم بعد."

ترددت الهمسات.

لكنه أكمل بثبات:

"لكن إن اتحدنا… سنجد الطريقة."

غريب، لا خطة، لا دليل، فقط كلمات.

ومع ذلك—

بدأت العيون تلمع بالأمل، بدأت الرؤوس تهتز موافقة، وبدأ البعض… يمدحه.

راقبت المشهد بصمت.

نعم…الفكرة جيدة، الاتحاد دائمًا يبدو الخيار الصحيح.

لكن—

شيءٌ ما لم يكن مقنعًا.

كيف نهزم شخصًا…سلبنا قدراتنا بسهولة؟

المنطق… لم يكن في صفّه.

وفجأة—

"ناه… أفضل أن يكون لي حزبي الخاص."

صوت بارد، قاطِع. شقّ الضجيج كما تشق السكين القماش.

التفتُّ فورًا.

رجل.

شعره أصفر طويل، ينسدل خلفه بانسيابٍ متقن، وعيناه حادتان كأنهما لا تعرفان التردد.

ملابسه… فخمة، نظيفة، لا تنتمي إلى هذا المكان، وكان يقف… بثقةٍ مزعجة.

سأله أحدهم، بتلعثم واضح:

"م-ماذا؟ حزبك الخاص؟"

رد بلا تردد:

"نعم."

ساد صمت قصير.

الشخص ذو الشعر الأخضر ضيّق عينيه قليلًا، وكأنه يقيس خصمه، ثم قال بنبرة أكثر جدية:

"يا صديقي… هذه ليست لعبة أطفال."

تقدم خطوة.

"هذه… مسألة حياة أو موت."

لكن—

لم تتغير ملامح الآخر، بل ابتسم… ابتسامة باردة:

"حياة أو موت… بالنسبة لك فقط."

توقف لحظة، ثم أضاف بلا مبالاة:

"أما أنا؟ لا تعني لي شيئًا."

تبدّل الهواء، توترٌ خفي بدأ ينتشر.

اشتدت نظرات صاحب الشعر الأخضر، وقال بصوتٍ منخفض لكنه حاد:

"إن كان هذا تفكيرك… فابتعد. ولا تُفسد الآخرين به."

وهنا—

ضحك.

ضحكة عالية، واضحة، كأنها صفعة على وجه الموقف.

"هاهاهاها…"

ثم نظر إليه باستخفاف:

"تتصرف… وكأنك مرشح في الانتخابات."

صمت، ثم رفع صوته فجأة، موجّهًا حديثه للجميع:

"أنتم أحرار."

مدّ يده قليلًا، وكأنه يعرض صفقة:

"انضموا إليّ… وسأحميكم."

كانت جملة بسيطة، لكن وقعها كان ثقيلاً. بدأ التردد يظهر، أقدام تتحرك ببطء، عيون تتبادل النظرات.

ثم—

"أنا… سأذهب معه."

صوتٌ واحد، تبعه آخر:

"وأنا أيضًا."

ثم ثالث:

"يبدو أقوى…"

وهكذا—

بدأ الانقسام.

الشخص ذو الشعر الأخضر رفع صوته، لأول مرة يفقد هدوءه:

"مهلًا! أحقًا ستذهبون هكذا؟!"

تقدم خطوة، وكأنه يحاول الإمساك بهم بالكلمات:

"ماذا عن الاتحاد؟!"

لكن—

الرد جاء هادئًا… وقاتلًا:

"لكل شخص… حرية الاختيار."

وهنا—

لم يعد هناك جدال، واحدًا تلو الآخر…انفصلوا، تحركوا، اختاروا.

حتى—

انقسم المكان.

مجموعة… تقف خلف كلمات "الاتحاد".

ومجموعة… تنجذب نحو "القوة".

وقفتُ في المنتصف أراقب، لا أنتمي إلى أيٍ منهما.

لكن—

فهمت شيئًا بوضوحٍ مخيف، هذا المكان…لم يعد مجرد سجن.

بل—

بداية صراع، ليس مع المقنّع فقط…بل بيننا نحن أيضًا.

كان عليّ أن أتحرك… وبسرعة.

كل ثانية أقضيها هنا، وسط هذا الانقسام المتصاعد، كانت تعني احتمالًا أكبر لأن أُسحب إلى صراعٍ لا أريده.

"يجب أن أخرج قبل أن أتورط…"

استدرت، مستعدًا للابتعاد—

لكن—

"أوي… أنت، صاحب الشعر الأسود."

تجمّدت قدماي.

الصوت… كان موجّهًا لي.

استدرت ببطء.

الشخص ذو الشعر الأخضر.

كان واقفًا بثبات، وخلفه مجموعته التي بدأت تتشكل بوضوح، وجوههم تحمل مزيجًا من الأمل والتوتر، وكأنهم وجدوا أخيرًا شيئًا يقاتلون من أجله.

نظر إليّ مباشرة، ثم قال بنبرة هادئة، لكنها تحمل دعوة واضحة:

"ما رأيك أن تنضم إلينا؟"

توقّف لحظة، ثم أضاف:

"سنحاول الهروب من هذا المكان."

عرضٌ بسيط، مباشر، ومغرٍ… للبعض.

لكن—

ليس لي.

شعرت بشيءٍ من التردد يمر في داخلي، ليس بسبب العرض نفسه… بل بسبب صراحته.

قلت، محاولًا الحفاظ على هدوئي:

"أعتذر…"

توقفت لحظة، ثم أكملت:

"لكن لدي فريق بالفعل."

ثم أضفت، بنبرة أكثر لطفًا:

"أتمنى لكم التوفيق."

سكنت عيناه لثانية.

"هكذا إذًا…"

لم يكن في صوته خيبة، ولا استياء، بل… تقبّل. ثم ابتسم.

ابتسامة صغيرة، لكنها صادقة على نحوٍ غريب.

"ونحن أيضًا… نتمنى لك النجاح."

تبادلت معه نظرة قصيرة، ثم ابتسمت بدوري—

واستدرت ثم غادرت.

"لا أصدق…"

تمتمت في داخلي، بينما أبتعد.

"أشياء كنت أراها فقط في المسلسلات…"

فرق، تحالفات، انقسامات، صراع على القيادة.

وها هي—

تحدث… أمامي هنا والآن.

لكن—

هززت رأسي بخفة.

"لا يهم…"

الأمر لم يكن لعبة، لم يكن قصة، بل واقع… لا يمكن التنبؤ به.

وذلك المقنّع—

لم يكن من النوع الذي يُؤخذ باستخفاف.

"علينا الخروج… بأسرع وقت."

واصلت السير، عيناي تجوبان المكان مجددًا.

لم يكن هناك ما يميّز هذه القاعة. فراغٌ هائل، جدران صامتة، وسقفٌ بعيد… كأنه لا ينتمي للأرض.

بابٌ ضخم… مغلق بإحكام، يقف في أحد الجوانب كرمزٍ ساخر للأمل.

ولا شيء غير ذلك، لا نوافذ، لا أدوات، لا حتى أثر يدل على وجود حياة خارج هذه الجدران.

كنت غارقًا في أفكاري—

حين—

لمحت شيئًا.

توقفت.

ظهرٌ مألوف.

امرأة… شعرها طويل ينسدل على كتفيها.

وبجانبها—

طفلة صغيرة… تمسك بيدها بقوة.

اتسعت عيناي، وشعرت—

بشيءٍ ينفك داخلي...راحة غير متوقعة.

"العمة ميليسا…"

تحركت دون تفكير.

خطواتي تسارعت، ثم تحولت إلى اندفاعٍ واضح، حتى اقتربت منهما وقلت بصوتٍ لم أتمكن من إخفاء ارتياحه:

"العمة ميليسا!"

استدارت.

وفي اللحظة التي التقت فيها أعيننا—

تأكدت...إنها هي.

اتسعت عيناها، وظهرت على وجهها ملامح ارتياحٍ واضح، كأنها وجدت شيئًا كانت تخشى فقدانه.

"ن-نيلوت…أنت بخير…"

قبل أن أجيب—

وصلني صوت بكاء.

نظرت للأسفل، وإذ بها تكون ليانا.

كانت تمسك بيد ميليسا بقوة، جسدها الصغير يرتجف، ودموعها تنهمر بلا توقف.

"هئ… هئ…"

رفعت عينيها نحوي، وقالت بصوتٍ متكسر:

"أ-أيها العم… ماذا حدث…؟"

شهقت بين كلماتها:

"ل-ليانا… خائفة…"

انقبض صدري.

قبل أن أتكلم، انحنت ميليسا قليلًا، ووضعت يدها على رأسها، تحاول تهدئتها رغم أن صوتها نفسه لم يكن ثابتًا تمامًا:

"لا بأس يا ليانا…"

ابتسمت… ابتسامة حاولت أن تبدو مطمئنة.

"لابد أن هذا... مجرد مقلب."

مقلب؟

رفعت حاجبيّ دون وعي.

فنظرت إليّ، نظرة واحدة فقط—

لكنها كانت واضحة وكأنها تقول:

"سايرني."

فهمت على الفور.

تنفست، ثم قلت وأنا ألوّح بيدي بخفة، محاولًا التمثيل:

"هاها… صحيح. لابد أن أحدهم يبالغ في المزاح."

نظرت ليانا بيننا، عيناها تدرسان كلماتنا، كأنها تحاول أن تصدق—

أو ربما… تختار أن تصدق. هدأت قليلاً، لكن الخوف… لم يختفِ تمامًا.

انحنيت قليلًا نحو ميليسا، وخفضت صوتي:

"ذلك المقنّع…لا يبدو أنه ينوي خيرًا."

أومأت برأسها ببطء.

لا حاجة للكلمات.

ثم اعتدلتُ، وقلت بصوتٍ حاولت أن أجعله طبيعيًا:

"لنذهب إلى الآخرين."

أومأت، وهكذا—

تحركنا.

كنا نسير بين الحشود من جديد، لكن هذه المرة…لم أكن وحدي.

وبشكلٍ غريب—

هذا وحده كان كافيًا ليخفف ثقل المكان.

مررنا بجانب الرجل ذو الشعر الأخضر.

ما يزال واقفًا، صوته مرتفع، روحه مشتعلة، يجمع الناس حوله، يعِد، يقنع، يزرع الأمل حيث لا يوجد دليل.

وعلى الجانب الآخر—

كان الرجل ذو الشعر الأصفر الطويل.

مستلقٍ بكسلٍ واضح، ظهره مستند إلى الجدار، يتثاءب وكأن كل ما يحدث… لا يعنيه.

لكن—

رجاله.

كانوا يتحركون بدلًا عنه، يتحدثون، يقنعون، يجذبون الآخرين بصمتٍ أكثر خطورة.

وفي أماكن أخرى—

بدأ آخرون يحاولون، مجموعات صغيرة، محاولات متفرقة، قيادات مؤقتة.

المشهد تغيّر بشكلٍ واضح.

في البداية—

كان الجميع غارقًا في اليأس، خوف، بكاء، انهيار، هيستيريا.

لكن الآن—

كل شخص...يحاول النجاة بطريقته الخاصة.

قطعت ميليسا الصمت، بصوتٍ خافت:

"ما زلت… لا أستطيع التصديق."

نظرت إليها، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.

"طبيعي."

تنفست ببطء.

"أنا أيضًا… لم أصدق في البداية."

توقفت لحظة، ثم أضفت:

"لكن… انتقالنا إلى هذا العالم بحد ذاته… أكثر جنونًا من هذا."

صمتُ ثم قلت:

"مقارنةً به…هذا… يبدو طبيعيًا."

نظرت إليّ، وكأنها تحاول أن تتمسك بكلامي، ثم قالت بهدوء:

"أتمنى… ألا يحدث شيء خطير."

أومأت.

لكن—

في داخلي…لم أكن متأكدًا.

"وأنا أيضًا…"

استغرق الأمر بضع دقائق…لكنها بدت أطول مما ينبغي.

خطواتنا كانت ثابتة، إلا أن ثقل الأفكار جعل الزمن يتمدد، وكأن كل لحظة تُقاس بالخوف لا بالثواني.

وأخيرًا—

وصلنا إلى نقطة اللقاء.

كانوا هناك.

سيريون… واقفٌ كعادته، هادئًا، عينيه تمسحان المكان بلا توقف.

لوكسيان… متكئ قليلًا، ملامحه تحمل بقايا غروره رغم كل ما حدث.

وبجانبهما—

كايرو، وماركوس.

ما إن وقعت أعينهم عليّ—

حتى سبق كايرو الجميع بالكلام، رفع حاجبه، وقال بسخرية خفيفة:

"يبدو أنك… ما زلت حيًا."

ابتسمت ابتسامة جانبية، وقلت بثقة هادئة:

"لن يقتلني شيء كهذا."

ضحكة خافتة مرت بيننا.

تدخل ماركوس فورًا، لكن بنبرة مختلفة تمامًا—

مليئة بالارتياح:

"هذا جيد…"

نظر نحوي، ثم إلى ميليسا وليانا.

"أنتم جميعًا بخير."

ابتسمت العمة ميليسا، ابتسامة متعبة، لكنها صادقة:

"نعم… نحن كذلك."

أما ليانا—

فما زالت ممسكة بثوب أمها، كأنها تخشى أن تختفي إن أفلتت يدها.

تقدم ماركوس نحوها، وانحنى قليلًا ليكون في مستوى عينيها، ثم قال بنبرة دافئة:

"ومن لدينا هنا؟"

ابتسم ابتسامة لطيفة.

"أليست هذه… البطلة ليانا؟"

توقفت دموعها، رفعت رأسها ببطء.

ثم—

لمعت عيناها.

"نعم!"

قالتها بحماس مفاجئ، وكأن الخوف تراجع خطوة إلى الخلف.

"أنا البطلة… التي ستنقذكم!"

ضحك كايرو، وصفق بيديه بخفة:

"أكيد! هذا ما نحتاجه بالضبط."

تبدلت الأجواء للحظة، ضحكات خفيفة، كلمات بسيطة.

لكنها—

كانت كافية.

كافية لتذكيرنا… أننا ما زلنا بشرًا.

تركتهم يتحدثون، لم أتدخل.

فمثل هذه اللحظات—

نادرة، ولا يجب مقاطعتها. استدرت نحو سيريون ولوكسيان، وقلت:

"عدتما…"

توقفت لحظة، ثم سألت:

"لكن أين نوكس؟"

أجاب لوكسيان، بنبرة لا تخلو من غروره المعتاد:

"لم يعد بعد…"

ثم أضاف وهو يزفر بخفة:

"رغم أنني وصلت أولًا… إلا أن وصول سيريون قبل نوكس غريب."

لم يلتفت سيريون لتعليقه، بل قال بهدوء:

"يبدو أنه لم يجد أحدًا بعد، لننتظر."

"نعم…"

بدأنا الانتظار.

استلقيت على الأرض، مسندًا ظهري إلى الجدار البارد.

برودةٌ تسللت عبر ملابسي، لكنها لم تكن مزعجة…

بل مهدئة...بطريقةٍ غريبة.

أما لوكسيان بدأ يتحدث مجددًا، يبالغ في كلماته كعادته، يحاول أن يستعيد شعوره بالسيطرة عبر الحديث.

كايرو كان يرد عليه، ساخرًا، مستمتعًا بالمجادلة.

ماركوس…

ما زال بجانب ميليسا وليانا، يتحدث بلطف، يروي شيئًا بسيطًا، ربما قصة، أو مزحة—

أي شيء…يبقي الخوف بعيدًا عنهما.

أما سيريون—

فلم يجلس، كان واقفًا، يراقب.

دائمًا يراقب.

عيونه تتحرك بين الوجوه، بين الحركات، بين التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلاحظها أحد.

أغمضت عيني، وتركت الأفكار تأتي.

من هذا المقنّع…؟

ولماذا جلبنا إلى هنا…؟

وكيف… فعل كل هذا؟

صحيح أنه تحدث.

أجاب.

لكن—

إجاباته لم تكن إجابات، بل ألغاز.

إنقاذنا…؟

"إنقاذنا من ماذا…؟"

قدراتنا…كيف سُلبت منا؟

ما هذا الشيء الذي يمكنه أن يوقف شيئًا… أصبح جزءًا منا؟

والمهم—

"ماذا سيحدث الآن؟"

وفجأة—

كأن صوتًا خرج من الذاكرة.

صوت نوكس، هادئ، وواضح.

"أشك أنه سيقتل."

تجمدت أفكاري.

قتل…؟

لم أفكر بهذا من قبل.

ليس حقًا.

كنت أرى الموت…في القصص، في الروايات، في الأنميات.

أحداث، مشاهد، أرقام.

لكن—

لم يكن حقيقيًا، لم يكن قريبًا، لم يكن… موجّهًا لي.

أما الآن—

فالأمر مختلف...بشكلٍ مخيف.

"ماذا لو…"

لم أكمل الفكرة، لم أستطع.

وفجأة—

قطع الصمت صوتٌ مرتفع:

"أوي! يا رفاق! نحن هنا!"

فتحت عيني فورًا، ثم رفعت رأسي، نظرت نحو مصدر الصوت—

وارتسمت ملامح الارتياح على وجهي دون وعي.

زايروس.

وبجانبه—

نوكس.

ريغان، الطبيب فيلور، صاحب العمل، وتيروس، وكالستير، وفيسبر.

نهضت بسرعة، وكذلك البقية، ثم تحركنا نحوهم، خطوات سريعة، كأننا نلحق بشيءٍ كاد أن يضيع.

بدأت أعدّهم بعيني.

واحد...اثنان...ثلاثة...أربعة...خمسة...

استمريت.

حتى—

"أربعة عشر."

ومعي أنا نصبح خمسة عشر، توقفت وزفرت ببطء.

"الجميع...هنا"

يا لها من راحة.

مؤقتة—

لكنها حقيقية.

تقدم صاحب العمل، نظر إلينا جميعًا، ثم قال:

"إذاً… الجميع موجود."

أومأنا دون استثناء. فأكمل، بصوتٍ منخفض، لكنه جاد:

"لا أعرف ما قصة ذلك المقنّع…"

توقف لحظة.

"لكن ذلك الضباب...لابد أن له علاقة به."

أومأ ريغان.

"نعم...يبدو أنه كان غازًا منوّمًا."

عقد صاحب العمل ذراعيه قليلًا.

"ويبدو أيضًا…أنه فعل شيئًا…جعلنا نفقد قدراتنا."

سقط الصمت، ثقيلًا، مفاجئًا.

تقدم الطبيب فيلور خطوة، وقال بنبرة عملية:

"حسنًا…يجب أن نجد طريقة للخروج من هنا."

رد تيروس بسرعة، وكأنه لا يرى الحل:

"وكيف؟ قدراتنا اختفت."

نظر إليه الطبيب، نظرة ثابتة، ثم قال:

"هل نسيت…"

توقف لحظة.

"كيف كنا نعيش… قبلها؟"

ساد الصمت، ثم أكمل:

"تلك القدرات… لم تكن موجودة في عالمنا القديم. ومع ذلك… كنا ننجو."

فتقدم زايروس قليلًا، وقال بتردد:

"الأمر ليس كذلك…"

ثم نظر نحو الأعلى، حيث الشاشة.

"لكن ذلك المقنّع…على الأرجح… يملك قدرة خارقة، فكيف سنواجهه؟"

تدخل صاحب العمل مجددًا.

هذه المرة—

بهدوء محسوب.

"حاليًا…لننتظر."

نظر إلى الجميع.

"لننتظر… خطوته القادمة."

صمت ثم أضاف:

"وعندها… نفكر."

لم يعترض أحد، ليس لأن الخطة مثالية—

بل لأنه…لا توجد خطة أفضل.

ومن ثم جلس البعض، وقف البعض، بدأ آخرون يتهامسون، يفكرون، يراقبون.

أما أنا—

فنظرت حولي.

إلى الناس.

إلى الوجوه.

إلى الحركات الصغيرة.

كل واحد هنا…قد يصبح حليفًا.

أو عدوًا في أي لحظة.

2026/03/07 · 5 مشاهدة · 2008 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026