لم تمضِ سوى لحظاتٍ معدودة…حتى بدأ المشهد يتغيّر أمام أعيننا.
كما لو أن الفوضى—بشكلٍ غريب—قد وجدت لنفسها نظامًا.
تشكّلت المجموعات.
واحدة… تلو الأخرى.
مجموعة الرجل ذي الشعر الأخضر، تقف متماسكة حوله، تتشبث بكلماته كما لو كانت طوق نجاة.
وعلى الجانب الآخر، تجمّعت مجموعة الرجل ذي الشعر الأشقر الطويل، هادئة… لكن ملامحها لا تبعث على الطمأنينة.
وفي زاوية أخرى، وقف رجالٌ ضخام البنية، أجسادهم وحدها كانت كافية لبث شعورٍ بالقوة، أو ربما… بالتهديد.
أما البقية—
فبقوا متفرقين، كأنهم لم يقرروا بعد… إلى أي مصيرٍ ينتمون.
…
وفجأة—
انشقّ الصمت.
"واااو~"
ذلك الصوت…عاد من جديد، خفيف… ساخر… وكأنه يراقب عرضًا مسليًا.
"تشكّلون مجموعات بهذه السرعة؟ هذا… تجاوز توقعاتي حقًا."
ارتفعت رؤوسنا جميعًا دون استثناء، نحو الشاشة.
نحوه.
فتقدم صاحب الشعر الأخضر خطوة، صوته هذه المرة لم يحمل الحماس السابق، بل شيئًا أكثر حدة:
"ماذا تريد منا؟"
توقّف المقنّع لثانية، ثم مال رأسه قليلًا، وكأن السؤال أربكه حقًا.
"ماذا أريد منكم؟ (؟-؟)"
صمت قصير.
ثم—
"ألم أقل لكم بالفعل؟"
انحنت ملامحه خلف القناع، وكأن ابتسامةً ما تشكّلت هناك.
"أريدكم أن… تتنافسوا."
فتقدّم أحد الرجال الضخام، خطواته ثقيلة، وصوته أكثر ثقلًا:
"وما الذي يجبرنا على ذلك؟"
سكون.
هذه المرة—
المقنّع لم يرد فورًا، كأن الصمت نفسه… جزء من إجابته.
بدأت الأصوات ترتفع.
"نعم! ما الذي يجبرنا؟!"
"لن نقاتل بعضنا!"
"إن كان هناك قتال… فسيكون ضدك!"
"ماذا ستفعل إن رفضنا؟!"
تصاعدت الكلمات، تصاعدت الجرأة، أو ربما—
تصاعد الجهل.
ثم—
تحدث بهدوءٍ… مرعب.
"أليس واضحًا… ما سأفعله؟ ^-^"
توقّف الزمن، أو هكذا بدا، ثم—
أكمل، بنبرةٍ ثابتة، خالية من أي انفعال… وكأنه يذكر حقيقة بسيطة:
"سأقتلكم."
ماذا؟ هل… قالها حقًا؟
ارتجفت الأنفاس، تجمّدت الأجساد، وتحوّل الضجيج—فجأة—إلى فراغ.
صمتٌ خانق.
"إنه… يمزح… صحيح؟"
همسٌ بالكاد سُمِع.
لكن—
لا أحد ضحك.
وفي وسط هذا الجمود—
خرج صوت.
"وتتوقع… أن أصدقك؟"
التفتُّ فورًا.
ذلك الرجل الأصلع، نفسه الذي سخر من لوكسيان سابقًا.
كانت عيناه تحملان تحديًا واضحًا… وربما شيئًا من العناد الأعمى.
تقدم خطوة، ورفع ذقنه قليلًا:
"قابلتُ كثيرًا من المختلين أمثالك."
ابتسم ابتسامة ساخرة.
"ولا أحدٌ منهم… كان على قدر كلمته."
صمت.
هذه المرة—
كان الصمت مختلفًا، أثقل، وأعمق، ثم—
تكلم المقنّع، لكن ليس كما قبل.
"جرّبني."
كلمة واحدة، قصيرة، لكن باردة…بشكلٍ غير طبيعي.
شعرتُ بقشعريرةٍ تسري في جسدي دون إذن، ليس بسبب الكلمة…بل بسبب الطريقة التي قيلت بها.
ساد الصمت، لم يتحرك أحد، لم يتكلم أحد.
حتى—
ذلك الرجل الأصلع…تراجع خطوة… ثم أخرى.
"م-ماذا؟...أ-أتظنني خائفًا؟ م-منك أنت؟"
لكن المقنّع لم يجب، لم يتحرك، لم يُظهر أي رد فعل.
وهنا—
حدث شيء غريب، ذلك الصمت…كان أثقل من أي تهديد، أثقل من أي صراخ ،أثقل من أي قوة.
ابتلع الرجل الأصلع ريقه، ثم قال، بصوتٍ أقل ثباتًا بكثير:
"ح-حسنًا… سأتراجع هذه المرة… فحسب."
وكأن شيئًا انكسر، ليس فيه وحده—
بل فينا جميعًا.
وفجأة—
عاد المقنّع.
لكن—
بطبيعته “المرِحة” المزعجة.
"إذاً~"
صوته ارتفع بخفة:
"هل ستشاركون في لعبتي… أم لا؟ ^-^"
نظرت حولي، إلى الوجوه، إلى العيون. كل شخص ينتظر الآخر، كل شخص…يريد أن يرفض.
لكن—
لا أحد يجرؤ، ثم واحدٌ قال:
"…سأشارك."
"…وأنا."
"أنا كذلك..."
ثم—
آخر، وآخر، وآخر…كالعدوى، انتشر القبول. ليس اقتناعًا،
بل خوفًا. حتى لم يبقَ أحد.
وأنا لم أكن استثناءً، خفضت رأسي قليلًا:
"…سأشارك."
لأن الحقيقة كانت واضحة بقسوة، هذا لم يكن خيارًا.
بل مسألة حياة…أو موت.
"رائع!"
عاد صوته مفعمًا بالحماس الزائف:
"إذاً يبدو أنني… لن أؤذي أحدًا اليوم~ •~•"
توقفت أنفاسي لثانية، شعرت بشيءٍ بارد…يزحف على ظهري.
"اليوم…؟"
اقشعرّ بدني ببطء، بصمت، وكأن جسدي وحده…
فهم ما لم نجرؤ على قوله.
قبل أن أُكمل دوامة أفكاري، انشقّ الصمت بصوتٍ ثابت.
صاحب العمل.
كان يقف منتصب القامة، وكأن الفوضى من حوله لا يمكن أن تُزعزع اتزانه، ثم قال بنبرةٍ واضحة:
"هل أنت السبب في جعل قدراتنا الخارقة تختفي؟"
ساد هدوءٌ ثقيل، كأن المكان بأكمله ينتظر الإجابة، ثم جاء الصوت، خفيفًا. مرحًا على نحوٍ مستفز.
"نعم، أنا ^-^"
قالها وكأنه يتكلم عن نشرة الطقس. وتابع، كأنه يعرض إنجازًا شخصيًا:
"لقد جعلتُ قدراتكم الخارقة تختفي ▪︎~▪︎"
شعرتُ وكأن شيئًا انزلق تحت قدمي.
اختفت...إذًا ما عشناه من عجزٍ لم يكن صدفة.
لكن…انتظر.
قدراتنا الخارقة اختفت.
إذاً ماذا عن المهارات التي ليست خارقة؟ تسللت الفكرة إلى ذهني بسرعة.
مهارة الكاراتيه، المصارعة، التدريب البدني، كل ذلك ليس قوةً خارقة.
إذاً...هل مازلتُ أستطيع استخدامهم؟
وبينما كنت غارقًا في حساباتي، بدأت الأسئلة تتدفق من حولي.
"ماذا ستفعل بنا الآن؟!"
"إذا نفذنا ما قلته… هل ستُطلق سراحنا؟!"
ارتفعت الأصوات، خليطٌ من رجاءٍ وخوف.
رفع المقنّع يده على الشاشة بإيماءةٍ بطيئة، كأنّه يهدّئ جمهورًا في مسرح.
"بهدوء… بهدوء ッ"
ثم قال:
"سأجعلكم تلعبون عدة ألعاب."
توقف لحظة، وكأن الكلمة التالية تستحق مساحةً أكبر.
"حتى يبقى بعض الناس."
ازدادت دقات قلبي.
"الذين يفوزون… سأخلي سبيلهم (:"
تقدّمتُ دون وعي.
"وماذا عن الذين يخسرون؟"
لم يتردد، لم يلتفت يمينًا أو يسارًا:
"ببساطة… سيموتون ^-^"
قالها بهذه السهولة، وكأنه يقوم بعمل كأسٍ من الشاي.
كأن الهواء انسحب من صدري.
سيموتون؟
...إنه مجنون.
بدأت العيون تتحرك، لم تعد تبحث عن المقنّع—
بل عن بعضها البعض.
تسلّل الشك كالدخان، لأن الحقيقة ظهرت الآن عارية:
في لعبةٍ يُقتل فيها الخاسر…قد يصبح أقرب الناس إليك خصمًا.
حتى أنا...
للحظةٍ خاطفة—
نظرتُ إلى أفراد مجموعتي.
نظرة قصيرة، لكنها كانت كافية لأشعر بالخجل، وهنا—
قطع صاحب العمل ذلك الخيط المسموم:
"لا تفكروا حتى بذلك."
التفتت إليه الرؤوس، ثم أكمل بثباتٍ نادر:
"لقد منح كل واحدٍ منا ثقته للآخر. فلنكن على قدر هذه الثقة."
كانت كلماته كصفعةٍ أعادتني إلى رشدي.
بالفعل…
كيف سمحتُ لكلمات المقنّع أن تزرع هذا الظل في داخلي؟
قال سيريون بهدوءٍ راسخ:
"أنت محق."
أضفتُ أنا:
"لنكن على قدر هذه الثقة."
قال فيسبر بضيق:
"كاد ينجح في زرع الشك بيننا."
رد نوكس ببرود:
"رغم ذلك لم أشك بأحد."
أما لوكسيان فابتسم ابتسامةً متعالية:
"وأنا كذلك. فكيف لضعفاء أن يغدروا بي؟"
غمغم تيروس:
"من المستحيل أن أشك بأفراد مجموعتي."
وأومأ الجميع، كانت لحظة استعادة، انتصارًا صغيرًا… ضد لعبةٍ نفسية. لكن نظري انزلق إلى ميليسا.
كانت تضم ليانا إليها، تغطي أذنيها بكلتا يديها، تحاول حجب الكلمات، تحاول حجب الرعب، لكن الخوف لا يحتاج إلى سمع.
كانت يداها ترتجفان، وعيناها ممتلئتين بقلقٍ مكبوت.
ليانا تنظر حولها ببراءة، تشعر بالاختناق دون أن تفهم السبب.
عندها—
لم أعد أحتمل.
اندفعت الكلمات من صدري كشرارة.
"إن كنت ستختطفنا لنشارك في ألعابك، فليكن!"
ارتجّ المكان.
"لكن لماذا تختطف طفلة لم ترَ شيئًا من الدنيا؟!"
اشتعل صوتي أكثر:
"كيف تتوقع من طفلة بلا قوة أن تشارك في ألعابك المجنونة هذه؟!"
ساد الصمت، الأنظار كلها عليّ، حتى ميليسا بدت مذهولة.
أما ليانا فكانت تحدق بي باستغراب، لا تسمع، لكنها تشعر بتغيّر الجو.
صمت المقنّع قليلًا، ثم قال بنبرةٍ غريبة:
"همم… إنها طفلة مسكينة فعلًا ):"
ازداد غضبي.
إن كان يعلم ذلك—
فلماذا؟
لكنّه قاطع أفكاري:
"عندما رأيتها أول مرة… لم أصدق أنها بهذا البؤس لتأتي إلى هنا (╥ ω ╥)"
تبادلت العيون النظرات.
بؤس؟
لتأتي إلى هنا؟ ما الذي يعنيه بذلك؟
ثم قال، بهدوءٍ أثقل من السابق:
"يبدو أنه لا حل… سأنقذها ッ"
انتشرت تنهيدة جماعية، حتى المجموعات الأخرى زفرت بارتياح.
ربما…ربما لم يفقد إنسانيته بالكامل.
ربما—
لم يُجَن تمامًا.
لكنّه أكمل:
"أعطوني الطفلة."
توقف الزمن.
"سأقتلها قتلاً رحيماً."
إنه مجنون بالكامل...
لم يكن الصمت هذه المرة عاديًا، كان صدمةً خالصة، ولم يعد يُسمع سوى احتكاك أنفاسٍ متقطعة.
حتى أولئك الذين لم تتبدل ملامحهم منذ البداية—
سيريون.
نوكس.
صاحب العمل.
ريغان.
الطبيب فيلور.
حتى لوكسيان المتغطرس—
تغيرت وجوههم؛ لأن ما فعله لم يكن تهديدًا فحسب، بل كان…منح أملٍ قصير.
ثم سحقه بلا رحمة.
بدأت ميليسا تبكي بصمت، وهي تشد ليانا إلى صدرها أكثر، كأنها تستطيع حمايتها بجسدها وحده.
المجموعات الأخرى تراجعت خطوة، الوجوه شاحبة، الأعين مذهولة.
لأنهم أدركوا الآن—
أننا لا نواجه شخصًا يسعى للنجاة أو الانتقام.
بل نواجه عقلًا يستمتع بتمزيق المشاعر.
زرع الأمل…ثم اقتلاعه أمام أعيننا.
وهنا—
شعرت بشيءٍ يتغير داخلي، لم يعد الأمر خوفًا فقط.
بل…غضبًا باردًا، لأن هناك حدودًا—
ويبدو أن هذا المقنّع…لا يعترف بأيٍّ منها.
ولا يعترف بأي شخص.