134 - قرار واحد يفصل الحياة

(ملاحظة: قد يكون هذا الفصل مخيفاً للبعض، وقد يسبب بعض الصدمات النفسية، لذا يُرجى الحذر عند القراءة )

...

تقدّم صاحب العمل خطوة إلى الأمام، كان صوته هذه المرة مشدودًا، لكن ثابتًا:

"إنها طفلة… كيف يمكنك أن تكون عديم الإنسانية إلى هذا الحد؟"

كلماته لم تكن صرخة، كانت اتهامًا مباشرًا، وكأنّه يضع المقنّع أمام مرآة.

وسرعان ما تبع صوته أصواتٌ أخرى.

"هذا صحيح!"

"هذا قاسٍ جدًا!"

"ألا تملك ضميرًا؟!"

"على الأقل ارحم الطفلة!"

"لم تعش حياتها بعد!"

ارتفعت الأصوات، متشابكة، متداخلة، بعضها مرتجف، وبعضها غاضب.

تحوّل المكان إلى موجة احتجاجٍ عارمة.

وللمرة الأولى…لم يكن الخوف هو الصوت الأعلى، بل الغضب.

كانت ميليسا تضم ليانا بقوة، بينما عيناها تلمعان بدموعٍ مكبوتة، وكأنها تستمد من هذا الضجيج قوةً مؤقتة.

وفجأة—

صفّق.

صوت التصفيق اخترق الفوضى كطلقةٍ باردة.

صفقة واحدة، لكنها كانت كافية.

"هدوء."

قالها بصوتٍ منخفض… خالٍ من أي انفعال.

تجمدت الكلمات في الحناجر، انخفضت الأصوات، وتلاشى الضجيج كما لو أنه لم يكن.

ثم أضاف بنبرةٍ جافة، قاطعة:

"أنا من يقرر… وليس أنتم. •_•"

عاد الصمت، لكن هذه المرة كان أثقل، وأخطر.

شعرتُ أن الوقت ينفلت من بين أصابعي.

نحن في ورطة.

ورطة حقيقية.

إن لم أفعل شيئًا الآن…فقد تنتهي الأمور هنا.

هيا يا نيلوت…فكّر.

هل ستذهب كل تلك الليالي في قاعات الجامعة، وكل النقاشات، وكل المناظرات، وكل تدريبات التفكير النقدي… سدىً؟

فكّر، أي شيء، أي ثغرة، أي زاوية يمكن الدخول منها.

ثم—

لمعت الفكرة.

ليست خطة عبقرية، لكنها احتمال.

تنفستُ بعمق، شعرتُ بقلبي يدق في أذني، ثم قلت:

"لدي اقتراح."

التفتت الرؤوس نحوي دفعةً واحدة.

نظرات دهشة.

قلق.

رجاء.

أما على الشاشة—

فوضع المقنّع يده على قناعه، مائلًا رأسه قليلًا.

"همم… وما هو؟ °-°"

بلعتُ ريقي، لا مجال للتراجع الآن.

"من الأساس… أنت وضعتنا هنا لنشارك في لعبتك."

توقفت لحظة، ثم أكملت:

"فإن كان هدفك هو اللعبة… فإن قتلها دون أن تمنحها حتى فرصة للمشاركة… غير عادل."

كلمة غير عادل خرجت متعمدة، تعمدتُ أن أستفز منطقه،

تعمدتُ أن أخاطب غروره.

"لذا… ما رأيك أن تعود لقرارك الأصلي… وتمنحها فرصة؟"

صمت، صمت طويل، كان أطول من أي تهديدٍ قاله سابقًا.

حتى أنني شعرتُ بأن قلبي توقف لثانية.

لم أكن وحدي، الجميع كان ينتظر، العيون معلقة بالشاشة، والأنفاس محبوسة.

ميليسا لا تزال تحتضن ليانا، وكأنها تستعد لأي رد.

ثم—

قال:

"أنت… ممتع."

تسلل البرود إلى ظهري.

لا أعرف إن كانت مجاملة… أم تصنيفًا.

ثم تغيرت نبرته، عادت تلك الخفة المزعجة.

"حسنًا إذًا… يمكنها المشاركة. ദ്ദി(ᵔᗜᵔ)"

في تلك اللحظة—

عاد الهواء إلى صدري دفعةً واحدة، سمعت زفرات متتالية من حولي، بعضهم أغلق عينيه للحظة، وبعضهم همس:

"يا لها من راحة…"

ميليسا انفجرت بالبكاء، لكنها هذه المرة كانت دموع ارتياح.

احتضنت ليانا بقوة، بينما الطفلة بادلتها العناق بحيرةٍ صامتة، لا تفهم سبب هذا التحول المفاجئ.

نجحتُ.

ليس إنقاذًا كاملًا.

لكن—

وقتًا إضافيًا، فرصة، مهلة.

ربّت كايرو على كتفي بقوةٍ خفيفة.

"لقد أنقذتنا يا رجل."

ابتسمتُ ابتسامةً باهتة.

"لم أفعل إلا ما كان يجب فعله."

لكن داخلي لم يكن مطمئنًا، ثم عاد صوته يملأ القاعة:

"إذاً… سنبدأ اللعبة بعد قليل، فجهّزوا أنفسكم ^-^"

ازدادت دقات قلبي مجددًا.

"سيأتي بعض الناس بعد لحظات ليأخذوكم إلى مكانٍ آخر."

مكان آخر؟ إذًا هذا ليس سوى غرفة انتظار.

ثم توقف، وكأنه تذكر شيئًا مهمًا.

"أوه… وشيء آخر."

انحنى قليلًا أمام الكاميرا.

"لم أعرّفكم باسمي بعد."

صمت ثم قال بهدوءٍ مسلٍّ:

"أنا أُدعى… هوست. •ᴗ•"

ثم—

انطفأت الشاشة، اختفى وجهه، واختفى صوته.

لكن ظله—

بقي معلقًا في الهواء.

سادت لحظة صمتٍ قبل أن يدرك الجميع حقيقةً واحدة:

اللعبة… بدأت بالفعل، ولم نكن مستعدين لها بعد.

...

مرّت دقائق ثقيلة.

دقائق لم يكن فيها سوى أنفاسٍ متقطعة، وهمساتٍ متوجسة، وعيونٍ معلّقة على الباب المغلق.

ثم—

بصوتٍ معدنيٍّ عميق…فُتح الباب، ببطءٍ متعمّد، كأن من خلفه يعلم تمامًا أثر هذا الصوت على أعصابنا.

ظهر خمسة أشخاص.

لكنهم… لم يكونوا عاديين.

كانوا يرتدون أقنعة.

وجميعهم يرتدون ملابس موحّدة، أنيقة حدّ الفخامة، وكأنهم ليسوا حرّاسًا… بل جزء من عرضٍ مسرحيّ فاخر.

سترات طويلة مفصّلة بعناية، يغلب عليها اللون الأسود الداكن، تتخللها خطوط بيضاء حادّة على الأطراف والأكمام، أما الياقات فكانت مطرّزة بخيوطٍ حمراء عميقة، لونها أقرب إلى القرمزي، يلمع بخفوتٍ تحت الإضاءة.

أزرار فضية مصقولة.

قفازات سوداء.

أحذية جلدية لامعة تعكس الضوء.

لم يكن الأحمر صارخًا… بل محسوبًا، كأنّه تذكير صامت.

كأنّه… إنذار.

تقدّم الأول.

كان يرتدي قناع ثعلب أبيض تتخلله خطوط سوداء رفيعة، وعيناه خلف القناع غير مرئيتين.

الثاني… قناع نجمة معدنية بخمسة أطراف، مطليّة بالأبيض، تتوسطها نقطة سوداء داكنة.

الثالث… قناع أسود بالكامل، تعبره خطوط بيضاء عمودية كأنها شقوق في سطحٍ مظلم.

الرابع… قناع أبيض بابتسامة مرسومة بعناية، ابتسامة واسعة أكثر مما ينبغي.

أما الخامس… فقناع ذئب فضي، تفاصيله دقيقة، وأنيابه بارزة بشكلٍ مخيف.

بدأت الهمسات تنتشر.

“من هؤلاء؟”

“هل هم جنوده؟”

“لابد أنهم الأشخاص الذين ذكرهم هوست.”

لكن صاحب القناع الأسود تقدّم خطوة، ثم رفع يده بهدوء.

“هدوء.”

لم يكن صوته عاليًا جدًا، لكنه كان آمرًا، فساد الصمت فورًا.

ثم قال:

“أُدعى بلاك.”

صوت ثابت، بلا تردد.

ثم تقدّم صاحب قناع النجمة قليلًا.

“وأنا… ستار.”

جاء الصوت حادًا قليلًا، لكنه خفيف.

ثم صاحب القناع المبتسم:

“وأنا سترانج.”

نبرة مرحة… مزعجة.

ثم الثعلب:

“أما أنا… مليغنانت.”

صوته انزلق كهمسةٍ باردة.

وأخيرًا، الذئب:

“وأنا لونولف.”

كان صوته عميقًا، يحمل خشونة خفيفة، ثم عاد بلاك ليتقدم خطوة.

“بناءً على طلب هوست… جئنا لنأخذكم إلى الغرفة الأولى من مبنى السعادة.”

مبنى… السعادة؟

الاسم وحده كان كافيًا لإثارة القشعريرة.

“هناك… ستبدأ اللعبة الأولى.”

ارتفعت يدٌ بين الحشد.

كانت الفتاة ذات الشعر البني القصير، ملامحها متوترة لكنها ثابتة.

قالت:

“كان هناك سؤال دائمًا ما خطر على بالي… كم عددنا؟”

نظر ستار نحوها مباشرة، ثم أجاب دون تردد:

“عددكم… مئة وخمسة شخص.”

مئة وخمسة.

رقم ضخم...أكبر مما تخيلت.

مئة وخمسة إنسان، مئة وخمسة احتمال.

مئة وخمسة ضحية؟

عاد بلاك يسأل:

“أية أسئلة أخرى؟”

صمت.

الصمت هذه المرة لم يكن خوفًا فقط…بل إدراكًا.

“إذاً… اتبعوني.”

واستدار، وفي لحظة واحدة—

تحرك الجميع، لا أحد أراد أن يكون الأخير.

نظرتُ إلى مجموعتي.

كايرو، ريغان، فيسبر، صاحب العمل، كالستير، لوكسيان، ميليسا، ليانا، زايروس، الطبيب فيلور، نوكس، ماركوس، تيروس، وأخيراً سيريون.

تحركوا.

فتحركتُ معهم.

اقترب مني فيسبر وهمس:

“لا أصدق أننا… اختُطفنا فعليًا من مختلّ عقلي.”

أومأت.

“أجل.”

لكن الكلمة خرجت أثقل مما أردت، ثم قال ريغان بهدوء:

“رغم كل شيء… ابقوا حذرين.”

وأضاف صاحب العمل:

“لا تستهينوا بهم.”

أومأنا جميعًا.

خرجنا من القاعة المقفرة أخيرًا، ولأول مرة…رأينا شيئًا آخر غير الجدران العارية.

امتد أمامنا ممر طويل.

جدرانه بلون أحمر داكن، أقرب إلى لون سجادة حمراء قديمة. الإضاءة خافتة، تتسلل من مصابيح مخفية على الجوانب، فتعكس ظلالًا طويلة على الأرضية الرمادية المصقولة.

كان المكان نظيفًا… أكثر مما ينبغي.

هادئًا… أكثر مما ينبغي.

قال كايرو بدهشة:

“واه… لم أتوقع أن يكون هكذا الطريق.”

أجبته:

“وأنا كذلك… ظننت أننا سنكون في مبنى مهجور أو شيء مشابه.”

لكن هذا—

لم يكن مهجورًا، كان منظّمًا، ومخططًا.

واصلنا السير، حتى وصلنا إلى مفترق طرق.

تفرّع الممر إلى جهتين، لكن المقنّعين لم يترددوا ولو لثانية.

اتجهوا يمينًا مباشرة بخطواتٍ واثقة، كأنهم يعرفون هذا المكان…كأنهم وُلدوا فيه.

بينما كنا نسير…خطرت لي فكرة.

لماذا لا—

لماذا لا نهاجمهم الآن؟

خمسة فقط، ونحن مئة وخمسة، وحتى لو كان لديهم قدرات خارقة…فالعدد في صالحنا، بالإضافة إلى أنهم لا يبدون بتلك القوة.

نعم.

هذه فرصتنا.

كدت ألتفت لأخبر مجموعتي، كدت أهمس بالخطة.

لكن—

اصطدمتُ فجأةً بشخص أمامي، توقف الحشد دفعة واحدة.

ارتطمت الأكتاف ببعضها، ارتفعت همسات متوترة، فرفعت رأسي.

كان بلاك قد توقف، واستدار ببطء، ثم قال بصوتٍ منخفض…لكن واضح:

“هناك… شخص ليس هنا.”

شعرتُ ببرودةٍ تعبر ظهري.

م-ماذا؟

تبادل الناس النظرات.

ثم أكمل بلاك، بنبرةٍ لا تقبل نقاشًا:

"افسحوا المكان."

لم يصرخ، لم يهدد، لكننا تحركنا جميعًا بلا إرادة.

ثم—

في لمح البصر…اختفى.

لم يركض، لم يقفز، لم يصدر صوتًا.

كان هنا—

ثم لم يعد.

تجمّد الجميع.

"ماذا…؟"

"هل رأيتم ذلك؟"

"هل كان هذا… انتقالًا آنيًا؟!"

أحسست ببرودة تزحف في أطرافي.

ألديه قدرة خارقة بهذه القوة؟ إن كانت هذه قدرته...فما مدى قوة قدرات المقنعين الآخرين؟

لكن قبل أن أتمّ الفكرة—

شقّ صراخٌ حاد الهواء.

"كيااااااه!"

التفتت الرؤوس كلها في آنٍ واحد.

حاولت النظر، لكن الأجساد أمامي حجبت الرؤية، ثم حدث شيء أربكني أكثر.

كايرو سقط على ركبتيه.

زايروس وتيروس وماركوس تراجعوا وهم يرتجفون.

نوكس وسيريون تجمدا كتمثالين.

صاحب العمل أطبق يده بسرعة على عيني ليانا.

ريغان غطّى رؤية ميليسا.

كالستير أدار وجهه بشحوب.

الطبيب فيلور صرف بصره بصمتٍ ثقيل.

أما لوكسيان…فانحنى فجأة وتقيأ على الأرض.

اتسعت عيناي.

ما الذي—

ما الذي يحدث؟

دفعتُ جسدي للأمام بين الحشود، وكلما اقتربت، ازداد الصراخ ثقلًا.

رأيت امرأةً جاثية على الأرض، تحدق أمامها برعبٍ مطلق.

وأمامها—

كان بلاك واقفًا بثبات.

وفي يده…جسدٌ متدلٍ، لم أرَ في البداية التفاصيل.

ثم—

رأيت رجل أصلع، عيناه مفتوحتان بلا تركيز.

وجبهته مثقوبة بثقبٍ داكن ويملؤه الدماء، وكأن رصاصةً واحدة أنهت كل شيء.

لم يكن هناك صراخ منه، لم يكن هناك مقاومة.

فقط…نهاية.

كان المقنّعون الآخرون يقفون خلف بلاك بهدوءٍ مخيف.

لا انفعال، لا ارتباك، كأنهم يشاهدون إجراءً إداريًا عاديًا.

شعرت بأن الأرض تميد بي، سقطتُ جالسًا، ارتجفت يداي، واقشعرّ جلدي.

غصّة حادة ارتفعت إلى حلقي.

ثم—

"بلااارغغغغ..."

تقيأت.

"أ-أتلك… ك-كانت… ج-جثة الشخص الأصلع… الذي تحدّى هوست؟"

لم أحتج لإجابة...كنت أعرف.

نعم.

هو نفسه.

أغمضت عيني للحظة، ولكن الصورة لم تختفِ، ثم استفرغتُ مجدداً.

هذه أول مرة أرى جثة، أول مرة أرى إنسانًا…وقد أصبح فجأة شيئًا بلا حياة.

اقترب فيسبر بقلق.

"نيلوت! ماذا رأيت؟! ما الذي—"

حاول التقدم، أمسكته بذراعه بصعوبة.

"إ-إياك أن تذهب… ل-لقد كانت… جثة."

تجمد، شحب وجهه، وبينما كانت عقولنا تحاول استيعاب الكارثة—

ارتفع صوت لونولف، عميقًا وقاطعًا:

"هدوء."

تلاشى الصراخ تدريجيًا، لكن الدموع لم تتوقف، والوجوه بقيت شاحبة.

عندما ساد الصمت التام—

رفع بلاك الجثة ببرودٍ مستفز، وقال بصوتٍ واضح:

"هذا الشخص حاول الهرب من المجموعة."

توقف لحظة.

"ظل مختبئًا في القاعة… ووجدته وهو يحاول الفرار."

ثم أضاف:

"لذلك قُتل بشكلٍ رحيم."

رحيم؟

الكلمة ارتطمت بعقلي كإهانة.

"لأن أمثاله… سيعيقون اللعبة."

شعرتُ بأن شيئًا داخلي ينكسر.

"م-ماذا؟" خرجت مني همسة مرتجفة.

"ق-قتله… فقط لأنه حاول الهروب؟"

أكمل بلاك:

"ومن يتجرأ ويفعل ما فعله… سننقذه… ونقتله قتلاً رحيمًا."

اختفى المنطق، كأن الكلمات فقدت معناها، بعض الناس بدأوا يبكون بصوتٍ عالٍ.

بعضهم ضحك ضحكةً عصبية هستيرية.

بعضهم انهار جالسًا على الأرض.

مئة وخمسة شخصًا، والآن…مئة وأربعة.

اللعبة لم تبدأ بعد.

ومع ذلك—

تم حذف لاعب.

دون تردد، دون رحمة، دون فرصة، دون شفقة.

رفعت بصري ببطء نحو بلاك، وفهمت شيئًا مرعبًا...نحن لسنا مشاركين.

نحن… قطع، والخطأ هنا—

لا يُصحَّح...بل يُمحى.

2026/03/08 · 7 مشاهدة · 1628 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026