135 - مسرح البراءة الزائف

كان الجميع ما يزال غارقًا في صدمةٍ ثقيلة، صدمةٍ جعلت الهواء نفسه يبدو أثقل من المعتاد.

العيون متسعة، والأنفاس متقطعة، وكأن المكان بأكمله توقف عن الحركة للحظات.

عندها تقدّم بلاك بخطوات ثابتة نحو سترانج، ودفع الجثة نحوه، ثم وضع يده على كتفه وهمس له بشيءٍ لم أتمكن من سماعه.

لحظة واحدة فقط…

ثم اختفى سترانج.

اختفى.

لم يتحرك، لم يركض، لم يفتح بابًا… بل اختفى من مكانه كما لو أن وجوده مُحي من الواقع.

تجمّد الجميع.

توقفت الهمسات.

حتى الأنفاس بدت وكأنها توقفت في الصدور.

م-مهلاً…

كيف…؟

كيف يمكن له أن ينتقل آنياً مثل بلاك؟! أليس بلاك وحده من يمتلك تلك القدرة؟

تسارعت الأفكار في رأسي حتى شعرت وكأن عقلي يكاد ينفجر.

ألم يكن المفترض أن يحصل كل شخص على قدرة مختلفة؟

أم أنني أنا من لم يفهم نظام القوى في هذا العالم؟

لحظات ثقيلة مرّت، بدت كأنها دقائق طويلة…

ثم…ظهر سترانج مجددًا.

ظهر في المكان نفسه تقريبًا، وكأن شيئًا لم يحدث.

لكن هذه المرة…لم تكن الجثة معه.

اتسعت عيناي أكثر.

م-ماذا…؟ ماذا فعل بالجثة؟!

وأين ذهب أصلاً؟!

وكيف عاد بهذه السرعة؟!

كانت الأسئلة تتدافع في رأسي بلا توقف، حتى قاطع أفكاري صوت بلاك البارد:

"هيا… اتبعوني."

لم يكن في صوته أي اهتمام بارتباكنا أو خوفنا.

ورغم أن صدمة موت الرجل الأصلع، والخوف، والتوتر، والارتجاف الذي يسري في الأطراف… لم تختفِ بعد…

إلا أن الناس بدأوا يتحركون.

واحدًا تلو الآخر.

كما لو أنهم قطعان تسير خلف الراعي، حتى لو كان يقودهم إلى المجهول.

قبل أن أستوعب ما يحدث، شعرت بيدٍ تمسك بذراعي.

كان فيسبر.

ساعدني على الوقوف بينما كان هو نفسه يبدو متعبًا.

ثم قال بصوت خافت متقطع:

"يبدو… أن الأمر… أخطر بكثير مما كنا نظن."

لم أجد ما أجيبه به.

فقط تبعنا الآخرين.

كان المقنّعون يسيرون بثبات في المقدمة، وكأن شيئًا لم يحدث منذ لحظات.

وكأن موت الرجل الأصلع لم يكن سوى حادثٍ عابر.

اقتربت قليلًا من سيريون، الذي كان يسير بجانبي.

لكن شيئًا في وجهه كان مختلفًا.

لم يكن ذلك الهدوء المعتاد الذي أعرفه، بل حذرٌ واضح… لم أره عليه من قبل.

فهمست له:

"ه-هل يمكن أن يحصل الإنسان على قدرة خارقة… تشبه قدرة شخص آخر؟"

نظر إليّ للحظة، ثم قال بهدوء:

"علمي علمك."

ثم أضاف بعد لحظة:

"لكنني أعترف… هذه أول مرة أرى فيها شيئًا كهذا."

توقف قليلًا ثم قال:

"يبدو أن الأمر… ممكن."

ساد الصمت بعد ذلك، لم تعد هناك همسات، ولم يعد أحد يجرؤ حتى على الكلام.

فقط…

الخوف.

وبينما كنا نسير في ذلك الممر الطويل، بدأت ألاحظ تفاصيل المكان.

طرقٌ كثيرة تتفرع في الاتجاهات المختلفة.

درجٌ يصعد إلى الأعلى، وآخر يهبط إلى الأسفل.

شبكةٌ معقدة من الممرات، وكأن هذا المكان متاهة حقيقية.

لكن المقنّعين لم يترددوا لحظة، استمروا في السير إلى الأمام فقط. حتى وصلنا أخيرًا إلى بابٍ ضخم من الحديد.

بابٌ ثقيل يوحي بمجرد النظر إليه بأنه لا يُفتح بسهولة،

توقف المقنّعون أمامه.

مدّ بلاك يده داخل جيبه، ثم أخرج بطاقة سوداء اللون.

كانت طويلة قليلًا، بسطح لامع.

تقدّم خطوة، ثم أدخل البطاقة في فتحة ضيقة في الباب، وكأنها صُممت خصيصًا لهذا الغرض.

لحظة واحدة…ثم صدر صوت ميكانيكي خافت.

وببطء…انفتح الباب.

تجمدت أفكاري للحظة.

مهلًا…أليس هذا يعمل بالكهرباء؟

الفكرة جعلتني أتوقف لحظة في مكاني.

وفجأة تذكرت شيئًا آخر.

الشاشة التي ظهر عليها هوست سابقًا…أليست الشاشات تعمل بالكهرباء أيضًا؟

إذًا…

هذا العالم يملك كهرباء!

لكن… كيف؟

لم أتمكن من متابعة التفكيرر فقد بدأ الجميع بالدخول.

تبعتهم بصمت، وعندما دخلت…اتسعت عيناي قليلًا.

كان المشهد مختلفًا تمامًا.

الجدران مطلية بلونٍ أزرق بارد.

الأرضية حمراء داكنة، كأنها بساط طويل يمتد عبر القاعة، أما السقف فكان أزرق داكنًا، تتوزع فيه مصابيح خافتة الإضاءة.

لكن أكثر ما لفت انتباهي…الكاميرات.

كانت هناك كاميرات في كل زاوية تقريبًا.

تراقب كل شيء، كل حركة، كل تعبير.

على الجانب الأيسر من القاعة، صفوف طويلة من الكراسي.

كراسي كثيرة… أكثر مما توقعت.

أما الجانب الأيمن، فكانت هناك شاشة ضخمة مثبتة على الجدار.

توقف الجميع في أماكنهم.

عندها قال مليغنانت بصوتٍ مرحٍ على غير المتوقع:

"هنا ستكون القاعة الرئيسية~"

ثم أضاف مبتسمًا:

"أليست أجمل من تلك القاعة المقفرة؟"

ردّ عليه بلاك فورًا، بصوت بارد قاطع:

"نحن هنا بأمر من هوست."

ثم أضاف بصرامة:

"وليس لأن هذه القاعة أجمل."

ساد الصمت لثانية، ثم التفت بلاك نحونا وقال:

"من الآن فصاعدًا…ستعودون إلى هذه القاعة بعد انتهاء كل لعبة."

توقف لحظة، ثم أكمل:

"حتى يُقصى العدد المطلوب من اللاعبين."

بعدها تحدث ستار، كان صوته هادئًا، لكنه حازم:

"اجلسوا."

بدأ الجميع يتحرك نحو الكراسي، خطوات بطيئة، ووجوه شاحبة.

جلست أنا أيضًا.

لكن…شيئًا ما شدّ انتباهي.

كان هناك كرسي فارغ، كرسي واحد فقط، عرفت فورًا لمن كان.

...كرسي الرجل الأصلع.

تسلل شعور غريب إلى صدري.

لم أعرف اسمه، لم أتحدث معه، لكن…قبل دقائق فقط كان حيًا.

ربما كان لديه منزل، ربما كانت لديه عائلة تنتظره.

ربما…لن تعرف أبدًا ماذا حدث له.

شعرت بوخزة حزن قصيرة، لكن صوت بلاك قطع أفكاري فجأة:

"أنصتوا جيدًا."

وفورًا…ركز الجميع أنظارهم نحوه.

لأننا جميعًا أدركنا شيئًا واحدًا.

في هذا المكان…قد تكون أي كلمة…هي الفرق بين الحياة والموت.

...

ثم قال بلاك ببرودٍ خالٍ من أي انفعال:

"العدد الذي يجب أن يُقصى من اللاعبين… هو نصفكم."

ساد صمتٌ ثقيل، كأن الكلمات لم تُفهم بعد، ثم أكمل، بنفس النبرة الهادئة:

"لذا… يجب أن يتبقى اثنان وخمسون شخصًا منكم فقط."

ماذا؟

في تلك اللحظة—

تجمّد الجميع.

لم يكن صمتًا عاديًا، بل صمتًا يشبه اللحظة التي يسبق فيها إدراك الكارثة.

اثنان وخمسون فقط.

بدأت الأرقام تتحرك ببطءٍ في رأسي… ثم استقرت الفكرة أخيرًا.

اثنان وخمسون سيبقون.

وهذا يعني—

اثنان وخمسون… سيموتون.

شعرتُ بأن أصابعي تنقبض دون وعي، شددت قبضتي بقوة حتى ابيضّت مفاصلي.

لكن بلاك لم يهتم بردود الفعل، تابع وكأنه يقرأ تعليماتٍ عادية:

"لذا… سأقول لكم القواعد هنا وبوضوح، قبل أن ننتقل إلى الغرفة الأولى التي ستلعبون فيها اللعبة الأولى."

ثم رفع إصبعًا واحدًا ببطء:

"القاعدة الأولى: يُمنَع محاولة الهروب."

توقف لحظة قصيرة:

"من يحاول فعل ذلك… سيُقصى."

همسة ساخرة مرت في رأسي.

حسنًا.

هذا واضح بالفعل.

فالجثة التي رأيناها قبل قليل… كانت كافية لتوضيح هذه القاعدة.

تحرك بلاك خطوة بطيئة، ثم أكمل بصوتٍ ثابت:

"القاعدة الثانية: ستكون هناك خمس ألعاب فقط."

ثم أضاف بنبرةٍ باردة:

"إذا مات العدد المطلوب من اللاعبين قبل الوصول إلى اللعبة الخامسة… فلا بأس."

توقفت الكلمات لحظة.

ثم قال ببساطة:

"سنخلي سبيلكم حينها أيضًا."

ارتجف بعض الناس.

البعض خفّض رأسه.

والبعض الآخر… لم يعد قادرًا حتى على إظهار رد فعل.

ثم قال بلاك:

"القاعدة الثالثة… والأخيرة."

رفع نظره نحو الحشد.

"يُمنَع تحدّي هوست."

كانت هذه المرة الأولى التي أشعر فيها بأن هذه الكلمة… تحمل وزنًا غريبًا.

هوست.

صاحب هذه اللعبة.

أو—

سيدها.

تقدم سترانج خطوة، وصوته خرج بعكس ما توقعت تمامًا، دافئاً، وخفيفاً.

كأنه يتحدث في حفلة… لا في إعلان موت جماعي.

قال بابتسامةٍ لا تُرى خلف قناعه:

"هذه هي القواعد."

ثم أضاف بلطفٍ مزعج:

"ومن يخالفها… سيُقصى."

بعده مباشرة جاء صوت لونولف، هادئ… عميق… كأنه يخرج من جرف واسع:

"بعد كل لعبة… سترتاحون هنا لمدة عشر دقائق."

عشر دقائق، استراحة بين الألعاب.

أو—

استراحة بين الموت والموت.

ثم قال ستار، بصوته الحاد قليلًا:

"أية أسئلة؟"

تبادل الناس النظرات، لكن لا أحد تجرأ، إلا شخصًا واحدًا.

رُفعت يد بين الحشد، التفتت بعض الرؤوس.

كان نوكس.

جلس، بثبات نسبي، رغم أن القلق كان واضحًا في عينيه.

قال بجرأة:

"قبل قليل… رأينا بلاك وستار ينتقلان آنياً."

توقف لحظة، ثم أكمل:

"هل هذا يعني أنه يمكن الحصول على نفس القدرة؟"

ساد صمت قصير.

نظر بلاك نحوه دون حركة، بضع ثوانٍ مرّت… ثقيلة، ثم قال ببرود:

"ليس من شأنك أن تعرف."

جملة قصيرة، لكنها كانت كافية لإغلاق الموضوع.

ثم أضاف:

"أي أسئلة ثانية؟"

صمت، لم يتحرك أحد، لم ترتفع يد، لم يُسمع صوت.

عندها قال بلاك ببساطة:

"إذاً… هيا."

ثم استدار.

"لنذهب إلى الغرفة الأولى للعب."

في تلك اللحظة—

بدأ الجميع ينهض من على الكراسي، صوت احتكاك الأرجل بالأرضية تردد في القاعة.

لم يكن هناك حماس، لم يكن هناك حديث.

فقط… حركة ثقيلة، كأن كل واحد منا يسير نحو مصيرٍ يعرفه لكنه لا يستطيع رفضه.

خرجنا من القاعة الرئيسية.

امتد أمامنا ممر طويل حيث سرنا فيه بصمت.

ثم بدأنا نصعد درجًا عريضًا يقود إلى الأعلى, كل خطوة كانت تتردد في المكان.

خطوة… ثم خطوة… وخطوة أخرى.

كأن المبنى كله يستمع.

استمر الصعود لدقائق حتى وصلنا أخيرًا.

توقف المقنّعون أمام بابٍ كبير.

فُتِح ودخلنا.

وفي اللحظة التي عبرت فيها العتبة—

توقفت قدماي.

الغرفة…كانت مختلفة تمامًا.

مختلفة إلى حدٍ جعل عقلي يرفض تصديق ما أراه.

كانت طفولية بشكلٍ مبالغٍ فيه.

الجدران مغطاة بألوان زاهية: الأزرق الفاتح، والأصفر الساطع، والأخضر الربيعي.

رسومات ضخمة تملأ المكان، سحب بيضاء مبتسمة.

شموس بوجوهٍ مرحة، أرانب تقفز.

دببة تحمل بالونات.

نجوم تضحك.

الأرضية كانت مغطاة بسجادٍ إسفنجي ملوّن، مقسم إلى مربعات حمراء وصفراء وزرقاء، مثل أرضيات حضانات الأطفال.

في الزوايا كانت هناك مكعبات لعب عملاقة.

زحاليق صغيرة، أحصنة هزازة.

حتى أن بعض الجدران كانت مزينة بملصقات لحيوانات كرتونية.

كل شيء—

كان يوحي بأن هذا المكان صُمم للأطفال.

لكن التناقض كان قاسيًا.

لأن الذين يقفون في هذه الغرفة… لم يكونوا أطفالًا.

كانوا مئة وأربعة شخصاً ينتظرون لعبة قد تقتلهم.

وسط الغرفة—

كان هناك شيء آخر.

صفوف من القطارات الصغيرة.

قطارات ألعاب.

كانت ثلاثة عشر قطارًا.

كل واحد منها مطلي بألوان زاهية: الأحمر، الأزرق، الأصفر.

مقدمة كل قطار كانت على شكل وجهٍ كرتوني مبتسم.

خلفها عربات صغيرة متصلة.

عدت بعيني بسرعة.

كل قطار يحتوي على ثماني خانات للجلوس.

ثمانية مقاعد صغيرة… متقابلة، كأنها لعبة قطار في مدينة ملاهٍ.

شعرت بقشعريرة تزحف على ظهري.

تقدم المقنّعون قليلًا، ثم توقفوا.

التفت بلاك نحونا ببطء وقال بصوتٍ بارد:

"إذاً…"

توقفت أنفاس كثيرة في الغرفة.

ثم أكمل:

"هنا… سنبدأ اللعبة الأولى."

2026/03/09 · 8 مشاهدة · 1501 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026