(ملاحظة: قد يكون هذا الفصل مخيفاً للبعض، وقد يسبب بعض الصدمات النفسية، لذا يُرجى الحذر عند القراءة )
...
ارتعشت يد الفتاة الشقراء وهي تتناول الورقة من يد بلاك.
كانت أصابعها ترتجف ارتجافًا لا إراديًا، كأن تيارًا باردًا يسري في عروقها.
ترددت لحظة، ثم فتحت الورقة ببطءٍ شديد.
حدقتْ في السطور المكتوبة داخلها، عيناها تتسعان بذهولٍ ثم بتفكيرٍ مضطرب.
بدت الكلمات أمامها وكأنها ليست مجرد حروفٍ مكتوبة، بل عبءٌ ثقيل، عبءٌ يحمل وزن ثمانية أرواح.
مرت لحظة صامتة.
ثم...
مالت على اللاعب الثاني، وهمست في أذنه بكلماتٍ خافتة.
ظهرت علامات التوتر على وجه اللاعب الثاني فوراً، بلع ريقه بصعوبة.
نظر حوله بتوجس، ثم قام بالهمس بدوره للاعب الثالث.
وهكذا...
انتقلت الجملة عبر سلسلة الأجساد، من أذنٍ لأخرى، كتيارٍ كهربائي يسري في العظام المتوترة.
كل لاعب يتلقى الكلمة، تتجمد ملامحه، تضيق عيناه، تنخفض أنفاسه.
ثم يمررها بحذرٍ شديد إلى الشخص الذي يليه، وكأنه يحمل شيئًا هشًا قد يتحطم إن أخطأ.
ساد صمتٌ مطبق...لم يكن هناك صوتٌ تقريبًا...
صمتٌ ثقيل... كأن الغرفة نفسها تحبس أنفاسها.
حتى-
وصلت الجملة إلى اللاعب الأخير.
الرجل ذو الشعر الأحمر.
كان يجلس في المقعد الأخير من القطار، كتفيه مشدودتان، وظهره مستقيم كأن عصا صلبة تثبته في مكانه.
مال اللاعب الذي قبله نحوه...وهمس في أذنه.
بقي الرجل ذو الشعر الأحمر صامتًا.
عقد حاجبيه ببطء، وظهرت على وجهه ملامح تركيزٍ حاد.
ضاقت عيناه قليلًا، وكأن عقله يعيد ترتيب الكلمات داخله مرةً تلو الأخرى.
في تلك اللحظة...
صمت بلاك.
وقف هناك، يراقبهم بنظراتٍ باردة كالجليد، عيناه تخترقان الجميع دون أي أثرٍ للشفقة.
ثم قال أخيرًا بصوتٍ ميت، خالٍ من أي إحساس:
"إذًا..."
توقف لحظة قصيرة، ثم أكمل:
"ما هي الجملة؟"
ساد الصمت.
رفع الرجل ذو الشعر الأحمر رأسه ببطء، لكن الكلمات لم تخرج فورًا.
بقي صامتًا لحظة...لحظة بدت أطول من الزمن نفسه.
عصر عينيه بقوة، كأن عقله يحاول أن يمسك بالجملة قبل أن تفلت منه.
ثم قال أخيرًا، بصوتٍ متقطع يرتجف خوفًا:
"الـ... الجملة... هي..."
توقف.
ارتجف صوته.
"الحلم... يبتلع الإنسان."
توقفت الأنفاس، لم يتحرك أحد، لم يتكلم أحد.
حتى الهواء بدا وكأنه تجمد في مكانه.
نظر بلاك إليه طويلًا.
طويلًا جدًا دون أن ينطق بكلمة واحدة.
الرجل ذو الشعر الأحمر حبس أنفاسه، وصدره يعلو ويهبط ببطءٍ متوتر.
كنا جميعًا ننتظر الحكم.
الموت...أو النجاة.
ثم قال بلاك أخيرًا، بنبرة باردة لا تطاق:
"الجملة صحيحة."
للحظة...لم يستوعب أحد الكلمات.
ثم-
انفجرت المجموعة الأولى، لكن لم يكن ذلك بكاء حزن.
كان انفجارًا هستيريًا من المشاعر.
صرخات عالية، بكاء، ضحك متقطع، أنفاس مختنقة.
كان مزيجًا فوضويًا من الفرح الهائل... والارتياح العنيف... وتفريغ ضغطٍ كاد أن يمزق أرواحهم.
انهار أحدهم على المقعد وهو يبكي بحرقة.
آخر بدأ يضحك ضحكةً هستيرية وهو يمسح دموعه بيديه المرتجفتين.
بعضهم وضع رأسه بين يديه وكأنه نجا من الموت بأعجوبة.
أما أنا...
فلم أعلم بماذا شعرت.
ربما ارتياحٌ غامض.
ربما فرحة مبهمة لأن الموت لم يضرب بعد.
لكن في أعماقي... ظل القلق ينهشني بصمت.
فدوري...ما زال ينتظر في طوابير الرعب.
لم يهتم بلاك بكل تلك الفوضى.
استدار ببساطة، وبدأ يسير بخطواتٍ ثابتة نحو القطار الثاني.
خطواته كانت هادئة... بطيئة... لكنها تحمل ثقل حكمٍ جديد.
نظرت إلى المجموعة الثانية.
كانت تتكون من:
رجل ذو شعر أسود طويل يتدلى حتى كتفيه، ورجل ذو شعر بني قصير، وشخص بعينٍ زرقاء غامضة، وآخر ذو شعر داكن قصير.
ثم فتاة ذات شعر بني طويل، وأخرى ذات شعر أسود مربوط بظفيرة أنيقة، ورجل نحيف.
وفي المقعد الأخير...
امرأة تبدو في الأربعينيات من عمرها، ملامح التعب مرسومة بوضوح على وجهها.
وقف بلاك أمامهم.
ثم مد يده ببرود، وأعطى الورقة للرجل ذي الشعر الأسود الطويل.
كانت يد الرجل ترتجف بوضوح.
تردد.
ظل يحدق في الورقة لحظة، وكأن فتحها قد يطلق مصيره.
ثم أخيرًا...فتحها.
تحركت عيناه عبر الكلمات المكتوبة.
ثم مال نحو اللاعب الثاني وهمس.
انتقلت الجملة مجددًا...من أذنٍ إلى أخرى...من نفسٍ مرتجفة إلى نفسٍ أكثر ارتجافًا.
حتى وصلت إلى المقعد الأخير.
إلى المرأة الأربعينية.
رفعت رأسها بثبات مفاجئ، ونظرت إلى بلاك مباشرة.
ثم قالت دون تردد:
"الجملة هي..."
توقفت لحظة، ثم أكملت بثقة:
"الاكتئاب محزن."
ساد الصمت، نظر بلاك إليها لحظة، ثم قال ببرودٍ كالثلج:
"الجملة صحيحة."
تسللت الابتسامات فورًا إلى وجوه أفراد الفريق، ارتخت أكتافهم، تنفس بعضهم الصعداء.
لكن فرحتهم...لم تدم أكثر من ثانية.
قال بلاك فجأة-
بصوتٍ قاطع كحد السكين:
"لكنكم... سَتُقصَون."
تسمرت المجموعة الثانية في مكانها.
الابتسامات تبخرت من وجوههم، وتحولت إلى صدمةٍ مميتة.
ماذا؟ لماذا؟
وفجأة-
اندفع الشاب ذو الشعر البني القصير من مقعده، صوته يتهدج بالخوف والذهول:
"ماذا؟! لماذا؟! ألم تقل للتو أن الجملة صحيحة؟!"
ثم صرخت الفتاة ذات الشعر الأسود، ظفيرتها تتطاير مع حركتها الهستيرية:
"هذا غير عادل! هذا ظلم!"
توالت الصرخات، وتصاعدت التوسلات، تحولت القاعة إلى فوضى من أصوات البشر المتشبثين بالحياة.
"نعم! هذا ظلم!"
"صحيح! هذا غير عادل!"
"أجل! لماذا تقول أننا سَنُقصَى؟!"
فقال لونولف-
بصوتٍ عميق وقاطع، اخترق الضجيج:
"هدوء."
صمتوا فوراً.
صمتٌ فرضه الخوف، صمتٌ ممزوج بالذعر.
فقال بلاك، وصوته كالجلمود:
"أنتم مقصيون... وذلك لأن عضواً من فريقكم قد غش."
غش؟
لقد قام أحدهم بالغش؟
أكمل بلاك قائلاً:
"ذلك الأول هو الذي غش."
ثم-
مد يده وأشار نحوه:
"صاحب الشعر الأسود الطويل."
كانت الكلمة تتردد في ذهني، بينما النظرات في القطار الثاني تحولت نحو الرجل ذي الشعر الأسود الطويل.
تسمرت المجموعة الثانية، لم يتحرك أحد منهم، فقط نظراتهم تحولت من الصدمة إلى حقدٍ أسود، واستياءٍ عميق تجاه الرجل.
أما صاحب الشعر الأسود الطويل، فقد تراجع للخلف في مقعده، ملامحه فارغة، ارتباكه يظهر في رعشة يديه.
فجأة-
بدأت الفتاة ذات الشعر الأسود بالبكاء بصوتٍ عالٍ، صرخت برجاءٍ يائس:
"ر-رجاءً... أ-أنا ل-لم أفعل ش-شيئاً... و-ولم أكن أعلم بأي شيء... رجاءً ا-ارحمني!"
تبعها الآخرون في بكاءٍ جماعي، محاولين التنصل من مصيرهم.
"صحيح، أنا أيضاً لم أكن أعلم!"
"أ-أجل... لم أكن أعلم أنا أيضاً!"
"وأنا كذلك!"
ثم-
تحولت توسلاتهم إلى اتهاماتٍ شرسة:
"إن كنت ستقصي أحداً، فاقصِ صاحب الشعر الأسود! هو السبب!"
صرخ صاحب الشعر الأسود بغضبٍ هستيري، ووجهه مشوه:
"بعد كل ما فعلته لأجلكم، تحاولون التضحية بي؟ لقد غششت من أجلكم!"
"من قال لك أن تغش؟!"
"لم يطلب أحد منك ذلك من المقام الأول!"
"مت! مت! مت! مت بدلاً منا! أنت السبب!"
صرخ صاحب الشعر الأسود بصوتٍ عالٍ:
"اخرسوا!"
ثم ضحك الرجل فجأة.
ضحكة مجنونة، وهو يمسك رأسه بيديه:
"هاهاهاهاها..."
ثم قال بعينين فارغتين:
إن كنت سأموت على أية حال...فلن أموت وحدي."
أكمل بضحكةٍ خالية من أي جنون:
"ستموتون معي أنتم أيضاً!"
وفجأة-
"كلاب."
صفق بلاك بيديه تصفيقاً حاداً، صوته اخترق القاعة بقوةٍ مخيفة، قاطعاً كل الأصوات:
"حسناً... هل هذه هي آخر كلماتكم؟"
سرت قشعريرة باردة في جسدي.
يا لبروده المروع.
أناسٌ يصارعون للبقاء، وحياتهم تتدلى من خيط رفيع، وهو ينظر إليهم وكأنهم مجرد ألعابٍ مكسورة.
...
تصاعدت صرخات اللاعبين في المجموعة الثانية، تداخل البكاء مع التوسلات والخوف:
"لا لا لا لا لا! اقتل صاحب الشعر الأسود فهو السبب!"
"نعم! اقتله هو!"
"ارحمني أنا على الأقل!"
"لا، بل ارحمني أنا!"
"سأفعل أي شيء! أي شيء!"
لكن-
بلاك قاطعهم ببرودٍ مطلق:
"القواعد هي القواعد. لقد غش واحد منكم... لذا خسرتم."
ثم توجه نحو صاحب الشعر الأسود الطويل، الذي كان يقف أمام مقعده، ثم قال له:
"أية كلمات أخيرة؟"
ابتسم صاحب الشعر الأسود ابتسامة تعجرفٍ ممزوجة برعشةٍ لا يمكن إخفاؤها.
قال بصوتٍ واهن، بالكاد يسمع:
"تـ بـ اً لـ ك"
وبدون أي مقدمات-
جاءت شرارة صفراء من يد ستار.
اخترقت جبهة صاحب الشعر الأسود بدقةٍ جراحية.
انفتح ثقبٌ صغير، وامتلأت الجبهة بالدماء، التي بدأت تسيل على وجهه.
انطفأت عيناه، فارغتين، بلا حياة.
ثم قال ستار بصوتٍ هادئ كأنما ينهي مهمة روتينية:
"تم الإنقاذ."
خفتُ.
كدتُ أستفرغ مجدداً، شعرتُ وكأن أمعائي ستخرج من معدتي من شدة الرعب.
لكنني تماسكتُ بصعوبة.
أغلب الفرق الأخرى كانت في حالٍ لا يختلف عن حالي، وجوهٌ شاحبة، أجسادٌ ترتجف.
البعض هلع، لكنهم ظلوا جاثمين في مقاعدهم، وكأن قوةً خفية تثبتهم.
بينما المجموعة الثانية... انفجرت بالصراخ.
أحدهم بدأ بالبكاء الهستيري، دموعه تختلط بدماء رفيقه.
آخر اندفع نحو الباب الحديدي المغلق، يضرب بقبضته بقوةٍ يائسة، محاولاً الهروب من هذا العذاب.
وثالثٌ انتابته حالةٌ نفسية، يضحك ويهذي بكلماتٍ غير مفهومة.
فقال بلاك بصوتٍ خالٍ من الرحمة، يوجه كلامه لستار:
"أنهِ الأمر، ستار."
عندها-
أطلق ستار شعاعاً أصفر قاتلاً من يده نحو جبهة كل واحدٍ من المجموعة الثانية.
واحداً...
واحداً.
دون رحمة.
دون شفقة.
حتى اختفى الصراخ تدريجياً، وحلت محله أنفاس الموت.
كانت جثثهم مرمية في كل مكان، داخل وخارج القطار الأصفر.
مشهدٌ دموي، وكأن مجزرةً حقيقية قد وقعت.
وجباه كل واحد منهم كانت مليئة بالدماء، عيونهم شاخصة في الفراغ.
لم أستطع الخروج من وقْع تلك الصدمة.. في الحقيقة، لم أشعر أنني في تلك الغرفة أصلاً.
كان العالم من حولي قد بدأ يضيق.
واللون الأصفر الفاقع للقطار بدأ يمتزج باللون الأحمر الذي غطى المقاعد، ليصنع مشهداً مشوهاً يطوف أمام عيني.
أحسستُ ببرودةٍ مفاجئة تسري في أطرافي.
برودةٌ لم تكن من هواء الغرفة.
بل من دمي الذي انسحب فجأة نحو قلبي ليحمي أعضائي الحيوية..
حاولتُ التماسك بصعوبة بالغة، أضغط على أسناني، أتشبث بوعيي كي لا أنهار أو يغمى عليّ من بشاعة المنظر.
حاولتُ أن أبلع ريقي، لكن حلقي كان جافاً كصحراء قاحلة.
وكأن غصةً صلبة استقرت في بلعومي ترفض التزحزح.
سمعتُ طنيناً حاداً في أذني، طنينٌ حجب أصوات البكاء البعيدة، وجعل صوت بلاك يبدو وكأنه آتٍ من تحت الماء.
لكن-
الجو قد تغير.
الآن، كل مجموعة كانت ترتجف.
خائفة.
مرتبكة.
وهنا-
أدركتُ الحقيقة الكاملة:
أي خطأٍ واحد...
هو موتٌ حتمي، وفناءٌ جماعي.
...
لم أستطع الخروج من غسق تلك الصدمة بعد.
كان مشهد الدماء ما يزال يرقص أمام عيني ككابوسٍ يأبى الانجلاء.
لكن، فجأة... تذكرتُ ليانا.
التفتُّ إليها بسرعةٍ جنونية، كان قلبي يقرع طبول الذعر.
رأيت ميليسا.. كانت تحتضن رأس الصغيرة بجنون.
كفيها يرتجفان فوق أذني وعينيّ ليانا لدرجة أنني رأيت بياض مفاصلهما، ترتجف محاولةً التماسك بصعوبة.
تهمس بكلماتٍ غير مفهومة، ربما كانت تحاول إقناع نفسها بأن ما تراه ليس حقيقياً.
محاولةً جاهدة لكيّ تشيد جداراً من الوهم يحمي الطفلة من وحشية الواقع.
أما ليانا.. فقد كانت تقبع في تلك الحيرة الصامتة.
لم تصرخ، لم تبكِ، لكن نظراتها كانت تائهة، وكأنها تدرك أن الهواء حولها قد تلوث برائحة الموت.
تحولتُ بنظري نحو فيسبر.
كانت ملامحه لوحةً من الذهول المطلق، وكأن روحه قد غادرت جسده وتركته غلافاً خاوياً.
همستُ له، وصوتي خرج مرتجفاً، محاولاً اختراق حصونه الدفاعية:
"أ-أوي.. ف-فيسبر!"
لم يجب.
كان بؤبؤ عينه يتراقص بجنون.
مددتُ يدي المرتجفة وأمسكتُ بكتفه، شعرتُ بصلابة عضلاته المتشنجة.
ثم-
انتفض.
والتفت إليّ بارتباكٍ فاضح:
"هاه؟"
قلتُ له، محاولاً استعادة رباطة جأشي ومواساته في آنٍ واحد:
"ك-كان من المتوقع أن ي-يسقط الكثيرون.. ا-ارفع رأسك، لا تدع الرعب يب-بتلعك."
لكنه لم ينطق ببنت شفة، ظل يحدق في الفراغ.
هنا، لم أجد بداً من القسوة، قلتُ له بلهجةٍ آمرة:
"هل تريد أن نلقى حتفنا جميعاً بسببك؟!"
كأن كلماتي كانت صفعةً أعادته إلى أرض الواقع.
ردّ بسرعةٍ وجلة:
"ل-لا.. لا، بالطبع لا!"
"إذاً.. عُد لرشدك، فوراً."
بلع ريقه بصعوبةٍ بالغة، وأدار ظهره ليواجه قدره مجدداً.
تنفستُ بعمق، لكن الهواء كان ثقيلاً، مشبعاً برائحة المعدن...
رائحة الدماء التي بدأت تفوح في الأرجاء.
أغمضتُ عيني لثانية، فظهرت لي صورة عائلتي.
أمي وهي تضع الطعام...أخي وهو يضحك...
شعرتُ برغبةٍ عارمة في الصراخ، في الركض نحو الباب وتحطيمه بأظافري حتى تدمى.
لكنني كنتُ مشلولاً.
مسمراً في ذلك المقعد البلاستيكي، أنتظر دوري كخروفٍ في مسلخٍ أنيق.
لحظاتٌ فحسب... وسيحين دورنا.
ما زلتُ غير قادرٍ على تصديق أن الفارق بيني وبين تلك الجثث هو "همسة" واحدة.
هل هذه هي النهاية؟
هل سأتحول إلى مجرد جثةٍ أخرى تُنظف من على هذا السجاد الملون؟
لكنني لم أودع عائلتي بعد... لم أقل لهم كل ما يجب أن يُقال.
تنفستُ بعمق، محاولاً كبح جماح دقات قلبي المتسارعة.
أهدأ يا نيلوت...لا تتقيأ...لا تنهار، نعم...اهدأ.. كل شيء سيكون بخير.
وفجأة-
قاطع حبل أفكاري المضطربة حركة بلاك.
بدأ بالانتقال آنياً، يختفي ويظهر كشبحٍ أسود، حاملاً جثث الضحايا إلى مكانٍ مجهول، بعيداً عن أنظارنا.
مرت دقائق ثقيلة كأنها دهور، حتى عاد ووقف في منتصف القاعة.
قال بهدوءٍ مخيف، كأنه يتحدث عن تنظيف غبارٍ عابر:
"لقد تم التنظيف."
كانت الغرفة كلها تحاول استيعاب ما حصل قبل قليل، بعضهم يرتجف محدقاً في الفراغ، وبعضهم يبكي بصوتٍ خافت...
والآخر...كان يحاول التماسك رغم الخوف.
بعدها، تقدم مليغنانت بخطواته الراقصة نحو المجموعة الثالثة.
مدّ يده بالورقة الجديدة، وقال بنبرةٍ مرحة لا تناسب الجنائز:
"أتمنى لكم النجاح~"
النجاح؟
أيمزح هذا المختل؟
أي نجاحٍ يرجوه لهم وسط هذا الرعب؟
شعرتُ برغبةٍ في الضحك الهستيري.
إن نجحوا في هذه الجولة...فهم نجحوا في تأجيل موتهم لعشر دقائق أخرى...
هذا هو النجاح الوحيد هنا.
ومن ثم-
بدأ الفريق الثالث بتبادل الهمس، كانت أجسادهم ترتجف، وخوفهم مما حدث قبل قليل كان واضحاً في كل حركة.
لكنهم استمروا، حتى وصل الدور للاعب الأخير.
قال بصوتٍ واهن وضعيف:
"الجملة هي..
صمت قليلاً بإرتجاف، صمتٌ بدا وكأنه قرون وسط هذا الرعب، ثم قال:
"...لا بأس."
جاء صوت مليغنانت بمرح:
"صحيح!"
تنفستُ الصعداء لنجاتهم، لكن الفرحة لم تدم.. فقد جاء دور الفريق الرابع.
الفريق الذي يضم رفاقنا...النصف الآخر من مجموعتنا.
كنتُ على أعصابي، يدي تقبض على حافة المقعد حتى ابيضت مفاصلي.
رجاءً.. انجحوا.
تقدم سترانج بهدوئه المريب، وسلم الورقة لـ نوكس.
فتح الورقة وكانت يداه ثابتتين بشكلٍ يثير الريبة، ربما قد انفصل عن واقعه تماماً ليتمكن من القراءة.
لم يتردد نوكس؛ مال برأسه، وبدأ يهمس بالجملة في أذن ماركوس.
بدا ماركوس في حالةٍ يرثى لها.
صدره يعلو ويهبط بتسارعٍ جنوني.
وجلده شاحبٌ كالموت، قطرات العرق البارد تتجمع عند منبت شعره، تنزلق ببطءٍ لتشكل خطوطاً على وجهه المتوتر.
تجمد في مكانه للحظات، يصارع ارتعاشات جسده ليتحكم في مخارج حروفه، ثم همس بالجملة للذي يليه.
وصلت الكلمات إلى لوكسيان.
ذلك الرجل الذي كان يقطر غروراً وكبرياءً قبل دقائق.
بدا الآن كمن أُفرغت روحه من محتواها.
يبدو أن الصمت الذي أعقب إعدام الفريق الثاني قد مزق قناع الثقة الذي يرتديه، فأصبح وجهه قناعاً من الذهول.
صمت لوكسيان طويلاً، ارتجفت حنجرته وهو يبتلع ريقه بصعوبةٍ مسموعة، قبل أن يهمس بالجملة لـ كايرو.
أما كايرو.. فقد كانت عيناه تسبحان في بركةٍ من الدموع المحتبسة.
ليس حزناً.
بل ذعراً.
محطماً من المشهد الدموي الذي شهدته عيناه قبل قليل.
يداه ترتجفان، لكنه تماسك بقسوةٍ على أعصابه، ليتمكن من تمرير الهمس إلى كالستير.
كان هادئاً ببرودٍ يثير الريبة.
نظراته ثابتة.
وعيناه لا ترمشان.
وكأن عتبة الألم لديه قد تجاوزت حدود البشر.
وكأنه عبر جسر الموت مراراً حتى صار الرحيل بالنسبة له أمراً اعتيادياً، لا يستحق كل هذا الضجيج العصبي.
ثم-
همس ببساطةٍ شديدة لـ زايروس.
الذي كانت أنفاسه تخرج كأنها شهيقٌ مكتوم.
يرتجف بجسدٍ كامل، وكأن برودة المكان قد نخرت عظامه.
انتظر لحظةً طويلةً جداً.
يحاول فيها إيقاف اضطراب دقات قلبه.
حتى-
استعاد توازنه الهش، وهمس لـ تيروس.
...
تيروس، الذي بدا في تلك اللحظة وكأنه في عالمٍ آخر..
منهكاً عقلياً لدرجةٍ جعلت عينيه تزيغان في الفراغ.
لم يكن حاضراً بالكامل.
وكأن الصدمة قد قامت بـ فصل اتصاله عن الواقع.
مرت لحظاتٍ طويلة من الصمت الثقيل.
حتى التقط الخيط، وهمس للجملة لآخرِهم.. ريغان.
ريغان، الذي أصبح شبيهاً بالجبل في مهب الريح في هذه اللحظة.
رغم أن العرق غطا جبينه وسال إلى حاجبيه.
ورغم أن قلبه كان يقرع داخل قفصه الصدري كطبول حربٍ خاسرة.
إلا أنه مازال ثابتاً.
صمت الجميع.
توقف العالم.
كان بإمكاني سماع صرير المقاعد البلاستيكية، ورائحة الدم التي ما زالت عالقة في ثنايا الهواء.
وأزيز الطنين الذي لا يغادر رأسي.
رغم ذلك تماسكت.
لا تخذلني يا ريغان... أرجوك، انطقها صحيحة!
ثم-
نطق ريغان أخيراً بصوتٍ جهوري:
"الجملة هي.. عالم جميل."
هنا...
لم يتحدث سترانج.
صمت صمتاً جعلني أسمع رنين أذني.
لماذا هو صامت؟
لماذا لا يقول شيئاً؟
لا تخبرني.. لا تخبرني أن تلك الجملة خاطئة!
لا تخبرني أننا فقدنا نصفنا الآخر.. الآن!
لأنني إن حصل هذا...
سأُجَن حقاً.