(ملاحظة: قد يكون هذا الفصل مخيفاً للبعض، وقد يسبب بعض الصدمات النفسية، لذا يُرجى الحذر عند القراءة )
......
ساد صمتٌ مطبق.
ليس ذلك الصمت العادي الذي يملأ الغرف حين ينتهي الحديث…
بل صمتٌ كثيف، ثقيل، خانق… صمتٌ بدا وكأنه كائنٌ حيّ، يتسلل بيننا، يزحف فوق صدورنا، ويغرس مخالبه في أرواحنا.
كنت أشعر به حرفيًا وهو ينهش جدران روحي.
كانت عينا سترانج خلف قناعه البارد تلمعان كوميضٍ غامض، ثابتتين على وجه ريغان.
لم يكن مجرد نظر… بل كان أشبه بمحاكمةٍ صامتة.
وكأن ذلك الكائن يزن الرجل أمامه في ميزانٍ خفي… ميزانٍ مصنوع من ذهبٍ ودم.
لم يتحرك أحد.
لم يتنفس أحد تقريبًا.
حتى الهواء بدا وكأنه توقف احترامًا لتلك اللحظة.
ثم—
تحركت شفتا سترانج ببطءٍ مرعب، بآلية باردة تشبه حركة دميةٍ خالية من الروح.
وقال:
"الجملة… صحيحة."
في تلك اللحظة—
شعرتُ وكأن جبلاً كاملاً قد انزاح عن صدري دفعةً واحدة.
انفجرت رئتاي بشهيقٍ عميقٍ طويل، شهيقٍ أحرق صدري من شدته، وكأنني كنت غارقًا تحت الماء طوال تلك الدقائق وخرجت للتو إلى السطح.
أما الفريق الرابع…
فقد كان مشهدهم أشبه بانهيار سدٍ كامل من المشاعر.
انهار ماركوس أولاً.
سقط على ركبتيه فوق أرضية القطار المعدنية، ثم ألقى بجسده للأمام كمن انقطعت خيوط دميته.
وبجانبه مباشرةً… انهار كايرو.
ارتطمت جبهته بالأرض، وانفجر في بكاءٍ هستيريٍّ عنيف.
بكاء رجلٍ رأى الموت يمد يده نحوه… ثم يتراجع في اللحظة الأخيرة.
كان بكاءً فوضويًا…
مخنوقًا…
ممتلئًا بالنجاة والخوف في آنٍ واحد.
أما بقية أعضاء الفريق…
فلم يبكوا.
لم يصرخوا.
بل غرقوا في صمتٍ مذهول.
عيونٌ مفتوحة على اتساعها…
صدورٌ ترتفع وتهبط ببطء…
ووجوهٌ شاحبة كأن أصحابها عادوا لتوهم من القبر.
لكن…
الوحوش لا تمنح ضحاياها وقتًا كافيًا للسكينة.
تقدم بلاك.
خطوة.
ثم أخرى.
كانت خطواته بطيئة… ثقيلة… ومنتظمة… كدقات ساعة تعدّ اللحظات الأخيرة قبل الإعدام.
وكل خطوة كان يخطوها ترتطم في صدري كالمطرقة.
اتجه نحونا.
نحو الفريق الخامس.
نحوي أنا.
خفق قلبي خفقةً عنيفة كادت تكسر ضلوعي من الداخل.
ها هو ذا…
دورنا.
الآن سيُوضع عنقي تحت المقصلة.
توقف بلاك أمامنا.
ثم تحرك ببطء نحو سيريون.
سيريون…
ذلك الرجل الذي بدا دائمًا وكأنه صُبَّ من معدنٍ بارد.
لم يرتجف.
لم يطرف له جفن.
لم يتغير إيقاع أنفاسه.
كان واقفًا هناك بثباتٍ غريب… كأن الرعب الذي يلتهمنا جميعًا قد كُسر عند قدميه.
مد بلاك الورقة.
تناولها سيريون بهدوءٍ محسوب، وكأنها مجرد ورقة عادية… لا حكم حياة أو موت.
قرأها بصمت.
لم تتغير ملامحه.
ثم انحنى قليلًا نحو الطبيب فيلور.
والذي رغم القطار المليء بالموت من حوله…
ظل محافظًا على رباطة جأشه.
ربما…
ربما لأنه قضى حياته في غرف العمليات… وهو يرى الموت كل يوم… فأصبح قلبه أقل ارتجافًا.
اقترب سيريون وهمس.
مال فيلور قليلاً وأصغى.
ثم انتقلت الهمسة إلى روزي.
كانت روزي…
حطامًا بشريًا.
دموعها تنهمر بلا توقف، تبلل وجنتيها بالكامل.
أنفاسها متقطعة… خارجة من صدرها كحشرجة ذبيحٍ يحتضر.
لكن رغم ذلك…
استجمعت شتات نفسها.
اقتربت من ميليسا وهمست لها بالجملة.
في تلك اللحظة بدت ميليسا وكأنها تجسيد للأمومة في أكثر صورها يأسًا. تجلس على المقعد، وتحتضن ليانا بقوة.
يداها المرتجفتان تضغطان على عيني الطفلة وأذنيها.
وكأنها تحاول بناء جدارٍ وهمي يحميها من هذا الرعب.
من الدم.
من الحقيقة.
رفعت ميليسا رأسها ببطء وهمست في أذن ليانا.
ثم…
حان دوري.
رفعت ليانا رأسها.
عيناها الصغيرتان كانتا لامعتين ببراءةٍ لا تدرك فداحة ما يجري.
اقتربت مني.
ثم همست في أذني بمرحٍ طفوليٍ غريب:
"غاز… كثيف."
تجمد الدم في عروقي.
غاز… كثيف؟
هل هذه هي الجملة حقًا؟
أم أن أذن ليانا قد خانتها؟
شعرت ببرودةٍ جليدية تزحف عبر أطرافي، داهمتني رغبةٌ عارمة في الصراخ، لكن صوتي ظل حبيس صدري.
بلعت ريقي بصعوبة.
حلقي كان جافًا كالصحراء.
لكنني ملت ببطء نحو فيسبر.
كان العرق يتصبب من جبينه بغزارة.
عيناه زائغتين كعينَي حيوانٍ محاصر.
لكن…
في اللحظة الأخيرة…تماسك.
انحنى نحوي واستمع.
ومن ثم همس لصاحب العمل، الذي بدا متماسكاً رغم كل شيء.
ثم جاء بلاك ووقف أمامه، تمامًا كروبوت آلي، وسأله بصوته البارد:
"ما هي الجملة؟"
تجمد المكان.
تنفس صاحب العمل ببطء، ثم قال بصوتٍ متهدج لكنه واضح:
"الجملة هي… غاز كثيف."
في تلك الثواني…توقف الزمن، مر شريط حياتي أمام عيني.
وجه أمي وأبي.
ضحكات أخي وأختي.
الأيام التي ظننتها عادية… والتي تمنيت لو أعيشها مرة أخرى.
أغمضت عيني بقوة.
انتظرت الشرارة.
انتظرت الألم.
انتظرت النهاية.
لكن—
جاء الصوت.
باردًا.
قاطعًا.
"الجملة… صحيحة."
فتحت عيني.
العالم كان ضبابيًا، لم أدرك في البداية أن الدموع قد غمرت وجهي.
لقد نجونا.
لقد نجونا حقاً!
لقد عبرنا فوق جسر الموت.
بكت روزي بصوتٍ مرتفع.
وانهارت ميليسا في نحيبٍ مرير وهي تحتضن ليانا.
أما سيريون وفيلور وصاحب العمل…فاكتفوا بابتساماتٍ صغيرة، شاحبة، مرهقة… ابتسامات ناجين.
لكن تلك النجاة…لم تكن سوى بداية الكابوس.
بدأ المشهد يتكرر، فريق بعد فريق، كأننا نشاهد كابوسًا يعيد نفسه بلا نهاية.
تقدم لونولف نحو الفريق السادس، وانتقلت الهمسات بينهم.
ثم أعلن اللاعب الأخير:
"الجملة هي… خدعة الوهم."
صمت ثم:
"نجاح."
نجوا.
ثم الفريق السابع—
دموع… ارتجاف… أنفاس متقطعة.
"الجملة هي… بيت مكسور."
نجوا هم أيضًا.
الفريق الثامن—
"بروفيسور كئيب."
"نجاح."
الفريق التاسع —
"عدد كبير من الناس."
"نجاح."
الفريق العاشر.—
"الأرض الخضراء."
"نجاح."
الفريق الحادي عشر—
"إنسان واهم."
"نجاح."
الفريق الثاني عشر—
"غموض كبير."
"نجاح."
حتى…
وصل الدور إلى الفريق الأخير، الفريق الثالث عشر.
تقدم ستار.
كانت عيناه تلمعان كعينَي مفترسٍ وجد فريسته.
اللاعب الأول كان يرتجف لدرجة أن الورقة كادت تسقط من يده.
قرأ الجملة ثم همس.
وانتقلت الجملة…من شخصٍ إلى آخر…كعدوى مرعبة.
حتى وصلت إلى اللاعب الأخير.
كان صدره يعلو ويهبط بجنون.
عيناه حمراوان، وشفته ترتجف.
قال:
"الـ… الجملة هي… وطن… د-دفين."
ساد الصمت، صمت أثقل من الجبال.
نظر بلاك إليه، ثم قال ببرودٍ قاطع:
"الجملة غير صحيحة."
ارتجف اللاعب، لكن بلاك أكمل:
"الجملة الأصلية هي… وطن دافئ."
انفجرت الصرخات.
"أرجوك!"
"إنه مجرد خطأ!"
"لم نقصد!"
"ارحمنا!"
لكن بلاك لم ينظر إليهم حتى، التفت فقط إلى ستار.
وقال كلمتين:
"أنهِ الأمر."
في اللحظة التالية—
انطلقت الشرارات الصفراء.
واحدًا تلو الآخر…تحولت الصرخات إلى صمت.
سقطت الأجساد، وانطفأت العيون.
ثم—
تقدم بلاك إلى منتصف القاعة، وقف وسط الجثث.
لم يرمش.
لم يتغير وجهه.
وقال بصوتٍ اخترق سكون الموت:
"انتهت اللعبة الأولى."
كلماته…لم تكن إعلان نجاة، بل إعلان حقيقة مرعبة.
نحن…لم ننجُ بعد.
نحن فقط…
ننتظر اللعبة القادمة.
في هذا…
المسلخ الملون.
...
ثم—
بصوتٍ يقطر بروداً يضاهي صقيع القبور، نطق بلاك بالحكم النهائي:
"عدد اللاعبين المتبقي هو… ثمانية وثمانون شخصاً."
ثمانية وثمانون.
الرقم لم يكن مجرد رقم.
كان صاعقةً صامتة تضرب عقلي مراراً وتكراراً.
ثمانية… وثمانون.
تردد صداه في رأسي كجرس جنازةٍ لا يتوقف.
ببطءٍ مرعب بدأت الحقيقة تتشكل في ذهني.
ستة عشر.
ستة عشر فراغاً.
ستة عشر فجوةً سوداء تم اقتلاعها من هذا الجمع البشري قبل دقائق فقط.
ستة عشر إنساناً كانوا منذ لحظات يقفون هنا…
يتنفسون… يرتجفون… يحدقون في الأرض أو في السقف أو في وجوهنا المرتعبة، وكل منهم يتمسك بخيطٍ واهٍ من الأمل.
ربما كان لبعضهم أطفال ينتظرون عودتهم.
ربما كانت هناك أمٌ عجوز تجلس الآن قرب نافذةٍ ما…
تراقب الطريق كل مساء.
ربما كان بينهم من وعد زوجته بأنه سيعود.
ستة عشر روحاً…
سُحقت ببساطة تحت أقدام لعبةٍ عبثية اسمها الهمس.
قطع بلاك دوامة أفكاري السوداء بصوتٍ قاطع:
"قفوا."
توقف للحظة.
ثم أكمل ببرودٍ ميكانيكي:
"سنعود إلى القاعة الرئيسية الآن."
تحركنا.
لا… لم يكن مشياً بالمعنى الحقيقي.
بل كان زحفاً بطيئاً لأجسادٍ فقدت جزءاً من أرواحها.
تحركنا كالأشباح.
أجسادٌ متعبة… مكسورة… تقودها فقط تلك الغريزة البدائية التي اسمها البقاء.
كانت الصدمة ثقيلة.
ثقيلة لدرجة أن مجرد رفع القدم عن الأرض أصبح عملاً مرهقاً.
تبعنا المقنّعين الأربعة بصمتٍ خانق.
أما بلاك…فكان يتوارى ويظهر بيننا بطريقةٍ مرعبة.
لحظةً يكون في مقدمة الغرفة.
ولحظةً أخرى يختفي...ثم يظهر فجأة خلف مجموعةٍ من اللاعبين.
كظلٍ شيطاني لا يخضع لقوانين المكان.
وفي كل مرة يظهر فيها… كنت ألمح شيئاً أسوأ.
كان يحمل جثة.
جثةً تلو الأخرى.
يرفعها بيدٍ واحدة كما لو كانت مجرد دمى قماشية.
وينتقل آنياً بها.
إلى أين؟
لم أجرؤ على التفكير.
خمد الصراخ الذي ملأ الغرفة قبل دقائق، وحل مكانه صمتٌ ثقيل…
وأنينٌ خافت يخرج من صدور بعض اللاعبين.
خرجت من تلك الغرفة وعيناي معلقتان بالفراغ.
لم أكن أنظر إلى شيء محدد.
كنت أهيم في خواءٍ ذهنيٍ مطبق.
جزءٌ من عقلي كان يحاول عبثاً إقناعي بشيءٍ واحد:
هذا حلم.
نعم…
لابد أنه حلم.
مجرد كابوسٍ طويلٍ ومرعب.
لابد أنني سأستيقظ بعد لحظة.
سأفتح عيني في خيمتي، سأستنشق هواء الغابة البارد.
سأسمع حفيف الأشجار.
وسأدرك أن كل هذا الرعب… كل هذا الجنون… لم يكن سوى نتاج مخيلةٍ مريضة.
لكن الواقع…كان أكثر قسوة مما تخيلت.
كان يصفعني مع كل خطوة.
ملمس ملابسي المبللة بالعرق البارد، احتكاك حذائي بالسجاد الأحمر الطويل.
الصوت الرتيب لخطواتنا المتثاقلة.
كل ذلك كان دليلاً دامغاً.
أنا لم أستيقظ.
ما زلت هنا...
ما زلت سجيناً داخل هذا… المسلخ الملون.
...
وصلنا إلى القاعة الرئيسية.
انفتح الباب الكبير ببطء ودخلنا.
ارتد صدى خطواتنا في فضائها الواسع كصدى أرواحٍ محطمة.
جلس كل واحدٍ منا في مكانه، لكن لم يكن جلوساً عادياً.
كان أشبه بالجلوس فوق نصل سكين.
ارتميت على الكرسي بجانب فيسبر.
كان جسده ساكناً تماماً.
لكن عينيه…
عينيه كانتا تحكيان قصة الرعب التي شلت عقله.
كان يحدق أمامه بلا رمش.
كأن شيئاً ما انكسر داخله ولن يُصلح أبداً.
التفت أتفحص الوجوه من حولي.
رأيت سيريون ونوكس يجلسان بصمتٍ مهيب.
لم يتكلما.
لكن شيئاً ما كان واضحاً في عيونهما.
الحزن...
حزنٌ عميق… ثقيل… كحممٍ بركانيةٍ مكبوتة تحت طبقةٍ من الجليد.
أما كايرو وماركوس وتيروس…
فقد بدوا غارقين في شرودٍ ذهني عميق.
عيونهم معلقة في نقطةٍ بعيدة.
كأنهم يبحثون عن تفسيرٍ ما في الفراغ.
تفسيرٍ لكل هذا الجنون.
في الجهة الأخرى…
كان كالستير والطبيب فيلور وصاحب العمل وريغان يحاولون التماسك.
وجوههم بدت ثابتة.
لكن تلك الصلابة كانت… مصطنعة.
كنت أرى العاصفة خلف عيونهم.
كل واحدٍ منهم غارق في بحار أفكاره السوداء.
لكن المشهد الأكثر إيلاماً…كان على بعد بضعة مقاعد.
ميليسا وروزي.
كانتا تجلسان بجانب ليانا.
وكانتا… تبتسمان.
ابتسامات شاحبة.
ضحكات خافتة.
كانتا تلاعبان الطفلة الصغيرة.
تحاولان صنع عالمٍ صغير من الوهم حولها.
حصنٍ هشٍ من البراءة يحميها من رائحة الموت التي تملأ المكان.
لكنني كنت أعلم الحقيقة.
أعلم أنهما ليستا بخير...على الإطلاق.
بينما كانت ليانا تضحك ببراءة…
كانت تلك الضحكة تمزق شيئاً داخلي.
لأنها…هي الوحيدة هنا…
التي لا تدرك أن الموت كان على بعد همسة واحدة فقط منها.
لم يكن الجميع في الحالة نفسها.
زايروس ولوكسيان بدوا منهكين إلى حدٍ مرعب.
وجوههم شاحبة.
وعيونهم…كأن الضوء انطفأ فيها إلى الأبد.
أما مجموعة الرجل ذي الشعر الأخضر…فقد فقدت ما تبقى من الأمل.
كانوا متقوقعين على أنفسهم.
كأوراق خريفٍ محترقة سقطت من شجرةٍ ميتة.
لكن في الطرف الآخر من القاعة…
كان هناك مشهد مختلف.
الرجل ذو الشعر الأصفر الطويل.
كان يتحدث مع رفاقه.
يضحك.
يثرثر.
كأن شيئاً لم يحدث.
كأنه يشاهد عرضاً مسرحياً مسلياً لا أكثر.
ذلك البرود…كان مستفزاً بشكلٍ لا يوصف.
وفجأة—
اخترق الصمت صوتٌ بارد كالجليد:
"يبدو أن الأمر أثر بكم كثيراً."
تجمدت عضلات ظهري، ثم رفعت رأسي ببطء.
كان بلاك.
لم أشعر بقدومه.
متى ظهر هنا؟
لم أره يدخل.
لم أسمع خطواته.
لا…إنسى الأمر.
ربما انتقل آنياً، ربما كان واقفاً هنا منذ البداية ولم ألحظه.
في هذا المكان…لم يعد شيء مستحيلاً.
ثم—
أضاف بلاك بنبرةٍ خالية تماماً من الانفعال:
"لم أتوقع أن يكون الأمر صعباً عليكم لهذه الدرجة."
لم يتوقع؟
لم…
يتوقع؟!
اشتعل شيء حارق داخل صدري.
كادت صرخة جنون تنفجر من حنجرتي.
أي نوعٍ من المخلوقات يمكنه إبادة ستة عشر إنساناً أمام أعيننا…
ثم يقف بكل هدوء ويقول إنه لم يتوقع أن يكون الأمر صعباً علينا؟
لكن بلاك قاطع ثورتي الصامتة.
قال ببساطة:
"لذا… سنغير الخطة."
تقدم لونولف خطوة للأمام وقال بصرامة:
"سنمنحكم يوماً كاملاً للاستراحة."
ثم أضاف:
"استعيدوا وعيكم… وتوازنكم."
تحدث ستار بعده بنبرةٍ آلية باردة:
"سنوافيكم بالماء والطعام من حينٍ لآخر."
ثم جاء صوت مليغنانت المرح… المقزز:
"أما المرافق… فستجدونها في الجهة الشمالية من القاعة."
وأخيراً…
ختم بلاك الحديث بهدوءٍ مرعب:
"ارتاحوا جيداً."
ارتاحوا؟
كيف يمكن لإنسان أن يرتاح…وهو يرى طيف الموت يرقص أمام عينيه؟
بينما كانوا يستديرون للمغادرة…اندفع صوتي قبل أن أتمكن من منعه:
"لماذا؟!"
توقفوا.
تجمد الهواء في القاعة.
قلت بصوتٍ أعلى:
"لماذا تمنحوننا يوماً كاملاً للاستراحة؟!"
توقف بلاك.
ساد صمتٌ قصير، ثم استدار نحوي ببطء.
عيناه السوداوان ثبتتا عليّ، وقال بهدوءٍ قاتل:
"لن يكون هوست مستمتعاً بمشاهدة اللعبة الثانية… وأنتم في هذه الحالة الرثة."
ثم استدار وغادر.
أُغلق الباب الحديدي خلفهم بصريرٍ طويل، صريرٍ اخترق أعماقنا كأنه حكم إعدامٍ مؤجل.
تجمدت في مكاني.
هذا فقط؟
لهذا السبب فقط؟
لم يكن هناك شفقة.
لا تعاطف.
لا إنسانية.
فعلوا ذلك…فقط…لكي يستمتع هوست أكثر بالمشاهدة.
كنت أظن…
ربما…
ربما هناك ذرة إنسانية فيهم، ولو صغيرة.
لكن يبدو أن ذلك…شيءٌ غير موجود.
ليس في عالمهم، وليس في قاموسهم.
هنا…نحن لسنا بشراً.
نحن فقط…
عرضٌ حيّ للموت.