139 - أرواحٌ في قفصٍ مغلق

لم أكن قد استعَدتُ اتزاني بعد.

كان طيف أولئك السبعة عشر إنسانًا لا يزال عالقًا أمام عينيّ كصورٍ محترقةٍ على جدار الذاكرة.

قبل وقتٍ قصيرٍ جدًا — قبل دقائق فقط — كانوا يقفون معنا هنا، يبتسمون ببراءةٍ ساذجة، يتبادلون نكاتًا باهتة.

ويضحكون ضحكاتٍ متوترة وهم يحاولون إقناع أنفسهم بأن هذا الكابوس ليس سوى مزحةٍ ثقيلة الظل، أو خدعةٍ سخيفة من تدبير مجهول.

لكن الواقع…

كان أكثر قسوةً من أن يُحتمل.

الآن لم يبقَ منهم شيء.

اختفوا كما يختفي الدخان في الهواء، وكأنهم لم يكونوا هنا قط.

لم يعودوا بشرًا، ولا وجوهًا، ولا أصواتًا.

أصبحوا مجرد فراغٍ بارد… أرقامًا تُضاف بلا اكتراث إلى سجل الإبادة.

ساد الصمت في القاعة.

صمتٌ كثيف… خانق… مريب.

صمتٌ بدا وكأنه مادةٌ لزجة تتسلل إلى الرئتين، فتجعل التنفس مهمةً شاقة.

لم يجرؤ أحد على الكلام، وكأن أي كلمةٍ تُنطق ستكسر ذلك التوازن الهش الذي يمنعنا من الانهيار.

كانت الوجوه شاحبة، العيون زائغة، والأجساد جامدة كتماثيلٍ مهجورة.

ومع ذلك…

وسط هذا السكون الجنائزي، كان هناك نشازٌ فاضح يخرق المشهد.

فريق صاحب الشعر الأصفر الطويل.

كانوا يتبادلون الهمسات، يضحكون بخفة، ويتبادلون ابتساماتٍ باردة وكأنهم في نزهةٍ ربيعية لا في مسلخٍ بشري.

راقبتهم بذهولٍ صامت.

كيف يمكنهم أن يكونوا بخير؟

أي نوعٍ من البشر هؤلاء الذين لم يخدش الموت برودهم؟

أم أن ما يسكن صدورهم ليس قلوبًا أصلًا…؟

مرت الدقائق ببطءٍ معذب.

الدقيقة بدت كأنها ساعة، والساعة كأنها دهرٌ كامل.

الزمن نفسه بدا وكأنه فقد رغبته في الحركة، فبقي معلقًا معنا في تلك القاعة الكئيبة.

ساعة…

ثم أخرى…

والجميع غارقون في ذهولهم الثقيل.

وفجأة—

شق صوتٌ جهوري الصمت كصاعقةٍ عنيفة.

"أستبقون صامتين هكذا كالحجارة؟!"

ارتفعت رؤوسنا جميعًا دفعةً واحدة.

كان صاحب العمل.

وقف في مكانه بثباتٍ صلب، كتفيه مشدودتان وعيناه تقدحان عزيمةً لم أرَ مثلها منذ بداية هذا العذاب.

بدا حضوره وكأنه يدٌ قوية انتشلتنا من قاع اليأس.

قال بصوتٍ آمرٍ لا يقبل التردد:

"استعيدوا رشدكم! الصمت لن يعيد الموتى… والندم لن ينقذ الأحياء!"

ثم ضرب بقبضته على كف يده بقوة، فدوّى الصوت في القاعة.

"إن أردنا النجاة، فعلينا أن نقاتل!"

صمت لحظةً، ثم تابع ببطءٍ مشدد:

"والقتال… يبدأ من هنا."

وأشار إلى صدره.

"من داخلنا. لا تسمحوا لليأس أن يلتهم إرادتكم."

تحرك شيءٌ خامد في أعماقي.

كأن كلماته كانت صدمةً كهربائية أعادت تشغيل قلوبٍ توقفت عن النبض.

عقّب سيريون بنبرته الرزينة المعتادة:

"صاحب العمل محق… الوقوف هنا كالأشباح لن يغير شيئًا من واقعنا المرير."

وأضاف نوكس وهو يعدّل جلسته بجديةٍ واضحة:

"علينا أن نكف عن الغرق في الرثاء، ونبدأ بالتفكير… نحتاج إلى خطة."

أما ريغان، فقد حاول بطريقته المعتادة أن يكسر ثقل الجو، فقال مبتسمًا ابتسامةً جانبية:

"بالطبع! سنخرج من هذا المكان… وقبل أن نغادر، سأحرص شخصيًا على أن نلقّن أولئك المقنعين درسًا يجعلهم ينسون أسماءهم!"

ابتسمتُ في داخلي رغم كل شيء.

هؤلاء الرفاق…

هم الركيزة التي تسند ظهري كلما شعرت بأنني على وشك الانحناء.

اقتربتُ منهم وقلت بصدق:

"كلامكم صحيح… لن نمنحهم متعة رؤيتنا محطمين."

قال ماركوس وهو يمسح وجهه بيده:

"بصراحة… كنت منهارًا قبل قليل."

أكمل وأضاف بابتسامة:

"لكنني الآن أشعر وكأن بعض الضوء بدأ يعود إلى رأسي."

أما كايرو، فقد حكّ رأسه بخجلٍ واضح وقال:

"أنتم محقون… لا أصدق أنني بكيت بتلك الطريقة الهستيرية."

تمتم زايروس بصوتٍ منخفضٍ مشحون بالغضب:

"لقد تجاوزوا كل الحدود… ساديتهم فاقت كل تصور."

وقال فيسبر وهو يهز رأسه بذهول:

"لم أتوقع يومًا أن أرى قسوةً بهذا التجرد من الإنسانية."

بينما صاح تيروس بحماسٍ مشتعل:

"سألقنهم درسًا لن ينسوه أبدًا!"

أما لوكسيان، فعاد لغطرسته المعهودة لكن بنبرةٍ أكثر واقعية هذه المرة:

"سنعلّم أولئك الأقزام مع من عبثوا."

لكن كالستير قال وهو يضع إصبعه على لبّ المشكلة:

"المشكلة ليست فيهم… بل فينا. لقد اختفت قوانا. لو كانت معنا الآن… لما تجرأوا حتى على رفع أعينهم نحونا."

عندها تدخل الطبيب فيلور بصوته العقلاني الهادئ:

"هدفنا الأول يجب أن يكون هوست."

ارتفعت بعض الرؤوس نحوه.

فأكمل:

"هو المفتاح لكل ما يحدث هنا… وهو من سلبنا قدراتنا."

قال سيريون مفكرًا:

"يبدو أن هؤلاء المقنعين يدينون له بولاءٍ أعمى."

وأضاف نوكس:

"وخاصة بلاك… يبدو كأنه ظله المخلص."

قال تيروس باندفاعٍ متهور:

"إنهم ستة فقط! يمكننا مباغتة أحدهم وسرقة بطاقة الأبواب."

قاطعته فورًا:

"لا تكن أحمق! ألم ترَ ما فعله بلاك بالرجل الذي حاول الهرب؟!"

أيدني صاحب العمل قائلاً:

"نيلوت محق… ولا تنسوا، قد يكون هناك مقنعون آخرون."

وأضاف سيريون:

"كما أننا لا نعرف شيئًا عن هيكلية هذا المبنى."

تنهد كايرو بعمق:

"الأمر معقد… كخيوطٍ متشابكة لا نهاية لها."

عندها نظر إلينا ريغان نظرةً عميقة، خالية تمامًا من الهزل هذه المرة، وقال بصوتٍ منخفض لكنه حازم:

"يبدو أن الرحلة ستطول…"

ثم أضاف:

"لكن مهما كانت اللعبة الثانية… سننجو جميعًا."

توقف لحظة.

"...ونخرج من هنا معًا."

أومأنا جميعًا.

في صمتٍ مهيب.

صمتٍ يشبه العهد… أو القسم غير المعلن.

عدنا إلى مقاعدنا، وقد استعادت النفوس شيئًا من توازنها.

إلا مقعدين…

مقعد ميليسا، ومقعد روزي.

كانتا تجلسان بصمت، وبينهما ليانا التي استسلمت لنومٍ بريء، رأسها الصغير مائلٌ على كتف ميليسا.

كانت الطفلة نائمة بسلام…غافلةً عن الذئاب التي تحيط بها.

همس فيسبر بجانبي:

"يا رجل… انظر إليهما."

تأملت وجهيهما.

شاحبين…

هشّين…كزجاجٍ رقيق على وشك التصدع.

"إنهما كزجاجٍ على وشك التهشم."

قلت بهدوء:

"لا تلمهما… أي روحٍ بشرية يمكنها الصمود أمام مجزرةٍ كهذه دون أن تتصدع؟"

ثم أضفت:

"هيا… لنذهب إليهما."

اقتربنا منهما ببطء.

لمحتنا ميليسا، فرسمت ابتسامةً شاحبة على وجهها.

ابتسامة مصطنعة… واهنة… بالكاد تتماسك.

قالت:

"أوه… نيلوت، فيسبر… هل تحتاجان شيئًا؟"

قلت بهدوء:

"ليس عليكِ التظاهر يا ميليسا… لستِ مضطرة لتحمل كل هذا وحدك."

أجابت بصوتٍ خافتٍ كأنه قادمٌ من بئرٍ عميق:

"أتقصد ما حدث؟ لا بأس… لم يؤثر فينا كثيرًا."

وأضافت روزي بابتسامةٍ مرتجفة:

"ن-نعم...نحن...نحن بخير."

لم أتمكن من كبح اندفاعي، وقلت بحدةٍ صادقة:

"كيف ستكونان بخير؟!"

خفضتا أعينهما.

تابعتُ بنبرةٍ أكثر لطفًا:

"لقد انهار رجالٌ أقوياء أمام أعيننا… فكيف تتظاهران بالقوة؟"

ثم قلت بهدوءٍ حازم:

"أنتما لستما بخير… وهذا حقكما."

صمت.

ثم أضفت:

"لا تحبسا هذا الرعب داخلكما… أخرجاه قبل أن يحطمكما."

قال فيسبر مؤيدًا:

"ما حدث… يفوق قدرة البشر على الاحتمال."

وفي تلك اللحظة…تحطم السد.

دمعة…

ثم أخرى…

انزلقت الدموع أولًا بصمت، ثم تحولت إلى شهقاتٍ مكتومة.

انهار قناع ميليسا وهي تتمتم:

"أ-أنا… الأمر كان… كان مرعبًا… لا أستطيع إخراج تلك الصور من رأسي…"

وانضمت إليها روزي في نحيبٍ مرير:

"خفت… خفت كثيرًا… ظننت أننا سنكون التاليين…"

بقينا معهما حتى هدأت العاصفة، حتى هدأت أنفاسهما…وتلاشت الغصة.

وقبل أن نغادر قلت لهما بهدوء:

"يجب أن تنجوا… من أجل ليانا."

ثم أضفت:

"...ومن أجلنا جميعًا."

ابتسمتا هذه المرة ابتسامةً حقيقية.

"بالتأكيد."

عدت أنا وفيسبر إلى مقاعدنا، ثم تنهد وقال:

"كان مشهدًا مؤلمًا… لابد أن ما حدث كان صادمًا لهن."

أومأت برأسي بصمت، ثم غرقت في التفكير.

...

مر الوقت…

لا أعرف كم…

حتى—

صدر الصرير المألوف للباب الحديدي.

ارتفعت الرؤوس ببطء.

دخل المقنعون الخمسة.

كان كل واحدٍ منهم يحمل صندوقين معدنيين بين يديه، يسيرون بخطواتٍ منتظمة، متناسقة، كأنهم تروسٌ في آلةٍ واحدة.

اقتربوا منا…ثم توقفوا أمام الصفوف.

رفع بلاك رأسه ببطء، ثم قال بنبرته الباردة التي لا تتغير:

"حان وقت الطعام."

...

ثم—

تحرك المقنعون بخطواتٍ متزامنة، باردة، كأنهم أجزاءٌ من آلةٍ بلا روح.

وضع كلٌّ منهم صندوقًا خشبيًا على الأرض أمام الصفوف، واحدًا تلو الآخر، حتى اكتمل المشهد بعشرة صناديق مصطفةٍ في خطٍ مستقيم.

بدت تلك الصناديق للحظة… كتوابيتٍ صغيرة.

توابيت لا تحمل الموت هذه المرة، بل شيئًا أكثر غرابة:

طعامًا يسد رمق الأجساد التي أنهكها الخوف والجوع.

ما إن انتهوا حتى تراجعوا ببطء، واصطفوا خلف الصناديق في خطٍ واحد.

خمسة أجسادٍ جامدة، أقنعةٌ بلا ملامح، وثقوبٌ سوداء في مواضع العيون تحدق بنا في صمتٍ ثقيل.

كان منظرهم كافيًا ليجعل أي إنسان يشعر بأنه… تحت المجهر.

كسر الصمت صوت مليغنانت.

نبرة صوته حملت تلك السخرية الاحتفالية المقززة التي اعتدناها منه، وقال بنبرةٍ متلذذة:

"ليصطفّ كلٌّ منكم في صفوفٍ منظمة… ليأخذ حصته من الزاد."

توقف لحظة، ثم أضاف بمرحٍ مقيت:

"استمتعوا~"

لكن…

لم يتحرك أحد.

ساد صمتٌ آخر.

صمتٌ ثقيل، متردد، كأن الجميع يخشى أن تكون اللقمة الأولى هي الفخ التالي في هذا الكابوس.

كانت العيون تتحرك ببطء بين الصناديق… وبين المقنعين… ثم تعود إلى الأرض.

إلى أن كُسر الجمود أخيرًا.

تحرك فريق صاحب الشعر الأصفر الطويل.

كانوا أول من نهض.

خمسة عشر شخصًا تقدموا بخطواتٍ هادئة… واثقة… باردة بشكلٍ يثير الغضب.

كأن الدماء التي سُفكت قبل قليل لم تكن دماء بشر… بل مجرد ماءٍ جف على الأرض.

اصطفوا أمام الصناديق دون تردد، وتناولوا حصصهم واحدةً تلو الأخرى.

لم يظهر عليهم أي اضطراب.

بل بدا الأمر… وكأنهم في مطعمٍ فاخر.

راقبتهم بصمتٍ وأنا أشعر بشيءٍ مظلم يتحرك في صدري.

هل هم شجعان…؟

أم أن قلوبهم ببساطة… ماتت قبلنا جميعًا؟

بعدهم بدأ الباقون يتحركون.

تشكل صفٌ طويل ببطء، أشبه بطابورٍ في زمن الحرب،

فتحركتُ معهم.

كانت معدتي تصرخ.

ليس من الجوع فقط…

بل من التوتر الذي مزق أعصابي طوال الساعات الماضية.

حين حان دوري، رفعت عيني.

كان بلاك يقف أمامي، وقفته مستقيمة كعادته، حضوره بارد، ثابت، لا يشي بأي مشاعر.

مدّ يده ببساطة وأعطاني حصتي.

طبقٌ بسيط.

أرز… وخضار مطهوة، وقنينة ماء.

وجبة عادية… شديدة التواضع.

لكن في هذا المكان… في هذا السجن الغامض… بدت تلك الوجبة وكأنها وليمةٌ أخيرة.

عدت إلى مقعدي، ووضعت الطعام أمامي.

لكنني لم أتحرك.

ظللت أحدق فيه.

هل… يحق لي أن آكل؟

كيف يمكن لحنجرتي أن تبتلع الطعام… بينما سبعة عشر روحًا غادرت هذا العالم منذ قليل؟

كيف يمكنني أن أحتفل بالبقاء… بينما هم لم يُمنحوا حتى فرصةً أخرى للتنفس؟

تنهدت ببطء.

شعرت بذنبٍ ثقيل… ينهش جدران قلبي.

كأن كل حبة أرزٍ أمامي كانت تهمس:

"لماذا أنت… وليس هم؟"

قطع أفكاري صوت خطواتٍ خفيفة.

جلس فيسبر بجانبي.

قال بصوتٍ منخفض، بنبرةٍ أخوية صادقة:

"يجب أن تأكل يا نيلوت… الجسد المنهار لا يحمي صاحبه."

أجبته بمرارة:

"أعرف… لكن… هل لنا الحق في هذا؟"

نظر إليّ بجدية، ثم قال بحزم:

"نعم. هذا حقك في البقاء."

صمت لحظة، ثم أضاف بهدوء:

"أنت لم تقتل أولئك الناس."

ساد الصمت بيننا للحظة.

ثم—

قال بصوتٍ مثقل:

"كان هناك رجلٌ… كان يضحك قبل اللعبة الأولى."

خفض نظره قليلًا.

"صوته… ما زال يتردد في أذني."

تنهد.

"...كطنينٍ لا يتوقف."

ثم فتح قنينة الماء وقال:

"لكنني لا أريد أن أموت."

رفع عينيه نحوي.

"ما زال في العمر أشياء كثيرة لم أفعلها بعد."

توقف لحظة، ثم قال:

"نحن لسنا السبب… فلا تحمل نفسك وزر ما اقترفه المجانين."

كلماته…

كانت كدواءٍ وُضع فوق جرحٍ مفتوح.

تنفست ببطء، ثم رفعت الملعقة.

وبدأت آكل.

في البداية ببطء…ثم بجوعٍ كاسر.

كأن جسدي أخيرًا تذكر أنه حي.

شربت الماء دفعةً واحدة، وكأنني أطفئ حريقًا كان يشتعل في جوفي.

تنهدت بعمق، لكن في تلك اللحظة—

صدر صرير الباب الحديدي مجددًا.

رفع الجميع رؤوسهم.

...غادر المقنعون الخمسة القاعة دون كلمة.

اختفوا خلف الباب كما ظهروا، تاركين خلفهم…رائحة الغموض.

تنفست بعمق، ثم نظرت حولي.

كان فريق الشعر الأخضر يأكل بصمتٍ جنائزي، رؤوسهم منخفضة، كأنهم في مأتمٍ لا وليمة.

أما فريق الشعر الأصفر…فكانوا يضحكون بصخب.

ضحكاتهم اخترقت السكون كالسكاكين.

بينما بقية الفرق كانت تتهامس بحذر، تتبادل كلماتٍ قصيرة مليئة بالقلق.

أما الآخرون…فكانوا يأكلون بصمت، كل مجموعةٍ صغيرةٍ منعزلة عن الأخرى.

تنهدت، وتركت الأفكار تتزاحم في رأسي.

ماذا أفعل الآن…؟

الموت لم يعد فكرة بعيدة، كل شخصٍ هنا…قد يموت في أي لحظة.

وماذا عن اللعبة الثانية؟

أي رعب ينتظرنا هذه المرة؟

زفرت ببطء.

ثم—

تذكرت شيئًا فجأة.

صحيح!

لم أختبر بعد قدرتي على استخدام الكاراتيه والمصارعة.

إن كانت تلك المهارات ما تزال تعمل… فقد تكون فرصتي الوحيدة للنجاة.

قلت لفيسبر:

"لدي شيء يجب أن أفعله."

أومأ برأسه وهو يلتهم الأرز بشراهةٍ بدت وكأنه لم يأكل منذ قرن.

ابتعدت نحو الجدار الخلفي للقاعة، خلف صفوف الكراسي.

تنفست بعمق.

هل سينجح الأمر فعلًا…؟

أغمضت عيني، وتخيلت خصمًا يقف أمامي.

ظلٌ بلا ملامح.

لكنني رأيته بوضوحٍ في مخيلتي.

أرخيت كتفيّ.

ثم انطلقت.

قبضت يدي ووجهت لكمةً خاطفة نحو رأسه الوهمي.

ثم رفعت ركبتي بسرعةٍ خاطفة ودفعت ساقي في ركلة كاراتيه قوية نحو بطنه.

لم أتوقف.

قفزت عاليًا.

ودرت في الهواء—

ركلة دائرية خاطفة نحو الرأس.

في مخيلتي…طار الخصم بعيدًا.

فتحت عيني، وتنفست الصعداء.

مهاراتي الجسدية…ما زالت تعمل.

لكنني لم أتوقف عند ذلك، بدأت أتدرب على تقنيات المصارعة.

إسقاط…

تثبيت…

كسر قبضة…

مناورة جسدية.

ساعة…

ثم أخرى…

العرق كان يتصبب من جبيني، وأنفاسي تتسارع.

لكنني شعرت بشيءٍ يشبه الطمأنينة.

نعم…

أصبحت أكثر إتقانًا.

ربما… أصبحت محترفًا في المصارعة الآن.

وهكذا تأكدت.

المهارات غير الخارقة…ما زالت معي.

ربما ليست كافية، لكنها…أفضل من لا شيء.

وفجأة—

قطع الصمت صراخٌ غاضب:

"هل أنت بشرٌ أصلًا؟!"

التفتُ.

كان صاحب الشعر الأخضر يصرخ في وجه صاحب الشعر الأصفر الطويل.

اقتربت بسرعة.

كان التوتر بين الفريقين يتصاعد كشرارةٍ على وشك إشعال حريق.

صرخ صاحب الشعر الأخضر:

"بدأت أشك أنك واحدٌ من أولئك المقنعين!"

رد الأصفر بغضب:

"ماذا؟! هل فقدت عقلك؟!"

قال الأخضر بحنق:

"أنا في كامل صوابي!"

اقتربت من ماركوس وسألته:

"ما الذي يحدث؟"

أجاب بقلق:

"الأخضر طلب منهم خفض صوت ضحكاتهم احترامًا لمشاعر من ما زالوا مصدومين… لكن الأصفر سخر منه."

وفي تلك اللحظة قال الأصفر بابتسامةٍ مستفزة:

"يبدو أنك تتوق للموت."

رد الأخضر بحدة:

"أهذا كل ما تستطيع قوله؟!"

ابتسم الأصفر بسخرية.

"أوه… ماذا؟"

ثم قال ببرودٍ قاسٍ:

"هل فقدت عزيزًا في اللعبة الأولى؟"

"..."

"...البكاء لن يغير حقيقة أنهم جثث الآ—"

"بوم!"

لم يكمل جملته إذ لكمة عنيفة استقرت في وجهه.

ابتسم الأصفر ابتسامةً مرعبة، ثم طقّ رقبته ببطء.

"تك."

وقال ببرود:

"أنت من بدأ الحرب."

وفي اللحظة التالية—

انفجرت القاعة.

لكمة على الوجه.

ردها الأخضر بضربة في البطن.

ضربة في الكبد.

أجساد تصطدم بالكراسي، صرخات، دماء.

وفي ثوانٍ…تحولت القاعة إلى ساحة معركة.

وقفت مذهولًا.

فكرة واحدة فقط كانت تدور في رأسي.

لماذا…؟

لماذا نقاتل بعضنا…بينما المقنعون هم العدو الحقيقي؟

كيف…

كيف وصلنا إلى هذا الحد…؟

2026/03/11 · 5 مشاهدة · 2125 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026