كانت القاعة قد تحولت إلى ساحةٍ بدائية للصراع.
لم يعد المشهد هناك يشبه قتالًا بين رجالٍ متنازعين، بل بدا وكأنه انفجارٌ وحشي لليأس المكبوت في صدور الجميع.
كأن الخوف الذي سكن القاعة قبل ساعاتٍ قليلة قد وجد أخيرًا منفذًا للخروج… فخرج في هيئة غضبٍ أعمى.
الأصوات تداخلت في الهواء كعاصفةٍ هوجاء.
صرخاتٌ حادة.
أنفاسٌ لاهثة.
ارتطامُ الأجساد بالأرض.
وصوت الخشب وهو يتحطم تحت الضربات.
رأيتُ بأم عيني رجلًا يمسك رأس خصمه بكلتا يديه، ثم يهوي به نحو الجدار الحجري بضربةٍ حاقدة.
"كراااش!"
ارتطم الرأس بالحجر بعنفٍ جعل صداه يرتج في صدري.
وفي الجهة الأخرى، كان رجلٌ ضخم يرفع كرسيًا خشبيًا فوق رأسه ثم يقذفه نحو خصمه كما لو كان يرمي حجرًا.
تحطم الكرسي فوق كتفي الرجل الآخر، وتناثرت شظايا الخشب في الهواء كالمطر.
أما الدماء…
فكانت ترسم مساراتٍ أرجوانية فوق الوجوه الشاحبة، تنحدر ببطءٍ على الخدود المرتجفة.
وسط هذا الجنون، لمحت حركة مألوفة.
كان سيريون يتقدم بثباتٍ وسط الفوضى كصخرةٍ تشق طريقها عبر موجٍ هائج.
إلى جواره كان نوكس وصاحب العمل، بينما اندفع ريغان وكالستير وماركوس وفيسبر معهم ككتلةٍ واحدة تحاول كبح هذا الانفجار.
لم يأتوا ليقاتلوا.
بل ليوقفوا هذا الجنون.
لم أستطع الوقوف متفرجًا.
اندفعت بدوري نحو قلب الفوضى، وجسدي يشعر بخفةٍ غريبة تسري في أطرافي… كأن عضلاتي نفسها كانت تتوق للحركة.
ربما لأن مهارات الكاراتيه والمصارعة الكامنة في خلاياي كانت أخيرًا تجد فرصة للظهور.
لم تمضِ لحظات حتى اعترض طريقي مشهدٌ كاد يتحول إلى كارثة.
رجلٌ ذو شعرٍ أسود قصير، ووجهٍ مشدود بالغضب.
وآخر بعينين زرقاوين تلمعان بشرارة التحدي.
كانا يتبادلان اللكمات بعنفٍ محموم.
"بووم!"
لكمة في الفك.
"بووم!"
ضربة مرتدة في الصدر.
بدأ الدم يتسلل من أنفيهما المحمرين.
وفي اللحظة التي رفع فيها كلاهما قبضتيه لتوجيه الضربة القاضية—
كنت هناك.
رفعتُ ذراعيّ بسرعةٍ خاطفة…وأمسكت القبضتين في الهواء.
ساد صمتٌ قصير.
نظر كلاهما إليّ بذهول.
زفر صاحب الشعر الأسود بحدة وقال:
"أوي أنت! ابتعد من هنا!"
ثم أضاف بازدراء:
"هذا القتال ليس من شأنك… إلا إذا أردت أن تُسحق مع هذا المزعج!"
لم أتحرك.
ثبتُّ قدمي في الأرض، ونظرتُ في عينيه مباشرة.
قلت بهدوءٍ بارد:
"لن أرحل… إلا إذا توقفت هذه الفوضى."
ضحك بسخريةٍ مريرة.
"أتظن نفسك وزير العدالة في هذا المسلخ؟"
ثم اندفع نحوي فجأة.
لكمة مباشرة نحو فكي، لكنني رأيتها قبل أن تصل.
انحرف رأسي قليلًا، ومرت القبضة بجانب وجهي.
ثم أتت الركلة.
ركلة سريعة نحو رأسي، فانخفض جسدي بانسيابية.
الركلة شقت الهواء فوقي، ثم حاول ضربةً غادرة نحو بطني—
لكنني أزحت جسدي نصف خطوة.
في تلك اللحظة…بدت حركاته لي وكأنها تسير ببطءٍ غريب.
وفي الفجوة التي كشفها دفاعه—
أطلقت قبضتي.
"بووووم!"
لكمة مركزة استقرت في منتصف وجهه.
ارتد رأسه للخلف بعنف، ترنح، لكنني لم أمهله، انخفضت بسرعة. أمسكت ذراعه، وأدرت جسدي حوله.
ثم—
أسقطته بحركة مصارعة نظيفة.
"ثوووم!"
ارتطم جسده بالسجاد بقوة.
صرخ بيأس:
"آوتش! توقف!"
ثم صاح وهو يلوح بيده:
"أستسلم! أستسلم!"
توقفت، رمشت بدهشة.
هل… انتهى الأمر بهذه السرعة؟
هل هو ضعيف حقًا؟
أم أن مهاراتي أصبحت فتاكة إلى درجة أن قتالهم يبدو كعبث الأطفال؟
تركت قبضتي عنه.
زحف مبتعدًا كمن نجا من كارثة.
التفتُّ إلى صاحب العينين الزرقاوين، كان ينظر إليّ بصمتٍ مذهول.
أشرت برأسي نحو خصمه المنسحب، وقلت:
"انتهى الأمر… لن يزعجك بعد الآن."
أومأ لي ببطء، ثم ابتعد.
لكن فجأة—
"كراااااش!"
التفتُّ بسرعة.
الكراسي كانت تتطاير في الهواء، وفي قلب الفوضى—
كان صاحب الشعر الأصفر الطويل يتصارع مع صاحب الشعر الأخضر بعنفٍ يكاد يكون حيوانيًا.
لكمات.
ركلات.
أجساد ترتطم بالكراسي.
اندفعت نحوهما كالسهم، وفي اللحظة التي رفع فيها الأصفر قبضته لتوجيه ضربةٍ غادرة—
ركلتُه بقوة في ظهره، اندفع للأمام وسقط أرضًا.
نهض بسرعة وعيناه تشتعلان غضبًا، ثم صرخ:
"ومن أنت الآن؟!"
ثم اندفع نحوي.
لكمة لولبية عنيفة.
قفزت، وارتفع جسدي في الهواء.
درت حول محوري—
ثم أطلقت ركلة دورانية، وارتطمت قدمي بصدغه.
"باااام!"
تصلب جسده لحظة، ثم انهار أرضًا.
بلا حركة.
وفجأة…توقف القتال في القاعة. كل الأنظار اتجهت نحونا.
اقتربت ببطء، وانحنيت نحوه.
لا حركة.
قلبي بدأ يخفق بعنف.
لا…
لا تقل لي…
أدرته على ظهره، وهمست بارتباك:
"أوي… أنت…"
ثم قلت بقلق:
"استيقظ!"
وفي تلك اللحظة—
قال صوت خلفي:
"إنه ما يزال حيًا."
التفت.
كان صاحب الشعر الأخضر.
انحنى بجانبي، وضع أصابعه قرب عنق الرجل، ثم قال بهدوء:
"يتنفس."
تنفست بارتياح عميق، ثم قال وهو ينهض:
"من المستحيل أن يموت المرء من ضربةٍ واحدة فقط."
ثم نظر إليّ مبتسمًا بتعب.
"شكرًا لك… يا…؟"
قلت وأنا أزفر الهواء من صدري:
"نيلوت."
أومأ.
"فروند."
ثم قال:
"كنت مدينًا لك بتدخلك… كان الأمر سينتهي بمأساة."
وفجأة—
سمعت صوتًا يناديني:
"أوي نيلوت!"
التفت.
كان فيسبر والبقية، فاقتربت منهم.
قال ماركوس باندهاش:
"قتالك كان مذهلًا!"
وأضاف:
"رغم أن قوانا اختفت… كنت تقاتل وكأنك لم تفقد شيئًا."
ضحكت محاولًا التظاهر بالبساطة.
"لا شيء مميز."
لكن الحقيقة التي أخفيتها عنهم كانت مختلفة.
لا يمكنني إخبارهم…أن مهاراتي غير القتالية لم تختفِ.
وإلا سيعرفون أن قدرتي الحقيقية هي الحصول على قدرة خارقة جديدة كل أسبوع.
نظرت حولي.
كان سيريون قد أخمد شجارًا آخر ببراعة محاربٍ مخضرم.
بينما أعاد نوكس وصاحب العمل النظام إلى القاعة.
قال نوكس بلهجةٍ حازمة:
"انتهى العبث."
ثم أشار إلى المقاعد.
"ليعد الجميع إلى أماكنهم."
تحرك الناس ببطء، كأسراب نملٍ منهكة بعد العاصفة.
عدت إلى مقعدي، ورفعت بصري نحو السقف المظلم.
هل حل المساء؟
أم أن الفجر بزغ في الخارج؟
لا ساعة.
لا نافذة.
لا شيء يدل على الزمن.
إلا…دقات قلوبنا المتعبة.
ثم—
أغمضت عيني أخيرًا.
وتركت جسدي المنهك يستسلم لسلطان النوم…في انتظار عذابٍ جديد.
...
وفجأة—
سمعتُ صوتًا يخترق ضباب نومي الثقيل.
"لوت… نيلوت! استيقظ!"
كان الصوت بعيدًا في البداية، كأنه يأتي من قاع بئرٍ عميقة.
ثم اقترب.
"نيلوت… استيقظ!"
انفلق الضباب شيئًا فشيئًا، وبدأتُ أستعيد وعيي ببطءٍ شديد. فتحتُ جفنيّ بصعوبة، وكأن ثقلًا غير مرئيٍّ كان يضغط عليهما.
أول ما رأيته كان وجه فيسبر.
عيناه متوترتان، وجبينه يلمع بقطرات العرق.
تمتمتُ بصوتٍ مبحوح، نصفه ما زال غارقًا في النوم:
"ما… الأمر؟"
أجاب بسرعة، لكن بنبرةٍ خافتة:
"لقد غططتَ في نومٍ عميق… كأنك نائم في سرير منزلك."
ثم مال قليلًا نحوي وأضاف:
"استفق سريعًا… المقنّعون قد وصلوا."
تبددت بقايا النوم من رأسي كأن أحدهم سكب ماءً باردًا فوقي.
انتفضتُ جالسًا، ثم رفعتُ رأسي ببطء… ونظرتُ إلى قلب القاعة.
وهناك—
تجمد الدم في عروقي.
كانوا يقفون في منتصف القاعة.
المقنّعون الخمسة، ثابتون، صامتون، كأنهم تماثيل منحوتة من رخامٍ أسود.
لم يتحرك أحد منهم.
لم يتكلم أحد.
لكن حضورهم وحده كان كافيًا ليملأ المكان بثقلٍ خانق.
بدوا كصيادين ينتظرون بصبرٍ أن تستيقظ طرائدهم من أحلامها الواهية.
همستُ لفيسبر دون أن أحرك شفتي كثيرًا:
"متى وصلوا؟"
رد بصوتٍ خفيض:
"قبل برهة."
ابتلعتُ ريقي، ثم عدّلت جلستي.
حاولتُ أن أجمع شتات نفسي، لكن قبل أن أتمكن من قول أي شيء—
انشق السكون، اخترق صوت بلاك القاعة كشفرةٍ باردة.
"لقد… انقضى اليوم الأول."
ارتجف بعض الواقفين.
ثم تحدث لونولف بصوته الأجش، الذي يشبه زئير ذئبٍ مكتوم:
"وحان وقت الانتقال إلى الغرفة الثانية."
توقف لحظة، ثم قال ببطء:
"حيث تنتظركم… اللعبة الثانية."
ثم قال بلاك بنبرةٍ آمرة:
"انهضوا."
صمتٌ قصير.
"واتبعوني."
تحرك الناس ببطء، لم يكن مشيًا طبيعيًا…بل بدا كأن القاعة امتلأت بأشباحٍ متعبة.
أجسادٌ منهكة، وأعينٌ خاوية.
سلكنا ممراتٍ طويلة.
يمينًا.
ثم يسارًا.
ثم ممرًا آخر ضيقًا.
كانت الجدران المعدنية الباردة تحيط بنا من كل جانب.
كل خطوة كانت تصدر صدى مكتومًا في الممر، كأننا نسير داخل أحشاء وحشٍ معدنيٍّ ضخم.
وأخيرًا—
توقف بلاك.
أمامنا كان يقف بابٌ ضخم معدني وسميك، كأنه بابٌ لسجنٍ لا يخرج منه أحد.
شعرتُ ببرودةٍ تزحف في أطرافي، وبلعتُ ريقي.
ما الذي ينتظرنا خلف هذا الباب؟
انفتح الباب ببطء.
"ششششش—"
ثم دخلنا، وتجمدنا جميعًا في أماكننا.
كانت الغرفة…بيضاء.
بيضاء بشكلٍ غير طبيعي.
بياضٌ ناصع يلمع تحت الضوء القوي...حتى إن النظر إليه كان يؤلم العين.
وفي مركز الغرفة—
اصطفت كراسي كثيرة مرتبة بدقةٍ هندسية، على شكل دائرةٍ مثالية.
رمشتُ بارتباك.
ما هذا…؟
تقدم بلاك خطوة إلى الأمام، وقال بصوتٍ هادئ:
"اللعبة الثانية…"
توقف لحظة، ثم قال:
"هي الكراسي الموسيقية."
ساد صمتٌ ثقيل.
كلمات بسيطة…لكن وقعها كان غريبًا.
لعبة طفولية مجدداً؟
هنا؟
في هذا المكان؟
هل نحن…في حضانةٍ للموت؟
تحدث سترانج بصوته البارد، وكأنه يشرح تجربة علمية:
"الأمر بسيط."
وأشار إلى الكراسي.
"سيقوم ستار بإنشاد أغنية."
ثم أكمل:
"وخلال مدة الغناء… ستدورون حول الكراسي."
ثم قال ببرود:
"وعندما تتوقف الأغنية… على كل واحدٍ منكم أن يجد له مقعدًا."
أومأتُ في داخلي.
نفس القواعد التي أعرفها منذ الطفولة.
لكن…هذه ليست طفولة.
تحدث مليغنانت بصوته الذي يحمل ابتسامة سادية واضحة:
"وبطبيعة الحال…"
توقف قليلًا.
"المقاعد أقل من الرؤوس."
كما هو متوقع.
ثم قال لونولف:
"ومن يفشل في الظفر بمقعد…"
توقف لحظة.
"سيُقصى."
وختم سترانج:
"ستستمر اللعبة…حتى يغادرنا ثمانية أشخاص."
بدأ الناس يتحركون ببطء نحو الدائرة، الوجوه شاحبة، والأعين مرتجفة.
اصطففتُ بين الحشد.
وكان أمامي رجلٌ نحيف، جسده يرتجف، وأنفاسه متقطعة، كأنه خيطٌ يرتعش في مهب الريح.
قال بلاك:
"ستبدأ اللعبة…عند بدء الأغنية."
مرت لحظات.
ثوانٍ…لكنها بدت كأنها دقائق طويلة.
واحد…
اثنان…
ثلاثة—
وفجأة—
بدأ صوت ستار يغني، بصوتٍ طفولي غريب.
"أنا وأنت صديقان~"
تحركنا.
بدأ الجميع بالدوران حول الكراسي.
خطوات سريعة، أنفاس متوترة، وأعينٌ تلتهم الكراسي التهامًا.
"نلعب دومًا في كل مكان~"
يا له من تناقض مرعب.
أغنية عن الصداقة…ونحن نستعد لدهس بعضنا البعض من أجل النجاة.
"نتشارك اللعبة والحكاية~"
ازدادت سرعة الخطوات، والتوتر يملأ الهواء.
"ونبني سويًا أجمل بداية~"
وفجأة—
صمت.
انقطعت الأغنية.
في تلك اللحظة—
انفجر الجميع، اندفع الناس كوحوشٍ جائعة.
صرخات، أجساد تتدافع، أقدام تنزلق فوق الأرض البيضاء.
ألقيت جسدي بسرعة نحو أقرب كرسي، وسقطت فوقه.
لهاثي كان عاليًا.
حولنا كانت الفوضى عارمة.
ثم…سكن كل شيء.
رفعنا رؤوسنا.
الجميع كان جالسًا.
إلا…شخص واحد.
رجل قوي البنية، شعره بني قصير، وعيناه متسعتان بالذعر.كان ينظر حوله.
يبحث...لكن لم يعد هناك كرسي.
ارتجف جسده، ثم انهار على ركبتيه. وقال بصوتٍ مخنوق:
"لا… لا…"
اقترب بلاك منه ببطء وتوقف أمامه، ثم سأله بهدوء:
"هل لديك كلمات أخيرة؟"
بدأ الرجل يبكي.
"ر-رجاءً…"
ثم قال بصوتٍ مرتعش:
"أنقذني…"
صمت قصير.
ثم—
"بيو!"
انطلق شعاعٌ أصفر من إصبع ستار واخترق جبهة الرجل بسرعة مرعبة.
تناثرت الدماء، وسقط جسده الضخم أرضًا.
"ثوووم."
لون الدم الأحمر القاني انتشر فوق الأرض البيضاء، كأنه بقعة حبرٍ في صفحة نقية.
أغمضتُ عيني بقوة.
عضضتُ على أسناني حتى شعرت بالألم.
ثم قال بلاك وهو ينظر إلى الجثة:
"لقد… أنقذتك."
اشتعل الغضب في صدري.
أي ساديةٍ هذه؟!
يقتله…ثم يسمي ذلك إنقاذًا؟
لكنني تمالكت نفسي.
نحن الآن…بلا قوة.
اقترب بلاك من الجثة، وحملها بسهولة، ثم اختفى.
وبعد لحظات عاد، كأن شيئًا لم يحدث، ثم قال ببرود:
"والآن…"
نظر إلينا.
"لنبدأ الجولة الثانية."
...
وسط ذلك البياض الصاعق الذي كان يملأ الغرفة، لم يكن ثمة مكانٌ للرحمة.
الأرض البيضاء.
الجدران البيضاء.
الضوء الأبيض الحاد، كل شيء كان يبدو نظيفًا… بشكلٍ مخيف.
لكننا جميعًا كنا نعلم الحقيقة.
هذا المكان لم يكن نقيًا، بل كان مذبحًا مطليًا بالبياض.
في تلك اللحظة، وبينما كانت أنفاسي ما تزال متسارعة من الجولة السابقة، خطرت في ذهني فكرة واحدة فقط.
ليانا.
ارتجف قلبي فجأة.
ماذا لو…؟
ماذا لو فتحت عيناها الصغيرتان الآن… ورأت هذا المشهد؟
ماذا لو رأت الدماء؟
ماذا لو سمعت الصرخات؟
بحثت بعيني بين الجالسين، ثم رأيتها.
ميليسا جالسة على أحد الكراسي كأنها تمثالٌ منحوت من الرخام.
كانت تضم ليانا إلى صدرها بقوة، بكفّيها المرتعشتين كانت تغطي عيني الصغيرة وأذنيها معًا.
كأنها تحاول بناء جدارٍ من اللمسات.
جدارٍ هش…لكنّه كل ما تملكه لتحمي براءة طفلةٍ من الانهيار.
زفرت ببطء، زفرة ارتياحٍ مثقلة.
على الأقل…لم ترَ ليانا شيئًا.
وفجأة—
قطع صوت ستار السكون مرة أخرى.
بدأ يغني بنفس صوته الطفولي الغريب.
"صديقي الغالي يا نجمَ السماء~"
في اللحظة نفسها—
تحرك الجميع، انطلقنا كالمجاذيب، والأقدام تضرب الأرض بسرعة.
لا وقت للتفكير.
لا وقت للتردد.
ولا حتى وقت لأخذ نفسٍ واحدٍ عميق.
"نضحكُ معًا… لا نعرف الجفاء~"
كانت الأجساد تتحرك حول الدائرة كإعصارٍ بشري.
الأعين مثبتة على الكراسي، كل شخصٍ كان يحسب المسافة.
الخطوة.
الزاوية.
اللحظة التي سيتوقف فيها اللحن.
الأرض امتلأت بصوت الأقدام المتلاحقة.
خطوات.
لهاث.
احتكاك الأكتاف.
ثم—
وفي خضم الدوران—
لمحت شيئًا.
صاحب الشعر الأصفر الطويل كان يقترب من فروند، لكن نظراته لم تكن نظرات لاعب.
بل نظرات صياد.
كان يمد يده ببطء…ليدفعه خارج المسار.
اتسعت عيناي، وصرخت بأعلى صوتي:
"أوي! فروند! انتبه خلفك!"
في اللحظة نفسها—
توقف فروند فجأة، لكن صاحب الشعر الأصفر كان قد اندفع بالفعل.
"ثوووم!"
اصطدم الاثنان بقوة، وفقد الأصفر توازنه.
ارتطم بالشخص الذي خلفه.
ثم—
بدأت الأجساد تتساقط.
واحد.
ثم آخر.
ثم ثالث.
كأحجار الدومينو انهار الناس فوق بعضهم البعض.
صرخات قصيرة، أجساد ترتطم بالأرض.
السجاد الأبيض امتص الصدمات…لكن الألم ظل يتردد في الهواء.
وفي الخلف—
استمرت الأغنية.
"نحمل بالقلب أسمى الوئام~"
شعرت ببرودةٍ تسري في ظهري.
الأغنية…توشك على النهاية.
نظرت نحو الأرض.
الأشخاص الذين سقطوا كانوا يتخبطون بجنون، كأسماكٍ أُلقيت خارج الماء.
يحاولون الوقوف، يحاولون العودة إلى السباق.
لكن الزمن…كان أسرع.
وفجأة—
صمت.
انقطعت الأغنية.
اندفعت كالسهم.
لم أفكر.
لم أنظر.
ألقيت جسدي نحو أقرب كرسي، وسقطت فوقه، خشب المقعد تحت جسدي بدا كأنه عرش النجاة.
لكن عيني لم تستقرا.
بل بقيتا معلقتين بالمشهد في مركز الدائرة.
لم يتبقَّ…إلا خمسة كراسي، لكن الواقفين…كانوا ستة.
فروند.
صاحب الشعر الأصفر الطويل.
ماركوس.
الرجل ذو الشعر الأسود القصير.
الفتاة شقراء.
ورجل بعيون بنية.
تصلبت قبضتي.
ماركوس؟
ما الذي تفعله هناك…؟!
كان المشهد يبدو كأنه مصوَّر بالعرض البطيء.
كل واحدٍ منهم ينظر للآخر، وحسابات النجاة تدور في العيون.
وفجأة—
انطلق صاحب العيون البنية، والفتاة الشقراء.
قفزا نحو كرسيين قريبين وجلسا بسرعة.
لم يتبقَّ…إلا ثلاثة مقاعد.
اقترب فروند من أحدها.
لكن—
يدٌ غادرة أمسكت سترته.
كان صاحب الشعر الأصفر.
دفعه للخلف بقوة.
"ثوووم!"
سقط فروند أرضًا، ثم جلس الأصفر مكانه، وعلى وجهه ارتسمت ابتسامةٌ شيطانية.
صرَّ فروند على أسنانه، لكن الوقت لم ينتظر.
في الجانب الآخر—
كان ماركوس على وشك الجلوس.
لكن فجأة—
دفعه صاحب الشعر الأسود القصير، فسقط ماركوس على وجهه.
كان الأسود سيلقي بجسده نحو المقعد.
لكن—
"ثوووم!"
اندفع فروند من الخلف ودفعه بعيدًا.
استغل ماركوس اللحظة وجلس بسرعة.
زفرة ارتياح خرجت من صدري...لكن الفرحة لم تدم.
الآن…بقي مقعد واحد فقط.
مقعدٌ يفصل بين الحياة…والموت.
وقف فروند، وصاحب الشعر الأسود القصير وجهاً لوجه.
أنفاسهما ثقيلة، صدراهما يعلوان ويهبطان.
ثم—
انطلقا معًا للفوز في سباق النجاة.
كاد فروند يصل، لكن الرجل دفعه.
رد فروند بلكمة ارتطمت بفكه.
رد الآخر بضربة في البطن.
لكمة.
ركلة.
دماء.
أنفاس متقطعة.
ثم—
ضربة أخيرة من فروند، فسقط الرجل أرضًا مع دماء تنساب من أنفه.
اقترب فروند من الكرسي، وكان على وشك الجلوس.
لكن—
"لا… تفعل."
صوتٌ خرج من الرجل صاحب الشعر الأسود.
توقف فروند، ونظر إلى الرجل الملقى أرضًا الذي كانت عيناه ممتلئتين بالانكسار.
تمتم بصوتٍ مرتجف:
"لديّ… أخت صغيرة."
سكت لحظة ثم قال:
"أنا… كل ما تملك."
ارتجف صوته.
"إذا متُّ… من سيطعمها؟ من سيحميها؟"
ساد صمتٌ ثقيل.
نظر فروند إليه، كأن جبال العالم هبطت فوق كتفيه.
ابتسم الرجل ابتسامة ضعيفة، كأنه وجد خيط أمل.
لكن—
قال فروند بصوتٍ مخنوق:
"أنا… آسف."
ثم أضاف:
"أنا أيضًا… لديّ عائلة."
جلس.
جلس ببطء، وكأن روحه كانت أثقل من جسده، وهو يهمس:
"أنا آسف…"
تجمد الرجل ذو الشعر الأسود، ثم اقترب بلاك منه، وسأله ببرود:
"كلمات أخيرة؟"
صرخ الرجل فجأة واندفع نحوه:
"تباً لـ—"
"بيو!"
شعاع أصفر اخترق جبهته، فسقط جسده بلا حراك.
لون الدم الأحمر عاد ليلطخ البياض...للمرة الثانية.
همست في داخلي...كان لديه… أخت.
نظر بلاك إلى الجثة، وقال ببرود:
"كلمات… مثيرة للاهتمام."
صررت على أسناني حتى شعرت بالألم.
أي نوعٍ من الوحوش هؤلاء؟
يقتلون…ثم يسخرون من الكلمات الأخيرة.
أغمضت عيني لحظة، وفكرة واحدة فقط تدور في رأسي.
لو فقط…
لو فقط امتلكت القوة...
لما حصل أيٌ من هذا.