سقطنا على الكراسي كما تسقط أكياسُ الرمل بعد أن يُفرغ منها آخر ما تبقى من قوة.

لم يكن سقوطاً عادياً، بل كان انهياراً بطيئاً لرجالٍ استنزفتهم مواجهة لا تشبه أي شيء عرفوه من قبل.

القاعة الرئيسية غرقَت في صمتٍ كثيفٍ خانق، صمتٍ لم يكن صمتَ راحةٍ أو هدنةٍ مؤقتة، بل صمتَ ضحيةٍ انتهى صراخها لأنها أدركت أن الصراخ لم يعد يغيّر شيئاً.

الهواء نفسه بدا ثقيلاً، كأنه يحمل بقايا الأرواح التي أُزهقت قبل لحظات.

وجوهنا، التي كانت بالأمس القريب لا تزال تحتفظ ببعض ملامح الحياة، تحولت الآن إلى أقنعةٍ شاحبة.

وجوهٌ متعبة، مغطاة بطبقةٍ رفيعة من الغبار واليأس، وقد نُقشت عليها تجاعيد الخوف والخذلان كما تُنقش الشقوق على جدارٍ قديم.

لا أحد تكلم.

كنا جميعاً نحاول استيعاب الرقم الذي صار يطاردنا في أذهاننا.

ثمانية.

ثمانية فقط.

وفجأة—

انفتح الباب ببطءٍ كأنه فمُ ظلامٍ يتثاءب، ودخل بلاك.

لم يكن دخوله صاخباً، بل كان أشبه بظهور طيفٍ أسود يتسلل بين الظلال.

خطواته خفيفة إلى حدٍ مخيف، حتى بدا وكأنه لا يلامس الأرض حقاً.

وعندما تكلم، ارتدّ صوته في القاعة كحكمٍ قضائيٍّ نهائي، لا طعن فيه ولا استئناف.

قال ببرودٍ قاتل:

"عددُ الناجين المتبقين… ثمانون لاعب."

كلماته لم تكن مجرد إعلان.

كانت رصاصةً باردة استقرت في صدورنا جميعاً.

زاد عدد… الموتى.

أو بالأحرى—القتلى.

توقف لحظة، لحظة قصيرة لكنها بدت كأنها تمتد لدهرٍ كامل، وكأنه يتلذذ بثقل الرقم وهو يسقط على آذاننا.

ثم قال بنبرةٍ هادئة تقطر قسوة:

"ارتاحوا اليوم… فغداً ستبدأ اللعبة الثالثة."

لا تصفيق.

لا توضيح.

لا حتى نظرة شفقة.

فقط كلماتٌ باردة… ثم استدار.

وخلفه، بدأ المقنّعون بالمغادرة.

أولئك الذين حوّلوا حياتنا إلى مسلخٍ أبيضٍ نظيف، غادروا القاعة كما يغادر الجزار بعد أن ينتهي من عمله، تاركين خلفهم رائحة الفناء وسكوناً موحشاً لا يُحتمل.

عندما أُغلق الباب أخيراً، شعرت كأن الهواء عاد إلى رئتي.

تنهدت ببطءٍ شديد، وضغطت يدي على صدري، أحاول عبثاً تهدئة ذلك الاضطراب الذي يعصف بداخلي.

كنت أحاول إقناع عقلي بشيء واحد فقط.

أن ما رأيته في الغرفة البيضاء… لم يكن كابوساً.

بل واقعاً.

واقعاً دموياً لا مفر منه.

كيف وصلنا إلى هنا؟

كيف أصبح القتل… مجرد "لعبة"؟

كيف يمكن لحياة إنسان أن تنتهي بحركةٍ واحدة، كما لو كانت قطعة شطرنج أُزيحت عن الرقعة؟

خفضت بصري إلى الأرض.

ما زلت… لا أصدق.

لم أتخيل يوماً أنني سأقف في مكانٍ كهذا، وسط هذا الجنون.

لم أتوقع أبداً أن تصبح الحياة رخيصة إلى هذا الحد.

لكن—

"يا رجل… تبدو وكأنك فقدت شخصاً عزيزاً."

رفعت رأسي ببطء.

كان فيسبر يقف أمامي، ذراعاه متشابكتان، وعيناه تلمعان ببريقٍ قلق حاول عبثاً إخفاءه خلف قناع اللامبالاة المعتاد.

قلت بصوتٍ مبحوح:

"أهذا وقتُ المزاح؟"

ابتسم ابتسامة باهتة، تلك الابتسامة التي تبدو كأنها وُجدت فقط لتخفي شيئاً أثقل خلفها.

"أنا لا أمزح. ملامحك كئيبة بشكلٍ لا يُحتمل… كأنك تحمل أحزان العالم فوق كاهلك."

تنهدت بحسرة وأشحت بنظري عنه.

"فيسبر… أخبرني شيئاً."

"ماذا؟"

"كيف يمكن لبشرٍ أن يسلبوا الحياة من آخرين ببرودٍ كهذا؟"

رفعت عيني إليه.

"كأننا مجرد قطع شطرنج…كأننا ألعابٌ رخيصة."

"أنا لا أعلم يا رجل...أنا حقاً لا أعلم..."

وفجأة—

"عن ماذا تتحدثون؟"

التفتنا.

كان تيروس.

قال فيسبر بنبرةٍ مريرة:

"نتحدث عن الوحشية التي رأيناها… عن المقنعين."

أطلق تيروس زفيراً حاداً، ثم هز رأسه ببطء.

"هم ليسوا بشراً."

توقف لحظة، ثم قال بنبرة احتقارٍ خالص:

"إنهم وحوشٌ في هيئة بشر."

ثم أضاف ببرود:

"بل إن كلمة وحش قد تكون إهانةً للوحوش الحقيقية."

ساد صمتٌ قصير، فرفع تيروس يده إلى رأسه، ثم ضحك ضحكة قصيرة مليئة بالسخرية السوداء.

"لم أتوقع يوماً أنني سأستخدم الكلمات نفسها التي يرددها القرويون السذج في الأنمي."

رغم كل شيء… ضحكت.

ضحكة قصيرة خرجت رغماً عني.

"هههه… أنت محق."

مسحت وجهي بيدي.

"لقد صرنا نقتبس حياتنا من القصص التي كنا نظنها سخيفة."

نظر إليّ فيسبر بدهشة.

"أخيراً."

"ماذا؟"

قال وهو يبتسم قليلاً:

"ضحكت."

ثم أضاف:

"لم أرَ هذه الضحكة منذ دخلنا العذاب الأبيض."

فأكمل تيروس:

"بالحديث عن الأمر...كنت تبدو كجثةٍ هامدة يا نيلوت."

ضحك فيسبر وأضاف فوراً:

"جثة هامدة؟ لا."

ثم نظر إليّ بتعمد وقال:

"بل كمن فقد أعز الناس على قلبه."

تجمدت ابتسامتي قليلاً.

لا أعلم لماذا…لكن تلك الجملة أصابت شيئاً في داخلي.

خفضت رأسي قليلاً ثم قلت بهدوء:

"شكراً لكم…"

نظروا إليّ باستغراب.

"حقاً… لو لم تكونوا معي هنا، لما عرفت كيف أستجمع شتاتي."

"ياك…"

جاء صوت متقزز من الخلف.

"سأستفرغ من هذا الكلام العاطفي."

التفتنا جميعاً.

كان لوكسيان.

اقترب بخطواتٍ واثقة، وملامحه مليئة بالتهكم المعتاد.

"هل تحولت قوة الصداقة التي نراها في الأنمي… إلى واقعٍ معاش؟"

تجاهله تيروس ببراعة وقال:

"يبدو أنك أنت أيضاً كنت تتابع تلك الأنميات، يا لوكسيان."

تصلب لوكسيان فوراً، ثم احمر وجهه قليلاً.

"م-ماذا؟! أنا؟!"

تردد لحظة ثم قال بغضب:

"حسناً… ربما كنت أتابعها في العالم السابق!"

ثم صرخ:

"لكنني ندمت على ذلك بشدة!"

قلت مبتسماً:

"واو… حتى لوكسيان كان يتابع الأنمي."

فقال فيسبر:

"لا يُصدق… سرٌ آخر ينكشف."

"قلتُ لكم لم أعد أتابع تلك التفاهات!"

قلت ببرود:

"بالطبع…بالطبع نصدقك يا لوكسيان. من يجرؤ على تكذيبك أصلاً؟."

زفر لوكسيان بعنف، ثم قال:

"على أية حال… أنتم لا تصدقون حقاً بأن قوة الصداقة موجودة في هذا العالم، صحيح؟"

قلت فوراً:

"بالطبع لا."

لكن فيسبر قال متفكراً:

"لكن هذا عالم خيالي...ربما...هي موجودة فعلاً."

ساد صمت قصير، ثم قال تيروس:

"على أي حال… لنعد إلى الموضوع الرئيسي."

"أي موضوعٍ رئيسي؟"

التفتنا لنرى نوكس.

قال لوكسيان بسخرية:

"كنا نتحدث عن وحشية المقنعين… وعن قوة الصداقة السخيفة."

التفت تيروس إلى نوكس.

"أوه صحيح… أنت لا تعرف ما هي قوة الصداقة، أليس كذلك؟"

ابتسم ابتسامة خفيفة.

"سأشرح لك ما هي—"

"لا."

قال نوكس ذلك بصوتٍ منخفض… لكنه حازم، ثم أضاف:

"أنا أعرف ما هي."

ساد صمتٌ ثقيل.

اتسعت أعيننا جميعاً، حتى لوكسيان فتح فمه من الصدمة قبل أن ينفجر ضاحكاً.

"بوهاهاها… لا يُصدق!"

أشار إليه بإصبع ساخر.

"نوكس البارد والذكي… يعرف تلك الأشياء السخيفة؟!"

ثم قال بمكر:

"يا ترى… كيف عرفها؟"

لكن نوكس تجاهله تماماً.

نظر إلينا بعينين هادئتين… غامضتين كعادته.

"بالطبع أعرفها."

ثم قال:

"في كوكب الأرض… كانت موجودة في كل مكان أذهب إليه."

صمت قليلاً، ثم سأل:

"لكن ما الذي جلب قوة الصداقة إلى موضوع المقنعين؟"

أجابه فيسبر:

"نيلوت كان يبدو محطماً، فذهبنا لمواساته…"

ثم ابتسم.

"وانتهى بنا الأمر نتحدث عن قوة الصداقة."

أومأ نوكس برأسه.

"هكذا إذاً."

مرّت لحظات صامتة، ثم قال نوكس فجأة، بنبرةٍ بدت كتحذيرٍ مبطن:

"على أية حال…"

رفع عينيه إلينا.

"ابقوا حذرين."

ثم أضاف:

"لا نعلم ما هي اللعبة الثالثة."

استدار بعد ذلك وغادر بهدوء.

راقبه لوكسيان وهو يبتعد، ثم تمطى بتكاسل.

"يا له من ملل شديد…"

تثاءب.

"سأذهب للنوم."

وغادر هو الآخر.

وبعد ذلك—

مرت الساعات ببطءٍ ثقيل، أحاديث قصيرة هنا وهناك، ضحكات خافتة تحاول كسر ذلك الشعور القاتم.

ذكريات قديمة نتبادلها… كأنها وصايا أخيرة.

أما أفكارنا—

فكانت تدور كلها حول شيءٍ واحد.

الغد.

اللعبة الثالثة.

المجهول الذي ينتظرنا خلف بابٍ لم يُفتح بعد.

...

ساد الصمتُ أرجاء القاعة الرئيسية كستارٍ ثقيلٍ أُسدل على مسرحٍ انتهت فيه المأساة لتوّها.

لم يكن صمتَ راحةٍ ولا استسلام، بل صمتًا خانقًا يختلط فيه التعب بالخوف، ويترنح فيه الهواء بثقل الأرواح التي لم تعد هنا.

كنا نجلس متفرقين، أجسادنا غارقة في الكراسي كما لو أننا فقدنا القدرة على الوقوف.

أنفاسٌ متقطعة، نظراتٌ زائغة، وأذهانٌ ما تزال عالقة في تلك الغرفة البيضاء التي ابتلعت أرواحًا قبل ساعات فقط.

ثم—

انشق ذلك الصمت فجأة.

صوتٌ متحشرج، ممتلئ بمرارةٍ جارحة، ارتطم بجدران القاعة كصفعةٍ مفاجئة:

"أنتَ غدّار!"

رفعتُ رأسي بسرعة، وتبعتُ مصدر الصوت.

كان فروند يقف في منتصف القاعة، جسده متوتر كوتر قوسٍ مشدود، وكتفاه ترتجفان من فرط الغضب.

عروق رقبته انتفخت بوضوح، وكأن الدم فيها يغلي.

أمامَه وقف صاحب الشعر الأصفر الطويل، وملامحه هادئة إلى حدٍ يثير الاشمئزاز.

كانت على شفتيه ابتسامةٌ عابثة، باردة… ابتسامة شخصٍ لم يعد يرى في الدم سوى لونٍ آخر على الأرض.

قال ببرودٍ قاتل:

"وماذا كنتَ تتوقع مني أن أفعل؟"

رفع كتفيه بلا اكتراث، ثم أكمل بصوتٍ خالٍ من الندم:

"لو لم أرتكب تلك الخطيئة التي تتحدث عنها… لكان جسدي الآن مجرد ذكرى ملطخة بالدماء على أرضية الغرفة البيضاء."

اشتعلت عينا فروند.

تقدم خطوةً نحوه، ثم أخرى، حتى صار بينهما مسافة نفسٍ واحد.

صرخ بصوتٍ مبحوح:

"تدفعني إلى الأرض في اللحظة التي اقتربتُ فيها من النجاة… ثم تسمي ذلك عذرًا؟!"

تردد صدى صوته في القاعة، لكن الأصفر لم يتزحزح.

بل—

ضحك.

ضحكة مريرة، عالية، ارتطمت بالجدران كصوت زجاجٍ يتكسر.

"هاهاهاها..."

ثم انحنى قليلًا للأمام، وعيناه تلمعان بسخريةٍ جارحة.

"انظروا من يتحدث عن الأخلاق!"

وأشار بإصبعه إلى صدر فروند.

"أنت؟"

تصلب الهواء حولنا.

ثم تابع بنبرةٍ أبطأ، أكثر قسوة:

"الشخص الذي دفع صاحب الشعر الأسود ببرودٍ جليدي… رغم صرخاته وتوسلاته."

ساد الصمت، صمتٌ كثيف كالدخان.

تجمد فروند في مكانه.

ذراعاه اللتان كانتا مرفوعتين سقطتا ببطءٍ إلى جانبيه، كما لو أن خيوطًا غير مرئية قُطعت فجأة.

اختفت شرارة الغضب من عينيه، وحل محلها شيءٌ آخر…

شيء أقرب إلى الفراغ.

اقترب الأصفر خطوةً واحدة فقط، ثم همس بسخريةٍ باردة:

"هل نسيت؟"

لم يجب أحد.

لم يكن هناك ما يُقال.

ثم استدار الأصفر ببطء، وكأنه أنهى عرضًا مسرحيًا.

وقبل أن يبتعد، ألقى كلماته الأخيرة فوق كتفه، كحجارةٍ تسقط في بئرٍ مظلم:

"يا لقسوتك…"

توقف لحظة.

"كان لديه أختٌ صغيرة تنتظر عودته."

انقبض شيءٌ في صدري.

ثم أكمل:

"لكن يبدو أنك فضّلت مقعدك… على حياتها."

خطوة أخرى.

"أنت لا تختلف عني بشيء."

ثم قال بصوتٍ خفيضٍ كالحكم الأخير:

"كلانا قاتل… يرتدي ثوب الضحية."

وغادر.

اختفت خطواته في عمق الممر، لكن كلماته بقيت.

ثقيلة.

خانقة.

كأنها لا تزال معلقة في الهواء.

وقف فروند في منتصف القاعة بلا حراك.

رأسه منخفض، وعيناه مسمرتان على الأرض، وكأنه يرى عليها ظلال من ماتوا بسبب تلك اللحظة.

اقتربتُ منه ببطء، كل خطوةٍ كانت تبدو ثقيلةً بشكلٍ غريب.

مددت يدي، ولمست كتفه.

"أوي… فروند."

رفع رأسه نحوي، وعندما التقت أعيننا—

شعرتُ وكأنني أنظر إلى شخصٍ آخر.

لم تكن تلك عينا الرجل نفسه الذي دخل اللعبة قبل أيام.

كان فيهما تعبٌ عميق… وتلك النظرة التي يحملها من رأى شيئًا لا يستطيع نسيانه.

ابتسم.

لكنها لم تكن ابتسامة.

كانت مجرد حركة باهتة لشفتيه.

"أوه… نيلوت."

قال بصوتٍ هادئٍ بشكلٍ مخيف.

"ما الأمر؟ أنا بخير… لا تشغل بالك."

نظرت إليه مباشرة.

"فروند… لا تدع كلمات ذلك الشخص تؤثر عليك."

صمتُّ لحظة.

"ما حدث… كان خيارًا للبقاء."

وقبل أن أكمل—

قاطعني.

"لكنه محق."

توقفت كلماتي في حلقي.

"لا—"

لكن فروند هز رأسه ببطء.

"لا، نيلوت."

تنهد طويلًا.

"هو محقٌ تمامًا."

رفع عينيه إلى السقف للحظة، كأنه يبحث عن شيءٍ هناك.

"لقد سلبتُ كرسيًا… من شخصٍ كان يترجاني."

صمت، ثم قال بصوتٍ أخفض:

"من شخصٍ كان يحمل في قلبه أختًا صغيرة."

قبض يده.

"لقد قتلتُه."

رفع عينيه نحوي.

"ببرود."

لم أجد ما أقوله.

الكلمات التي بدت كافية قبل لحظة… أصبحت فجأة فارغة.

كيف يمكن للمرء أن يواسي شخصًا يرى نفسه وحشًا؟

تنهد فروند ببطء، ثم قال بنبرةٍ هادئةٍ لكنها ثقيلة:

"أنا لا أختلف عنه."

نظر حوله إلى القاعة، إلى الكراسي، إلى الناجين.

"كلنا هنا…ننتظر دورنا."

رفع رأسه.

"إما لنصبح وحوشًا…"

ثم ابتسم ابتسامةً حزينة.

"أو لنصبح جثثًا."

ساد الصمت.

لم أقل شيئًا، لم يكن هناك ما يمكن أن يُقال.

بعد لحظةٍ طويلة، ربتُّ على كتفه.

فقال بهدوء:

"شكرًا لاهتمامك يا نيلوت."

ثم أضاف بصوتٍ أجوف:

"لكن صدقني… كل شيءٍ بخير."

كان واضحًا أنه يكذب، وأنه يعرف أننا نعرف.

لكننا تركنا الكذبة تعيش، لأن الحقيقة… كانت أثقل من أن تُقال.

عدتُ ببطء إلى مقعدي، ثم جلست، وأغمضت عيني.

حاولت أن أهرب.

أن أختبئ داخل الظلام خلف جفوني، لكن الذكريات لم ترحمني.

صرخات.

دماء.

أيدٍ تتشبث بالنجاة.

ثم—

الصمت.

دقات قلبي كانت عالية، منتظمة، كأنها عدّادٌ لا يتوقف.

ومع مرور الوقت…جاء يومٌ جديد.

لكن—

لم يكن يومًا عاديًا.

كان يومًا آخر…من العذاب.

فتحت عيني، وقبل أن أتحرك—

سمعناها.

خطوات ثقيلة، ومنتظمة، تقترب من باب القاعة.

رفع الجميع رؤوسهم.

انفتح الباب ببطء، وظهر هناك—

بهدوءٍ مخيف—

بلاك.

وخلفه المقنعون الأربعة.

وقفوا جميعًا أمامنا.

ساكنين.

صامتين.

كتماثيل سوداء تنتظر لحظة التنفيذ، ثم قال بلاك بصوته البارد الذي حفظناه جيدًا:

"يبدو أنكم حصلتم على قسطٍ كافٍ من الراحة."

توقف قليلًا، ثم قال:

"حان وقت… اللعبة الثالثة."

شعرت بقلبي ينقبض.

نهضت ببطء من الكرسي، وكذلك فعل الآخرون.

خطوة بعد خطوة…بدأنا نسير.

ليس نحو النجاة.

بل—

نحو حتفنا التالي.

2026/03/14 · 4 مشاهدة · 1891 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026