143 - العد التنازلي للشك

ساد الصمت في القاعة، صمتٌ ثقيل كأن الهواء نفسه أصبح أكثر كثافة.

وقف بلاك أمامنا بهدوئه المعتاد، ذلك الهدوء الذي صار يثير في داخلي شعوراً غير مريح، كهدوء الجلاد قبل أن ينطق بالحكم الأخير.

ثم قال بصوته المنخفض، البارد كقطعة جليد:

"اللعبة الثالثة… هي المافيا."

ترددت الكلمة في القاعة لحظة، كأنها صخرة أُلقيت في بحيرة ساكنة.

المافيا…؟

حقاً؟

تبادلتُ النظرات مع الآخرين، ورأيت الدهشة ذاتها ترتسم على وجوههم.

لعبة المافيا؟

أضاف بلاك، وهو يراقب وجوهنا بعينين لا تقرآن أي شعور:

"ربما يعرف معظمكم هذه اللعبة."

ثم توقف لحظة قصيرة، قبل أن يضيف ببرودٍ مقصود:

"لكننا أجرينا… تعديلاً بسيطاً عليها."

لم تعجبني تلك الجملة.

في هذا المكان… كلمة تعديل تعني دائماً شيئاً أسوأ بكثير مما نتخيل.

تقدم سترانج خطوة إلى الأمام، ثم قال بنبرة هادئة:

"قواعد اللعبة بسيطة."

رغم قوله ذلك، شعرتُ أن الأمور لن تكون بسيطة أبداً.

أكمل قائلاً:

"تتكون اللعبة من فريقين."

ثم رفع إصبعين أمامنا.

"فريق المافيا… وفريق المدنيين."

أكمل لونولف الحديث بصوته الأجش:

"أفراد المافيا يعرفون بعضهم البعض، وهدفهم… القضاء على المدنيين سراً، دون أن يتم كشفهم."

ثم قال مليغنانت بنبرة مليئة بالمرح، كأن الأمر كله مجرد لعبة مسلية بالنسبة له:

"أما المدنيون… فهم لا يعرفون هوية المافيا."

ثم أضاف وهو يلوح بيده بلا مبالاة:

"وهدفهم هو اكتشاف المافيا والتصويت لإخراجهم من اللعبة قبل أن يقضي المافيا على الجميع."

تقدم ستار خطوة، وصوته كان هادئاً على غير العادة.

"عدد أفراد المافيا… اثنان فقط."

توقف لحظة، ثم أكمل:

"أما المدنيون… ففيهم دوران خاصان."

رفع نظره إلينا وقال:

"محقق… وطبيب."

أكمل بلاك الحديث، وكأنهم جميعاً يمثلون مسرحية محكمة الإعداد.

"الطبيب يملك القدرة على حماية شخص واحد فقط… كل ليلة."

ثم قال ببرودٍ قاتل:

"أما المحقق… فيستطيع كشف هوية لاعب واحد كل ليلة."

تقدم سترانج مجدداً.

"تتم اللعبة عبر دورتين متكررتين."

رفع يده قليلاً.

"مرحلة الليل… ومرحلة النهار."

قال لونولف:

"في مرحلة الليل… ينام الجميع."

ثم أضاف ببطء:

"أولاً… يستيقظ الطبيب، ويختار شخصاً واحداً ليحميه."

أكمل مليغنانت:

"بعد ذلك… يستيقظ المحقق، ويختار شخصاً ليكشف هويته."

ثم قال، وكأنه يستمتع بالكلمات:

"وأخيراً… يستيقظ المافيا، ليقرروا… من سيقتلونه."

شعرتُ ببرودة تسري في ظهري.

يقتلونه…؟

أكمل ستار بهدوء:

"بعد انتهاء الليل… يأتي وقت النهار."

ثم قال:

"يستيقظ الجميع."

وأشار بيده كأنه يرسم المشهد أمامنا.

"ستكونون داخل غرفة ما، وكل واحد منكم سيكون مكلفاً بمهمة معينة."

ثم أضاف:

"وأثناء تجولكم في الغرفة…"

توقف لحظة.

"ربما… تجدون الجثة."

ساد الصمت للحظة، ثم قال بلاك ببرودٍ لا إنساني:

"عندها يبدأ النقاش، وسيكون عليكم… إقصاء أحدكم."

ثم أكمل بصوتٍ ثابت:

"تنتهي اللعبة إذا تم إخراج جميع أفراد المافيا، أو…"

توقف.

"إذا تساوى عدد المافيا مع عدد المدنيين."

عم الصمت القاعة.

ما هذا…؟

هل سنلعب حقاً لعبة المافيا؟

انتظر…قال إن المافيا يقتلون.

هل هذا يعني أنهم…يقتلون بأيديهم؟

شعرتُ بمعدتي تنقبض، لكن صوت بلاك قطع أفكاري فجأة.

"يجب عليكم تكوين خمس فرق."

رفع يده قليلاً.

"كل فريق… يتكون من ستة عشر لاعباً."

ثم صمت لحظة قصيرة، قبل أن يسأل:

"أي أسئلة؟"

وفجأة—

انفجرت القاعة بالأسئلة.

"لقد قلت إن المافيا يقتلون… هل سيقتلون بأيديهم؟!"

"كيف سيستيقظ الطبيب والمحقق والمافيا بالتوالي؟!"

"هل يمكن للمافيا عدم قتل أحد؟!"

"هل يمكن للمحقق أو الطبيب إعلان هويتهما؟!"

"ماذا لو استيقظ أحد المدنيين أثناء الليل ورأى المافيا؟!"

ارتفعت الأصوات، وتداخلت الكلمات، حتى تحولت القاعة إلى فوضى كاملة.

لكن بلاك رفع يده بهدوء.

وفوراً—

ساد الصمت، ثم قال بصوته البارد:

"نعم."

ثم أضاف بلا تردد:

"المافيا… سيقتلون بأيديهم."

ارتجف شيء في صدري، لكن بلاك أكمل وكأن الأمر لا يعني شيئاً.

"سيكون هناك مقنّع واحد في كل غرفة."

ثم قال:

"عند بداية الليل… سيقوم برش غازٍ منوم، بعدها… سنقوم بإيقاظ الأشخاص المعنيين واحداً تلو الآخر."

ثم أضاف:

"وهذا يجيب على السؤالين الثاني… والخامس."

أكمل بهدوء:

"ويجب على المافيا قتل شخصٍ واحد كل ليلة."

ثم قال:

"إلا إذا قام الطبيب بحماية الشخص المستهدف."

توقف لحظة، ثم قال:

"أما بالنسبة لإعلان الطبيب أو المحقق عن نفسيهما…يمكنهم فعل ذلك."

ثم أضاف ببرود:

"لكنني أشك أنكم… ستصدقونهم."

ماذا…؟

إذا كنت أنا المافيا…فهل سأضطر لقتل شخص بيدي؟

هل سأستطيع فعل ذلك…؟

لا…

لا أظن.

لكن صوت بلاك قطع أفكاري مرة أخرى.

"هل هناك أسئلة أخرى؟"

لم يجب أحد.

ساد صمت ثقيل، فقال بلاك أخيراً:

"إذاً… ليبدأ تشكيل الفرق."

وفجأة—

انفجرت القاعة.

الأصوات ارتفعت في كل مكان، والناس بدأوا يتحركون في فوضى عارمة.

خمسة فرق.

ستة عشر شخصاً في كل فريق.

هذا يعني…إذا كنت ضمن فريق واحد…

فإن المافيا سيقتلون أربعة عشر شخصاً على الأقل.

شعرت ببرودة تسري في أطرافي.

وماذا لو…كنت أنا المافيا؟

وماذا لو…كان أحد أصدقائي في فريقي؟

هل يعني هذا أنني سأضطر…إلى قتله بيدي؟

...

تحركتُ بخطواتٍ سريعة وسط الفوضى التي عمّت القاعة، حتى وصلت إلى صاحب العمل، الذي كان يقف محاطاً بجميع رفاقنا تقريباً.

بدا واضحاً أن الجميع تجمعوا حوله بسرعة، وكأنهم يبحثون عن بصيصٍ من العقل وسط هذا الجنون المفاجئ.

ما إن اقتربت حتى التفت إليّ، وقال بنبرةٍ هادئة:

"لقد وصلت في الوقت المناسب."

ثم رفع نظره نحو الجميع، وأردف بجديةٍ واضحة:

"يجب علينا ألا نكون في الفريق نفسه."

ساد صمتٌ قصير، وكأن الجميع فهم مغزى كلامه فوراً.

تقدم نوكس خطوة إلى الأمام وقال:

"أنت محق…"

ثم عقد حاجبيه وهو يحاول حساب الأمر في ذهنه.

"لكن… عددنا خمسة عشر شخصاً. ومع روزي نصبح ستة عشر."

توقف لحظة، ثم أكمل بصوتٍ أثقل:

"بينما عدد الفرق خمسة فقط."

مرّ صمتٌ ثقيل فوق رؤوسنا، قبل أن يقول نوكس ببطء:

"وهذا يعني… أنه لا مفر. لابد أن يكون أحدنا في الفريق نفسه مع البقية."

أومأ سيريون برأسه موافقاً، ثم قال بهدوءٍ حاسم:

"صحيح… ولهذا السبب، سأذهب لأبحث عن فريق من الغرباء."

لم يعترض أحد.

في لعبةٍ كهذه… ربما كان الابتعاد عن الأصدقاء هو الخيار الأكثر أماناً.

أومأ الجميع بالموافقة، وتفرقنا في القاعة، كلٌ منا يبحث عن فريقٍ جديد بين الوجوه المتوترة المنتشرة في المكان.

بدأتُ أتجول ببطء بين المجموعات المتفرقة. كانت الهمسات تتصاعد هنا وهناك، وملامح القلق والخوف مرسومة على الوجوه.

وبينما كنت أبحث بعينيّ… وقعت عيناي على مجموعة مألوفة.

تقدمتُ قليلاً… حتى اتضحت ملامحهم.

كانوا يقفون في دائرةٍ شبه مكتملة.

فروند…

ذو الشعر الأحمر…

الفتاة الشقراء…

صاحب الشعر الأصفر الطويل…

تيروس…

فتاة ذات شعرٍ أسود…

رجل قوي البنية…

شاب بشعرٍ بني طويل…

آخر بشعرٍ أسود…

رجل بعينين خضراوين…

ماركوس…

الطبيب فيلور…

رجل أصلع…

فتاة بعينين زرقاوين…

وفيسبر.

وفور أن لمحني فروند، رفع يده ولوّح بها بحماسٍ خفيف.

"أوه! نيلوت! إلى هنا!"

اقتربت منهم، وأنا أشعر بأن هذه المجموعة… ربما ستكون خياري الوحيد.

ابتسم فروند قليلاً وقال:

"هل ترغب في الانضمام إلى فريقنا؟"

فتحت فمي لأجيب:

"نعم—"

لكن صوتاً قاطعني قبل أن أكمل.

كان فيسبر.

قال بسرعةٍ غير متوقعة:

"أنا أقول لك… اذهب إلى فريقٍ آخر."

رمشتُ بعينيّ باستغراب.

"لماذا؟"

نظر إليّ بقلقٍ واضح، وقال:

"ماذا لو كنتُ أنا المافيا؟"

توقف لحظة، ثم أكمل بصوتٍ منخفض:

"عندها… سأضطر لقتلك."

ساد صمتٌ قصير.

لكن تيروس ضحك بسخرية ورفع حاجبه وقال وهو يشير إلى ماركوس والطبيب فيلور:

"إذاً لا بأس بقتلي أنا والطبيب فيلور وماركوس؟"

ارتبك فيسبر فوراً ولوّح بيديه بسرعة.

"لا، لا… ليس هذا ما أعنيه!"

ثم نظر إليّ وقال بصدقٍ واضح:

"لكن… نيلوت بالنسبة لي مثل أخٍ كبير."

ابتسمتُ ابتسامة خفيفة.

"لا بأس يا فيسبر."

ثم أضفت محاولاً تخفيف التوتر:

"ومن بين ستة عشر شخصاً… ما احتمال أن تكون أنت المافيا أصلاً؟"

صمت فيسبر، لم يجد ما يرد به.

فالتفتُ إلى فروند وقلت:

"سأنضم إلى الفريق."

ابتسم فروند قليلاً وقال:

"إذاً… هكذا أصبح عددنا ستة عشر."

ثم تنحنح وقال بنبرةٍ رسمية:

"حسناً… ليعرّف كل شخصٍ نفسه."

لكن قبل أن يبدأ أحد…انطلقت ضحكة ساخرة.

كانت من صاحب الشعر الأصفر الطويل.

قال وهو يعقد ذراعيه:

"واو… فكرة عظيمة حقاً."

ثم تابع بسخريةٍ واضحة:

"تريدنا أن نتعرف على أسماء الأشخاص… الذين ربما سنقتلهم لاحقاً؟"

ابتسم ابتسامة باردة.

"يا لها من عبقرية."

شدّ فروند فكه قليلاً، وقال ببرود:

"اهتم بشؤونك."

رفع ذو الشعر الأصفر الطويل حاجبه بتحدٍ.

"وإلا ماذا؟"

لكن فروند رد بهدوءٍ متماسك:

"لن أستجيب لاستفزازك."

نظرتُ بينهما للحظة، ثم قلت:

"بالمناسبة…"

التفت الجميع إليّ.

"لماذا أنتما في الفريق نفسه أصلاً؟"

فتح فروند فمه ليجيب:

"ذلك لأن—"

لكن ذو الشعر الأصفر الطويل قاطعه فوراً.

"أليس الأمر واضحاً؟"

ساد صمتٌ قصير، ثم قال بابتسامةٍ مظلمة:

"إذا أصبح أحدنا مافيا…"

وتوقف لحظة قبل أن يكمل:

"فأول شخص سنقوم بتصفيته… سيكون الآخر."

تصلب الجو للحظة، لكن فروند قال بهدوء:

"هو من سيفعل ذلك فقط."

ثم أضاف:

"أما أنا… فلن أفعل."

ضحك ذو الشعر الأصفر الطويل بخفة.

"أوه حقاً؟"

ثم مال قليلاً للأمام.

"إذاً… لماذا انضممت إلينا؟"

رد فروند ببساطة:

"كل ما في الأمر أنني سألتكم إن كان بإمكاني الانضمام… وأنتم وافقتم."

لوّح الأصفر بيده بازدراء.

"وكأنني سأصدق—"

لكن صوتاً آخر قطع التوتر، كان ذو الشعر الأحمر.

قال بهدوءٍ عملي:

"الفكرة جيدة...دعونا نتعرف على أسماء بعضنا أولاً."

أومأ فروند وقال:

"أنا فروند."

تلاه فيسبر:

"فيسبر."

قالت الفتاة الشقراء بابتسامة خفيفة:

"بيول."

ثم قال ماركوس:

"ماركوس."

قلت:

"نيلوت."

قال الرجل الأصلع:

"هارليس."

رفع ذو الشعر الأحمر يده قليلاً:

"كيم سانغ."

قالت الفتاة ذات الشعر الأسود:

"ويندليس."

قال الرجل قوي البنية بصوتٍ عميق:

"سينيو."

قال الطبيب بهدوء:

"فيلور."

رفع صاحب الشعر الأصفر الطويل ذقنه قليلاً:

"بينفيت."

قال الشاب ذو الشعر البني الطويل:

"تشاست."

قال صاحب الشعر الأسود:

"كولديش."

قال الرجل ذو العينين الخضراوين:

"ريبوس."

قالت الفتاة ذات العينين الزرقاوين:

"كانابي."

وأخيراً قال تيروس:

"تيروس."

ساد الصمت للحظة بعد انتهاء التعارف، ثم قال بينفيت متنهداً:

"هل تظنون حقاً أنني سأحفظ كل هذه الأسماء الغريبة؟"

ثم هز رأسه.

"أنتم تحلمون."

ابتسم فروند ابتسامة هادئة أمام الجميع وقال:

"على أي حال… لنلعب بنزاهة."

ساد صمتٌ قصير، لكن كولديش قال بواقعيةٍ باردة:

"لا أظن أن النزاهة ستوجد في لعبةٍ كهذه."

نظر حوله إلى الوجوه المتوترة، ثم أكمل:

"لكن… لنحاول."

وهكذا…وسط الخوف، والشك، والاحتمالات القاتلة…

تشكّل الفريق الذي انضممتُ إليه.

...

مرّت دقائق ثقيلة…دقائق بدت أطول من ساعات.

لم يجرؤ أحد على الكلام.

كان الصمت الذي يملأ القاعة صمتاً قاتلاً، صمتاً يضغط على الصدور حتى يكاد يخنق الأنفاس.

ثم—

دوى صوت بلاك فجأة في أرجاء القاعة.

صوتٌ حاد، بارد، أشبه بجرس إنذار يعلن بداية الكارثة.

"اكتملَ تشكيلُ الفرق."

ارتجفت القاعة للحظة، لا لأن صوته كان مرتفعاً، بل لأن كلماته كانت ثقيلة بما يكفي لتسقط فوق رؤوسنا كالحجارة.

توقف قليلاً…وكأنه يستمتع بالصمت الذي تلا كلماته.

ثم قال بنبرةٍ حاسمة، لا تقبل نقاشاً ولا اعتراضاً:

"اتبعوني."

تحرك.

وتحركنا خلفه.

خطواتنا كانت ثقيلة… مترددة…

كأن كل واحدٍ منا يسير نحو حكمٍ بالإعدام لا مفرّ منه.

لم يكن أحد يتحدث.

لكن العقول…

العقول كانت تصرخ.

كل واحدٍ منا كان ينظر خلسةً إلى رفاقه في الفريق.

يحاول قراءة ملامحهم، يحاول تخمين ما يدور خلف تلك العيون.

أيّهم سيصبح المافيا؟

وأيّهم… سيُقتل أولاً؟

سرنا خلف بلاك عبر ممرٍ طويلٍ بارد.

انعطفنا يساراً، ثم يساراً مرة أخرى.

كلما تعمقنا أكثر في الممر، ازداد شعوري بأننا نغوص في أعماق متاهةٍ لا خروج منها.

وأخيراً…توقف بلاك أمام بابٍ ضخم.

بابٍ معدني ثقيل، بدا وكأنه يفصل بين عالمين.

مدّ أحد المقنّعين يده…ووضع البطاقة، فانفتح الباب ببطء.

ومع انفتاحه…تغيّر كل شيء.

تجمدت خطواتنا للحظة.

المنظر الذي انكشف أمامنا كان مختلفاً تماماً عن العذاب الذي اعتدناه في الألعاب السابقة.

الأرضية كانت بيضاء ناصعة…بياضٌ نظيف يلمع تحت الأضواء الباردة.

الجدران كانت زرقاء باهتة…زرقة تشبه لون السماء قبل هبوب العاصفة.

الغرفة كانت واسعة… هادئة… مرتبة…بشكلٍ مريب.

لكن ما لفت انتباهي فوراً…كان ما يقف في الجهة المقابلة.

خمسة أبواب.

خمسة أبوابٍ مغلقة… مصطفّة جنباً إلى جنب.

بدت كأنها مداخل لمتاهات مجهولة.

ما هذه الأبواب…؟

قبل أن تنطلق أفكاري في بحر الاحتمالات، قاطعني صوت بلاك مجدداً.

"هذه… هي غرفُكم."

أشار بيده نحو الأبواب.

"كلُّ فريقٍ منكم سيدخل باباً من هذه الأبواب."

ساد الصمت لثوانٍ، ثم أكمل بصوته الهادئ البارد:

"ستجدون داخل كل غرفة… مطبخاً صغيراً… مجلساً… وثمانية أسرّة."

قطّب كثيرون حواجبهم.

وثمانية أسرّة…؟

تقدم صاحب العمل خطوة إلى الأمام.

كان أول من كسر الصمت.

قال متجهماً:

"لكن… ثمانية أسرّة فقط؟"

ثم أضاف بنبرةٍ حائرة:

"نحن ستة عشر شخصاً في كل فريق… فكيف سنقتسم المكان؟"

التفت بلاك نحوه ببطء.

نظرته كانت باردة…

باردة إلى حدٍ يجعلها تشبه صقيع الشتاء، ثم قال ببساطة:

"هذا… جزءٌ من اللعبة."

لم يضف كلمة أخرى، وكأن الأمر لا يستحق تفسيراً.

اصطفّ المقنّعون الخمسة أمام الأبواب الخمسة.

وقفوا بثباتٍ تام…كأنهم حراسٌ على أبواب مقابر.

ثم رفع بلاك يده قليلاً وقال:

"ليختر كل فريقٍ منكم المقنّع الذي سيراقب غرفته."

في تلك اللحظة…تحركت الفرق.

ليس بثقة…بل كقطيعٍ مذعور يحاول العثور على أقل طريقٍ خطراً.

تبادلنا النظرات سريعاً.

ثم تحركنا نحن أيضاً.

وقع اختيارنا على سترانج.

كان يقف قرب أحد الأبواب، ساكناً تماماً.

قناعه الأبيض كان مبتسماً…لكنه كان يوحي بشيءٍ غامض… شيءٍ غير مريح.

اقتربنا منه.

وبمجرد أن وصلنا…انحنى قليلاً، كأنما يحيينا بسخرية.

ثم قال بصوتٍ هادئ:

"أوه…"

توقف لحظة، ثم أكمل:

"يبدو أنكم… الأشخاص الذين سأراقبهم."

لم يجب أحد.

الصمت كان سيد الموقف.

ليس لأننا لا نملك رداً…بل لأننا لا نملك ما نقوله أصلاً.

ثم جاء صوت بلاك مرة أخرى…كلمة فاصلة تقطع كل شيء.

"إذاً…"

توقف قليلاً، ثم قال:

"ليدخل كل فريقٍ بابه."

تبادلنا النظرات، ثم مدّ أحدنا يده نحو المقبض.

توقفت أنفاسي للحظة.

فتحنا الباب ببطء…بحذر…كأننا نخشى أن يكون خلفه شيءٌ ينتظر الانقضاض علينا.

ثم…دخلنا.

لكن في تلك اللحظة أدركت شيئاً.

نحن لم ندخل مجرد غرفة.

بل دخلنا…مصيدتنا الخاصة.

غرفةٌ سنقضي فيها الليالي القادمة…نراقب بعضنا البعض.

نحصي أنفاس بعضنا.

ونتساءل كل ليلة…من منا سيستيقظ غداً…

ومن منا…

سيبدأ القتل أولاً.

2026/03/15 · 3 مشاهدة · 2070 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026