دفعنا الباب بحذرٍ شديد.
صريرٌ خافت انطلق من المفصلات المعدنية، كأن الباب نفسه يتأوه من ثقل ما ينتظرنا خلفه.
ثم…دخلنا.
لم تكن الغرفة كما تخيلتها.
كنت أتوقع شيئاً أشبه بسجنٍ قاسٍ، أو قاعةٍ باردة تليق بلعبةٍ عنوانها الموت.
لكن ما وجدناه كان… أبسط بكثير.
وأكثر إزعاجاً.
ثلاثُ أرائك جلديةٍ متآكلة اصطفّت بمحاذاة الجدار، جلدها مشقق كجلد حيوانٍ عجوزٍ أنهكته السنوات.
في وسط الغرفة استقرت سجادةٌ باهتة، لونها أقرب إلى الغبار المتراكم منه إلى أي لونٍ معروف.
خطوت فوقها… فارتفع غبارٌ خفيف، وكأنها لم تُمس منذ زمنٍ طويل.
نظرت نحو المطبخ.
لم يكن يفصل بينه وبين غرفة الجلوس سوى نصف جدارٍ قصير.
مغسلةٌ معدنية صغيرة.
ومن صنبورها…كانت تسقط قطرة ماءٍ بانتظامٍ رتيب.
تيك…
تيك…
تيك…
الصوت كان واضحاً على نحوٍ مزعج، يتردد في الغرفة الفارغة كنبض ساعةٍ تعدّ اللحظات الأخيرة.
على الجدار المقابل، انتصبت رفوفٌ معدنية صدئة.
بداخلها…علب طعامٍ رخيصة، وأكياسٌ قديمة من رقائق البطاطا.
توقفت عيناي عليها لحظة.
لم أتوقع يوماً… أنني سأرى رقائق البطاطا مجدداً في هذا العالم.
وفي قلب المطبخ…طاولةٌ دائرية خشبية، سطحها خشن كأنه نُحت على عجل.
حولها ستة عشر كرسياً بلاستيكياً متراصاً.
ستة عشر.
بعددنا تماماً.
بدت لي للحظة…كأنها منصة إعدام جماعي.
أدرت رأسي نحو غرفة النوم، وألقيت نظرةً سريعة داخلها.
كما قال بلاك تماماً.
ثمانية أسرّة فقط.
مراتب رقيقة موضوعة على هياكل معدنية بسيطة، وأغطية رمادية باهتة كسماءٍ بلا شمس.
لا خزائن.
لا طاولات.
لا شيء.
عدنا إلى غرفة الجلوس.
ساد صمتٌ ثقيل، صمتٌ بدا وكأنه يمتص أصوات أنفاسنا نفسها.
ثم تقدم سترانج خطوة إلى الأمام.
وقف أمامنا بوقارٍ غريب.
قناعه الأبيض انعكس عليه ضوء المصابيح الباردة، فبدا كوجهٍ بلا روح.
قال بهدوء:
"هل انتهيتم من استكشاف الغرف؟"
نظر فروند نحونا، ورفع يده ومسح بها وجهه ببطء، كأنما يحاول إزالة تعب سنواتٍ في ثوانٍ.
ثم قال بضيقٍ واضح:
"نعم… انتهينا."
صمت سترانج.
طويلاً.
كان ينظر إلى الأرضية البيضاء، يتأمل انعكاس الضوء عليها كما لو أنه يقرأ شيئاً لا نراه.
ثم قال أخيراً:
"إذاً… حان وقت تحديد الأدوار."
رفع يديه…وصفق.
في تلك اللحظة—
حدث شيء جعلني أتراجع خطوة إلى الخلف.
من فراغ الهواء نفسه…انبثقت ستة عشر ظرفاً أبيض.
ظهرت فجأة، دون صوت، دون أثر.
كانت تطفو في الهواء أمامنا.
ثابتة.
ساكنة.
كأرواحٍ هائمة تبحث عن أصحابها.
سقطت يدي على حافة الأريكة خلفي، شعرت ببرودة الجلد تحت أصابعي.
كيف…؟
الانتقال الآني للبشر… ربما يمكن تقبله.
لكن…حتى الجماد؟!
هل يستطيعون نقل الأشياء بهذه السهولة أيضاً؟!
أليست هذه… قوة مفرطة؟!
قطع صوت سترانج أفكاري.
"داخل هذه الأظرف…"
قال ببطء.
"تكمن الأدوار التي ستحدد مصيركم."
ساد صمت خانق، ثم أضاف:
"هيا… ليأخذ كل منكم ظرفه."
مرت الدقائق، لكن الزمن لم يعد يُقاس بالدقائق، بل بنبضات القلب.
تقدم بينفيت أولاً، خطواته كانت واثقة بشكلٍ مستفز.
أخذ ظرفه من الهواء وكأن الأمر طبيعي تماماً.
تبعه فروند.
ثم تيروس.
ثم بيول.
ثم فيسبر.
توالت الأيدي.
وتوالت الأظرف.
وأصوات تمزق الورق الخفيف بدأت تقطع الصمت كخناجر صغيرة.
حتى…لم يبقَ سوى ظرف واحد.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
قدماي كانتا ملتصقتين بالأرض، كأنني تمثال من الملح وسط صحراء قاحلة.
هذه الورقة…ستقرر شيئاً واحداً.
هل سأكون قاتلاً…
أم ضحية.
مددت يدي التي كانت ترتجف، حتى أن أصابعي اصطدمت بحافة الظرف قبل أن أمسكه.
كان ملمسه خشناً.
غريباً.
نظرت إليه، كأنه قنبلة موقوتة…سأفجرها بيدي.
أتمنى…
فقط…ألا أكون من المافيا.
فتحت الظرف، أغمضت عينيّ بقوة.
استنشقت هواءً محملاً برائحة الغبار.
ثم…فتحتهما.
كلمة واحدة.
مدني.
خرجت أنفاس من صدري لم أكن أعلم أنها محبوسة هناك.
مدني.
لكنني لم أظهر أي شيء.
إظهار التعبير أثناء فتح الأظرف… ممنوع.
ثبتّ وجهي.
قاسياً.
حجرياً.
أغلقت الظرف بهدوء مصطنع، ثم سلمته لسترانج.
بعد دقائق…انتهى الجميع.
قال سترانج:
"إذاً… تحددت الأدوار."
توقف قليلاً، ثم أضاف بغموض:
"لن أعطي مهاماً اليوم."
صمت، ثم قال:
"المهام… ستبدأ غداً."
نظر إلينا جميعاً.
"يمكنكم التجول."
ثم أشار نحو الباب.
"أما أنا… فسأكون أمام باب الخروج."
تحرك الجميع، ليس كأشخاصٍ أحياء، بل كآلاتٍ مبرمجة.
وأنا…تحركت نحو المطبخ.
رغم الرعب.
رغم أن الموت يتنفس خلف قفصي الصدري.
كان الجوع ينهش معدتي، كأن جسدي… يرفض التوقف عن طلب الحياة.
دخلت المطبخ.
وجدت تيروس جالساً على أحد الكراسي، يحدق في الفراغ.
"أوي… نيلوت."
"أوي… تيروس."
فتحت الرف.
وجدت أكياس رقائق البطاطا التي يكسو الغبار أطرافها.
أخذت واحداً وفتحته.
صوت تمزق الكيس بدا عالياً بشكلٍ غير طبيعي.
جلست بجانب تيروس، وبدأت الأكل.
طعم الملح كان قوياً…مبالغاً فيه، لكنني لم أهتم.
بعد لحظات…دخل فيسبر.
عيناه اتسعتا فجأة.
"أهذه رقائق بطاطا؟!"
ثم قال بحماس:
"أين وجدتها؟!"
أشرت نحو الرف، فبدأ يفتش بجنون.
يقلب العلب الفارغة، ينظر خلف الأكياس، وأخيراً وجد كيساً.
جلس معنا فوراً، وبينما يمضغ الرقائق قال فجأة:
"أتمنى… ألا تكونا من المافيا."
نظرنا إليه.
فتات البطاطا كان عالقاً عند شفتيه.
قلنا معاً:
"ولك… المثل."
فجأة—
دخلت بيول وكانابي، كانتا تضحكان ضحكة عفوية.
غريبة جداً في هذا المكان الكئيب.
اقتربت كانابي من الرف، وأخرجت قطعة شوكولاتة مغلفة بورقٍ فضي باهت.
قالت بيول بسرعة:
"مهلاً… هل هناك قطعة أخرى؟"
تفحصت كانابي الرف.
"لا أظن."
وضعت بيول يدها على كتفها بتوسل طفولي.
"كانابي… رجاءً~"
تأففت كانابي قليلاً، ثم قالت:
"حسناً… خذيها."
قفزت بيول فرحاً وعانقتها.
"كانابي هي الأفضل!"
ثم خرجتا من المطبخ، وضجيج ضحكتهما تلاشى تدريجياً خلف الجدران الزرقاء.
قال فيسبر وهو يمسح يديه بملابسه:
"علاقتهما تبدو جيدة."
قلت ببرود:
"لا أظنهما من المافيا."
تيروس نظر نحو الباب وقال:
"أو ربما… مجرد تمثيل جيد من إحداهما."
صمتنا.
فقط صوت الماء…
تيك…
تيك…
تيك…
فسألت بهدوء:
"بالمناسبة… أين ماركوس وفيلور؟"
قال فيسبر:
"ربما في غرفة النوم."
قال تيروس بصوتٍ خافت:
"أتمنى… ألا يكون أحد من رفاقنا هو المافيا."
نظرت إلى الطاولة الدائرية، إلى الكراسي الستة عشر.
وقلت:
"وأنا أيضاً."
...
غادرتُ المطبخ ببطء.
صوتُ القطرات المتساقطة من الصنبور ظلّ يلاحقني حتى وأنا أعبر الممر القصير المؤدي إلى المجلس.
تيك…
تيك…
تيك…
ذلك الصوت الرتيب كان أشبه بعدّادٍ خفيٍّ يقتطع من أعمارنا ثانيةً بعد أخرى.
دخلتُ المجلس.
كانت الأرائك الثلاث تحتل منتصف الغرفة، وقد جلس عليها عدد من أعضاء الفريق.
فروند.
الطبيب فيلور.
تشاست.
كولديش.
ريبوس.
وسينيو.
كانوا يتحدثون بصوتٍ منخفض، وكأنهم يخشون أن يسمعهم المكان نفسه.
تقدمتُ قليلاً، ثم جلستُ على أحد أطراف الأريكة.
ما إن جلست حتى التفت إليّ كولديش.
كان يراقبني منذ لحظة دخولي، عيناه الضيقتان تحملان مزيجاً من الفضول والحذر.
قال:
"أنت نيلوت… صحيح؟"
أومأتُ قليلاً.
"أوه… أجل."
ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه، ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"رغم أننا لا نعرف بعضنا البعض...لكن أتمنى للجميع النجاة."
نظرتُ إليه، ثم قلت ببساطة:
"وأنا أيضاً."
عندها قال تشاست، وهو يميل للأمام واضعاً مرفقيه على ركبتيه:
"لا أصدق…"
توقف، وكأن الكلمات ثقيلة على لسانه.
"...أن أحداً منا قد يموت بعد هذه الليلة."
رفع رأسه ونظر إلى الوجوه من حوله.
"هل هذه حقاً… الطريقة الوحيدة للنجاة؟"
لم يجب أحد لثوانٍ، ثم قال ريبوس ببرودٍ واقعي:
"وكأننا نملك حلاً آخر."
ساد الصمت.
الصمت الذي يلي جملةً يعرف الجميع أنها الحقيقة.
تبادلنا النظرات بصمت، ثم تنحنح الطبيب فيلور قليلاً.
كان واضحاً أنه يحاول تغيير الجو الخانق.
قال بهدوء:
"حسناً…"
ثم نظر إلى الجميع.
"كيف كانت حياتكم… على الأرض؟"
تبادل الجميع النظرات.
السؤال كان بسيطاً…لكن الإجابة عليه بدت أصعب مما توقعنا.
ابتسم فروند أولاً.
ابتسامة صغيرة، متعبة، وقال:
"حياتي؟"
هز كتفيه.
"لم تكن مميزة."
تنهد قليلاً.
"مجرد عملٍ هنا وهناك… مدير يصرخ… ساعات عمل طويلة…"
صمت لحظة، ثم أضاف:
"...لكن ذلك كان أفضل من هذا المكان."
ضحك بعضنا بخفوت.
ضحكة قصيرة، لكنها حملت مرارة واضحة.
قال ريبوس بعده:
"لا شيء يستحق الذكر."
هز رأسه.
"مجرد حياة عادية."
ثم تكلم سينيو الذي كان صوته أبطأ من البقية.
"أما أنا...فقد كنت على وشك الزواج."
رفع رأسه قليلاً، وكأن الصورة تمر أمام عينيه، ثم قال بصوتٍ أخفت:
"وفجأة… وجدت نفسي في هذا العالم."
ساد صمت قصير، ثم قال كولديش بعدها وهو يفرك يديه ببعضهما:
"أما أنا…"
ابتسم ابتسامة ساخرة من نفسه.
"كنت كاتب روايات."
رفع كتفيه.
"لكن… لم تنجح أي رواية كتبتها."
قالها بخفةٍ مصطنعة، لكن خيبة الأمل كانت واضحة في صوته.
قال تشاست بعده:
"أنا؟"
ضحك بخفة.
"كنت أعمل بدوامٍ جزئي."
ثم قال بمرارة:
"لكن الربح… كان أشبه بخسارة فادحة."
قال الطبيب فيلور:
"أما أنا...فكنت مجرد طبيب."
رفع يده قليلاً.
"مناوبات طويلة… ضغط المرضى… وأوراق لا تنتهي."
ثم ابتسم بتعب.
"حياة الأطباء المعتادة."
ساد صمت قصير، ثم…نظر الجميع نحوي.
تنهدت قليلاً وقلت:
"كنت مجرد طالب جامعي."
نظرت إلى الأرض.
"أدرس ليل نهار."
ثم هززت كتفي.
"لا شيء مميز."
ساد الصمت للحظة، ثم قال تشاست فجأة، بصوتٍ خافت يحمل شيئاً من الأمل:
"إذا…"
توقف قليلاً.
"إذا عدنا إلى الأرض يوماً."
رفع رأسه ونظر إلينا.
"ما رأيكم… أن نلتقي مجدداً؟"
تبادلنا النظرات، ثم أكمل مبتسماً:
"سنبحث لفروند عن عمل أفضل… وندعمه."
ضحك فروند.
"وهل قلت أنني أكره عملي؟"
ثم ابتسم.
"لكن فكرتك… ليست سيئة."
قال تشاست ضاحكاً:
"أما ريبوس...فسنجعل حياته المملة أكثر إثارة."
ابتسم ريبوس لأول مرة.
"أتطلع لذلك."
أكمل تشاست بحماسٍ طفولي:
"وسنذهب إلى زفاف سينيو!"
قال سينيو مبتسماً:
"سأكون مسروراً بذلك."
قال تشاست:
"وسنقرأ روايات كولديش… حتى يصبح كاتباً مشهوراً."
وضع كولديش يده على صدره بتظاهر.
"يا رجل… لقد تأثرت."
ضحكنا، ثم قال تشاست:
"أما أنا… فستذهبون جميعاً إلى المتجر الذي أعمل به."
لوّح بيده.
"وستشترون كل شيء."
ضحكت وقلت:
"بالطبع."
أكمل:
"وسنذهب إلى المستشفى التي يعمل بها فيلور...ونطالب الإدارة بتخفيف عبء العمل عنه."
ابتسم فيلور.
"هذا سيريحني حقاً."
ثم قال تشاست أخيراً:
"أما نيلوت…"
نظر إليّ.
"...فسنذهب جميعاً إلى حفل تخرجه."
ابتسمت قليلاً.
"أتمنى ذلك…"
وفجأة—
"أيها الغبي!"
كان الصوت قادماً من غرفة النوم، فقفزنا جميعاً تقريباً من أماكننا.
توجهنا بسرعة نحو مصدر الصوت.
دخلنا الغرفة، وكان المشهد أمامنا متوتراً إلى حدٍ يكاد ينفجر.
كان بينفيت يمسك بياقة هارليس، وجهه كان مشوهاً بالغضب، وعروقه بارزة في عنقه.
صرخ:
"أعِد ما قلت!"
قال هارليس بسخرية باردة:
"قلت…"
ابتسم ابتسامة مستفزة.
"...أنك أكثر شخص هنا يبدو كأنه مافيا."
صرّ بينفيت على أسنانه، ورفع قبضته، وكان على وشك أن يلكمه.
لكن—
"توقفا!"
صرخ فروند.
تجمدت القبضة في الهواء، ونظر بينفيت إليه، ثم ضحك بسخرية.
"أوه… انظروا من هنا."
أشار إليه.
" إنه مرشح الانتخابات."
ثم قال بتهكم:
"الرجل الذي يتظاهر بالعدالة."
قال فروند ببرود:
"هذا يكفي."
قال بينفيت بانفجار:
"يكفي؟!"
ثم صرخ:
"هذا الأحمق يتهمني بأنني المافيا… وتقول يكفي؟!"
قال كولديش بهدوء:
"الغضب لن يغير شيئاً...لذا اهدأ."
صمت بينفيت لحظة.
صدره يرتفع وينخفض بعنف، ثم زفر بقوة، وترك ياقة هارليس.
ثم استدار وخرج من الغرفة متجهاً نحو المطبخ.
عمّ الصمت.
نظر فروند إلى هارليس، وقال بهدوء:
"لماذا قلت ذلك؟"
رد هارليس بلا تردد:
"لأنه…"
أشار نحو الباب.
"...الشخص الوحيد هنا الذي يبدو وكأنه لا يخاف من قتل أحد."
تنهد فروند، وقال:
"لا تقل ذلك مرة أخرى."
لم يجب هارليس.
ساد الصمت.
ثم بدأ الجميع يتفرقون ببطء، عدنا إلى الغرفة الرئيسية، لكن شيئاً كان قد تغيّر.
الثقة…التي كانت ضعيفة منذ البداية…بدأت تتآكل.
شيئاً…فشيئاً.
...
تنهدتُ بعمق.
شعرتُ وكأن صدري يفرغ هواءً ثقيلاً تراكم فيه منذ ساعات.
جسدي الذي أضناه التوتر بدأ يطالب بحقه في الراحة، عضلاتي تؤلمني وكأنني حملتُ جبلاً فوق كتفيّ طوال اليوم.
لكن عقلي… لم يكن مستعداً للنوم.
الأفكار كانت تدور في رأسي كعاصفةٍ لا تهدأ.
في المجلس، بدأت الأصوات تتجمع شيئاً فشيئاً.
أحاديث متقطعة.
همسات خافتة.
جمل قصيرة عن الغد… عن اللعبة… عن الاحتمالات المرعبة التي تنتظرنا.
كان الوقت يتسلل بيننا ببطء، كأنه لصٌّ حذر يتسلل في الظلام.
حتى…حلَّ وقت النوم.
تجمعنا جميعاً في المجلس.
وقف فروند في منتصف الغرفة، وكأنه يحاول أن يستعيد شيئاً من النظام وسط هذه الفوضى المتشابكة.
رفع رأسه قليلاً، ثم قال بصوتٍ حازم حاول أن يجعله ثابتاً:
"بما أن غرفة النوم لا تحتوي إلا على ثمانية أسرّة…"
توقف لحظة وهو ينظر إلى الوجوه حوله.
"...فعلينا أن نجد طريقةً عادلة لتوزيعها."
أشار بيده نحو الممر المؤدي إلى الغرفة.
"من سينام على الأسرة… ومن سيضطر إلى قضاء الليل هنا على الأرائك؟"
قبل أن يجيب أحد، تقدمت ويندليس بخطوات هادئة.
كان حضورها ثابتاً على نحوٍ مدهش رغم الظروف.
قالت بصوتٍ هادئ لكنه واضح:
"نحن الفتيات عددنا أقل من الرجال."
نظرت إلى الأرائك الثلاث في المجلس.
"لذلك سنكتفي بالنوم هنا."
ثم أشارت إلى الرجال.
"أما أنتم… فعليكم تدبير أموركم في غرفة النوم."
تبادلنا النظرات.
قال كيم سانغ بعد لحظة قصيرة وهو يطوي ذراعيه:
"ويندليس محقة."
ألقى نظرة سريعة على الجميع.
"لا أرى سبباً للجدال."
ثم قال ببرود:
"هل من معترض؟"
ساد صمت قصير، لم يكن صمت موافقة بقدر ما كان صمت تعب.
فالجميع يعلم…أن أي نقاش صغير هنا قد يتحول بسهولة إلى شرارة نزاعٍ أكبر.
تحركنا ببطء نحو غرفة النوم، كانت الغرفة أضيق مما بدت عليه في البداية.
وعندما دخلنا جميعاً…شعرت فجأة بضيق الهواء.
ثلاثة عشر رجلاً.
ثمانية أسرّة فقط.
الرياضيات هنا… لم تكن في صالح أحد.
وقبل أن يبدأ أي نقاش—
اخترق صوت بينفيت الغرفة كطلقٍ ناري.
"سأنام على السرير."
قالها ببرودٍ مستفز.
ثم أضاف وهو يخلع حذاءه بلا اكتراث:
"تدبروا أموركم."
لم ينتظر رد أحد.
استلقى مباشرة على أحد الأسرة، وتمدّد بجسدٍ متصلب.
ثم أدار ظهره لنا، وكأنه أعلن انسحابه من أي محاولة للإنصاف.
تنهد فروند بضيق، ومرر يده في شعره وقال:
"حسناً…"
ثم نظر إلينا.
"علينا أن نقرر بطريقة ما."
صمت لحظة.
"...من سينام على السرير، ومن سينام على الأرض."
قال ماركوس وهو يميل على الحائط:
"ما رأيكم أن نصوّت؟"
التفتت الأنظار إليه، وأكمل:
"نصوّت على الأشخاص الذين نرى أنهم أحق بالنوم على السرير."
أومأ فروند.
"فكرة جيدة."
ثم قال:
"ليصوّت كل واحد منكم لشخصٍ يراه مناسباً للنوم على السرير."
صمت قليلاً.
"...والأشخاص الذين يحصلون على أكبر عدد من الأصوات… سينامون على الأسرة."
قال تيروس وهو يشبك أصابعه:
"حسناً."
ثم أضاف:
"لنبدأ."
وهكذا بدأ التصويت.
الأسماء كانت تتردد في الغرفة…واحداً تلو الآخر.
والنتائج بدأت تتشكل.
الجولة الأولى…
فروند — ثمانية أصوات.
الجولة الثانية…
تشاست — ستة أصوات.
الجولة الثالثة…
ماركوس — ستة أصوات.
الجولة الرابعة…
أنا — خمسة أصوات.
الجولة الخامسة…
فيلور — أربعة أصوات.
الجولة السادسة…
فيسبر — ثلاثة أصوات.
الجولة السابعة…
كولديش — صوتان.
عندها—
انفجر هارليس فجأة.
"ماذا؟!"
نظر حوله بغضب.
"صوت واحد فقط؟!"
قال كيم سانغ ببرود وهو يرفع حاجبه:
"وأنا أيضاً."
ثم قال بنبرة جافة:
"لا تكن طفلاً يا هارليس."
حتى تيروس…كان وجهه شاحباً من الإحباط.
نظر إليّ… ثم إلى فيسبر… ثم إلى ماركوس وفيلور.
وقال بصوتٍ خافت:
"لماذا لم يحالفني الحظ؟"
شعرت بوخزة ذنب خفيفة، فقلت:
"لقد صوّتُّ لك في جولتي."
ثم أضفت:
"لكن بعد أن فزتُ… لم يعد لي حق التصويت."
أومأ الآخرون.
القواعد كانت واضحة، وصارمة.
حاول فروند أن يخفف الأجواء بابتسامة متعبة، وقال:
"لا بأس يا رفاق."
ثم أضاف:
"غداً يمكننا تبديل الأماكن."
وأشار إلى الأسرة.
"الجميع سيحصل على دوره."
ثم صفق بيديه مرة واحدة، كأنه يعلن نهاية هذا اليوم الطويل.
بعد لحظات—
أُطفئت الأنوار.
غرقت الغرفة في ظلامٍ كثيف.
لم يبقَ سوى أصوات أنفاسنا، وخشخشة الأغطية.
تمدّدت على السرير الذي حصلت عليه.
لكن…لم أشعر بأي راحة، كان السرير قاسياً، وبارداً.
وكأن الخشب تحته يرفض أن يمنحني طمأنينة زائفة.
فتحت عيني في الظلام.
ونظرت إلى السقف الذي لم أره.
الليلة…ستكون أول ليلة في اللعبة.
الليلة…أحدنا سيموت.
وأحدنا…سيتحول إلى قاتل.
قاتل يعيش بيننا.
يتنفس معنا.
ينتظر اللحظة المناسبة ليغرس أنيابه في رقبة ضحيته.
شدَدتُ الأغطية حولي.
حاولت أن أغمض عيني.
لكن فكرة واحدة ظلت تتردد في رأسي بلا توقف…
أتمنى…أن لا يموت أحد من رفاقنا.
وأتمنى…
أن لا أكون أنا ذلك الشخص.