فتحتُ عينيَّ ببطء.

كان الضوء ذاته يحدق في وجهي… ذلك الضوء البارد الباهت الذي لا يفرّق بين فجرٍ وليل، بين بدايةٍ ونهاية.

نظرتُ إلى السقف.

السقف نفسه… رمادي، صامت، كأنه شاهدٌ أبديّ على عذابٍ لا ينتهي.

إذاً… لقد جاء اليوم التالي.

اليوم الذي خشينا شروق شمسه.

اليوم الذي كنا نعلم… في أعماقنا… أن أحدنا لن يراه.

تنفست ببطء، وشعرت بثقلٍ غريب يضغط على صدري.

الأرق كان قد حفر أخاديده في رأسي طوال الليل، كأن عقلي ظل مستيقظاً يحرس مخاوفي حتى طلوع الصباح.

رفعت جسدي بصعوبة.

المرتبة تحت ظهري كانت قاسية، باردة، كأنها قطعة حجرٍ لا سرير.

نظرت حولي.

على الأسرة المجاورة، كان فيسبر ممدداً بلا حركة، ذراعه تتدلى من حافة السرير.

أما تيروس فقد انكمش على نفسه كطفلٍ يبحث عن دفءٍ مفقود.

كولديش كان مستلقياً على ظهره، وجهه متجهم حتى في نومه، وكأنه لا يستطيع الهروب من عبء التفكير.

وهارليس… كان يتقلب بقلق، جبينه متجعد، كأن كوابيسه ترفض أن تتركه حتى في النوم.

لكن شيئاً ما… كان خاطئاً.

نظرت إلى بقية الأسرة.

فارغة.

خالية.

بردٌ مفاجئ تسلل إلى صدري، كأن يد الموت مرّت فوق قلبي.

نهضت من السرير ببطء، قدماي لامستا الأرضية الباردة.

سرت نحو باب الغرفة بخطوات مترددة، بينما القلق كان يتسرب إلى عروقي شيئاً فشيئاً.

فتحت الباب، وخرجت إلى المجلس.

كانوا هناك.

فروند.

ريبوس.

كيم سانغ.

فيلور.

بينفيت.

وتشاست.

وقفوا متجمعين في حلقة ضيقة قرب منتصف الغرفة، وكأنهم أسرى فكرةٍ مرعبة لا يستطيع أحدهم نطقها.

وجوههم كانت شاحبة على نحوٍ مقلق… شاحبة كأن الحياة قد انسحبت منها.

أنفاسهم مضطربة.

والصمت بينهم… كان أثقل من أي كلام.

تقدمت خطوة، ثم سألت بصوتٍ مبحوح خرج من حنجرتي بصعوبة:

"ما الذي يجري؟"

التفتت الرؤوس نحوي.

في تلك اللحظة…ساد صمتٌ خانق.

صمتٌ طويل، ثقيل… صمتٌ قال كل شيء قبل أن ينطق أحدهم بحرف.

خفض فروند رأسه قليلاً، وعيناه تحدقان في الأرض كأنه يبحث فيها عن إجابة، ثم قال بنبرة مرتعشة:

"لقد بحثنا…"

توقف لحظة، وكأن الكلمات تخنقه.

"...بحثنا في كل زاوية من هذه الغرفة."

رفع رأسه ببطء.

"عن جثة الشخص الذي كان يجب أن يسقط الليلة…"

صمت، ثم أكمل بصوتٍ خافت:

"...لكننا لم نجد أحداً."

رمشت بعينيّ غير مصدق.

"ماذا…؟"

شعرت للحظة بشعاع أملٍ أحمق يمر في صدري، فقلت بسرعة:

"أليس هذا شيئاً جيداً؟"

نظروا إليّ بصمت.

أكملت بلهفة:

"ربما الطبيب أنقذ أحدنا! ربما المافيا فشلت في قتل ضحيتها!"

لكن قبل أن يكمل الأمل كلمته…قطع كيم سانغ كلامي بصوتٍ حاد كالسيف:

"سينيو… مفقود."

تجمدت الدنيا للحظة.

الكلمة سقطت عليّ كصاعقةٍ شقت السماء.

"ماذا…؟"

قال بينفيت وهو يسند ظهره إلى الجدار، نبرته ساخرة كعادته:

"لقد بحثنا عن الأصلع في كل مكان."

رفع كتفيه بلا مبالاة.

"...لم نجد له أثراً."

ثم ابتسم ابتسامة باردة.

"لقد تبخر."

اتسعت عيناي.

"وكيف…؟!"

ارتفع صوتي رغماً عني.

"كيف يختفي إنسان من غرفة مغلقة؟!"

ضحك بينفيت بخفة.

"لو كنا نعرف…"

نظر إلى الجميع بازدراء.

"...لما كنا نقف هنا نتجادل كالجرذان في مصيدة."

قال فيلور وهو يحاول أن يتشبث بأي خيطٍ من المنطق:

"ربما… سترانج يعرف شيئاً."

في تلك اللحظة…تحولت كل الأنظار نحو الباب.

ذلك الباب الأبيض الثقيل… الذي يفصلنا عن الخارج.

عن الحقيقة.

تمتم فروند بصوتٍ خافت:

"معك حق…"

ثم تنهد.

"...لكن الباب مغلق من الخارج."

رفع عينيه نحو السقف.

"نحن عالقون هنا."

ساد الصمت، ثم بدأ الجميع يتفرقون ببطء.

أجساد تتحرك بلا روح… وعقولٌ تائهة تضربها عواصف الظنون.

توجهت نحو المطبخ.

لم أكن جائعاً، لكنني كنت بحاجة إلى فعل أي شيء… أي شيء يثبت لي أنني لا أزال حياً.

فتحت إحدى العلب المعدنية، نظرت إلى الطعام البارد داخلها دون اهتمام.

سينيو…

الرجل الذي كان بالأمس فقط يتحدث عن حلمه.

عن بيت.

عن زواج.

عن حياةٍ بسيطة… لكنه كان يتمسك بها ككنز.

كيف يمكن لحلمٍ كامل…أن يتبخر في ليلة؟

قطع أفكاري صوتٌ خلفي.

"لقد سمعت…"

استدرت.

كان ماركوس يقف هناك، وجهه منكسر.

"...سينيو مفقود."

أومأت بصمت، لم أجد كلمات أقولها.

الحزن هنا…لا يُواسى.

تنهد ماركوس وبدأ يفتش عن الطعام بصمتٍ آلي، كأنه يؤدي حركةً بلا معنى.

مر الوقت ثقيلاً.

ثقيلاً كدهرٍ محبوس داخل زجاجة.

عدت إلى المجلس، وجلست على الأريكة، وما إن لامس جسدي الجلد البارد حتى—

"كلاك."

تجمدت أجسادنا جميعاً، والتفتت الرؤوس نحو الباب.

ببطء…فُتِحَ الباب، ودخل سترانج.

خطواته هادئة… كعادته، كأن شيئاً لم يحدث.

اندفع فروند نحوه فوراً، ثم صرخ بصوتٍ يملؤه اليأس:

"أين سينيو؟!"

اقترب خطوة أخرى.

"ماذا فعلتم به؟!"

نظر سترانج إليه بصمت.

صمت طويل… مستفز، ثم قال ببرودٍ آلي:

"هدوء."

توقف لحظة، ثم قال بنبرة رتيبة كأنه يتلو تقريراً:

"حان وقت الإعلان عن الشخص الذي انتهت حياته الليلة الماضية."

تجمد الدم في عروقي.

إذاً…

سينيو…

قاطع أفكاري صوته:

"العمر: سبعة وعشرون عاماً. الجنسية: روسي. الحالة: عازب… كان يحلم بالزواج."

ثم صمت لثانية وقال:

"الاسم… سينيو."

توقف، ثم نطق الحكم.

"هذا الشخص… مات."

اختفى الإحساس من قدميّ.

انهرت على الأرض.

رغم أننا كنا نعلم…رغم أن القواعد كانت واضحة منذ البداية…إلا أن اصطدام الحقيقة بالواقع كان كارتطام صخرةٍ بقفصٍ صدري.

لماذا هو؟

لماذا الرجل الذي حدثنا بالأمس عن أحلامه؟

بالأمس فقط…كان يضحك.

كان يبتسم.

كنا نعده بالاحتفال بزفافه.

والآن…صار مجرد اسمٍ في قائمة الموتى.

انزلقت دمعة واحدة على وجنتي دون أن أشعر.

انفجرت بيول وكانابي بالبكاء.

نحيبهما كان يمزق صمت الغرفة.

أما ويندليس…فقد وقفت كتمثالٍ من رخام.

يدها تعتصر الأخرى حتى ابيضت مفاصلها، تحاول التماسك وسط العاصفة.

فروند، كولديش، كيم سانغ، وريبوس…كانوا في حالة ذهول.

أفواه مفتوحة… بلا صوت.

أما فيسبر، ماركوس، وتيروس…فقد غمرهم حزنٌ ثقيل كالحبر.

قال فروند بصوتٍ مرتعش:

"إذا مات…"

توقف.

"...فأين جثته؟"

رفع عينيه نحو سترانج.

"كيف يموت إنسان… ولا نجد له أثراً؟"

للحظة…تعلقت أنفاسنا بالأمل.

ربما…ربما كان يكذب.

لكن سترانج قال ببرود:

"جثته… قد تلاشت."

صرخ كولديش:

"ماذا تعني بتلاشت؟!"

أجاب بلا اكتراث:

"كما سمعت...لم يعد لها وجود مادي في هذا المكان."

فجأة—

اندفع ريبوس كالمجنون.

هجم على سترانج وأمسك بياقته بعنف.

"أنت تكذب!"

الدموع كانت تنهمر من عينيه.

"أنت شيطان كاذب!"

صرخ:

"أين هو؟!"

ارتجف صوته.

"كنا بالأمس فقط نتحدث عن أحلامنا!"

ضرب الأرض بقدمه.

"لماذا هو؟! لماذا ليس أي شخصٍ آخر؟!"

اندفع فروند وكيم سانغ وسحباه بعيداً.

كان يصارعهم ويصرخ بجنون:

"لماذا هو؟!"

قال فيلور بصوتٍ هادئ منكسر:

"إنه يقول الحقيقة يا ريبوس…"

خفض رأسه.

"...لقد رحل."

استدار ريبوس نحونا بوجهٍ محمر.

"كيف تكونون هادئين هكذا؟!"

صرخ:

"سينيو مات! لم يعد بيننا! هل ماتت قلوبكم معه؟!"

ارتفع بكاء بيول وكانابي أكثر.

أما البقية…فبقوا صامتين.

صمتاً يقطر عجزاً.

وضع فروند يده على كتف ريبوس وقال بصوتٍ ميت:

"اهدأ…"

تنهد.

"...كنا نعلم منذ البداية."

نظر إلى الجميع.

"...أن أحدنا سيصير ذكرى."

سقطت يدا ريبوس إلى جانبيه، وحدق في الأرض بضياع.

وفي تلك اللحظة…لم يمت سينيو وحده، بل مات شيء آخر معنا.

مات جزءٌ من ثقتنا ببعضنا، ومع كل نبضة قلب…كانت إنسانيتنا تُدفن ببطء…

تحت بلاط الغرفة الزرقاء.

...

سكن نحيب ريبوس تدريجياً.

لم يتوقف تماماً… لكنه تحول إلى شهقاتٍ متقطعة، شهقات رجلٍ يلهث كغريقٍ خرج للتو من قاع البحر بعد أن فقد الأمل في النجاة.

كان منحنياً إلى الأمام، كفاه تستندان إلى الأريكة، وصدره يرتفع ويهبط بعنف.

العينان اللتان احمرّتا من البكاء ظلّتا معلقتين في الفراغ، كأنهما ما زالتا تبحثان عن صورة سينيو في الهواء.

بقي الصمت للحظات.

صمتٌ ثقيل، خانق… يلتف حول الغرفة مثل ضبابٍ بارد.

ثم أخيراً…كسر فروند ذلك السكون.

رفع رأسه ببطء، ثم وجه نظره نحو فيلور، وقال بنبرةٍ يملؤها الارتياب:

"وكيف تكون متأكداً هكذا يا فيلور؟"

توقف لحظة، ثم أكمل:

"كيف تجزم أن كلمات سترانج… هي الحقيقة المحضة؟"

التفتت الأنظار نحو الطبيب.

كان فيلور واقفاً بالقرب من الحائط، وملامحه ساكنة على نحوٍ غريب.

رفع يده ببطء، وعدّل نظارته على جسر أنفه.

انزلقت العدسات للحظة تحت الضوء الأبيض البارد، فأخفت عينيه خلف بريقٍ باهت.

ثم قال بصوتٍ منخفض، أجوف كأنه يأتي من مكانٍ بعيد:

"في الألعاب السابقة…"

توقف قليلاً.

"...كان بلاك يقوم بجمع الجثث."

لم يتحرك أحد.

واصل فيلور:

"كان يأخذ كل جثة… فور خروج الروح منها."

رفع عينيه نحونا.

"...وينقلها آنياً."

في تلك اللحظة…شعرت بشيءٍ يتحرك داخل رأسي، كأن تروساً صدئة بدأت تدور ببطء داخل عقلي.

قطع كولديش الصمت وهو يميل برأسه قليلاً إلى الجانب، وعيناه تضيقان في تفكيرٍ حذر:

"وما الذي يعنيه هذا؟"

لم يجب فيلور فوراً، بل ظل صامتاً.

صامتاً إلى درجة أننا بدأنا نسمع صوت أنفاسنا.

وصوت الماء المتساقط من صنبور المطبخ…

تيك…

تيك…

تيك…

ثم رفع الطبيب رأسه فجأة، وقال:

"سأسألكم سؤالاً واحداً."

نظر إلى كل واحد منا.

واحداً… واحداً.

ثم ألقى سؤاله كقنبلةٍ صامتة:

"هل رأى أحدٌ منكم… جثةً واحدة… منذ أن وطأت أقدامنا هذا العالم؟"

ساد الصمت.

صمتٌ مطبق.

تبادلنا النظرات ببطء، نظراتٍ فارغة… مرتبكة… مشوشة.

فروند هز رأسه ببطء.

كولديش عبس.

ماركوس قطب حاجبيه.

أما أنا…فشعرت ببرودةٍ تزحف عبر ظهري.

لا أحد.

لم يرَ أحدٌ منا جثة.

تابع فيلور كلامه بصوتٍ أكثر انخفاضاً، وصبغته نبرة حزنٍ ثقيل:

"من الواضح… أن لا أحد منكم رأى الموت وجهاً لوجه هنا."

ثم تنهد.

"...أما أنا."

رفع نظره قليلاً.

"فقد رأيت الكثير."

ساد الصمت مجدداً، ثم قال:

"رأيت جثثاً… تتلاشى كالدخان بعد موتها بوقتٍ قصير."

توقف.

"...تختفي."

رفع كفه قليلاً في الهواء.

"وكأن الأرض لم تحملها يوماً."

تجمدنا جميعاً.

كانت الكلمات تتسلل إلى عقولنا ببطء… لكنها كانت تترك خلفها رعباً صامتاً.

نحن…في عالمٍ يمحوك بمجرد انتهاء دورك فيه.

تمتم فروند بمرارة:

"إذاً…"

خفض رأسه.

"...سترانج صادق."

ثم قال بصوتٍ مكسور:

"سينيو لم يمت فحسب…لقد مُحي."

ساد الصمت، كان الصمت الآن مختلفاً.

أثقل.

أعمق.

كأن الغرفة نفسها حزنت معنا.

كنا عالقين داخل زنزانة أحزاننا…حين اخترق صوت سترانج ذلك السكون مثل شفرةٍ باردة.

"هل انتهيتم من رثاء الموتى؟"

التفتت رؤوسنا نحوه.

كان يقف قرب الباب، واقفاً بلا حركة، كحارس مقبرةٍ قديمة، وقال ببرود:

"حان وقت الجد."

ثم أضاف:

"حان وقت النقاش...وإقصاء واحدٍ منكم."

تجمدت الأنفاس.

النقاش...الكلمة التي تعني شيئاً واحداً فقط.

أننا…سنختار ضحية جديدة.

من القاتل؟ من الذي غرس نصله في أحلام سينيو الليلة الماضية؟

بدأت النظرات تتحرك بيننا.

نظرات حادة.

مريبة.

مسمومة.

الكل يشك في الكل.

قال سترانج وهو يشير بيده نحو المطبخ:

"تحركوا."

ثم أضاف:

"الطاولة… تنتظر."

سرنا خلفه ببطء، خطواتنا كانت ثقيلة… مترددة كخطوات سجناء يُساقون نحو منصة الإعدام.

دخلنا المطبخ، وجلسنا حول الطاولة الدائرية.

الستة عشر كرسياً…لكن أحدها الآن بدا مختلفاً.

فارغ.

موحش.

كأن الفراغ نفسه يجلس عليه.

وفجأة—

انفجر ريبوس.

ضرب الطاولة بقبضته، ثم أشار بإصبعه المرتجف نحو بينفيت.

"القاتل هو بينفيت!"

ارتفعت أصوات الأنفاس.

صرخ ريبوس:

"هو الوحيد الذي يملك ذلك الغل في قلبه!"

انتفض بينفيت من كرسيه، وبرزت عروق جبهته بوضوح.

"ماذا؟!"

قال بسخرية حادة:

"يبدو أنك تتقن الهجوم لتدافع عن نفسك."

اقترب قليلاً.

"...حتى تمثيلية بكائك تلك."

ابتسم بسخرية.

"كدت أصدقها… لولا أنك بالغت قليلاً."

اشتعل وجه ريبوس غضباً.

"كيف تجرؤ على الاستهزاء بحزني؟!"

ضرب الطاولة مرة أخرى.

"لقد تجاوزت حدودك!"

ضحك بينفيت ببرود.

"أوه… وأنا؟"

رفع حاجبه.

"ألم تتجاوز حدودك حينما اتهمتن-"

"هدوء."

الكلمة خرجت من فم سترانج.

كلمة واحدة، لكنها أوقفت الجدال فوراً.

نظر إلينا وقال:

"سنسمع رأي كل واحد منكم."

توقف لحظة.

"...ومن يشك فيه."

ثم أشار بيده إلى كولديش.

"سنبدأ بك، ثم من هم على يمينك."

تجمدت الأنظار على كولديش.

فرك ذقنه ببطء، بدت عليه علامات التفكير، ثم قال أخيراً:

"أنا… أشك في هارليس."

قفز هارليس من مكانه.

"ماذا؟!"

قال بصدمة:

"لماذا أنا؟!"

أجاب كولديش ببرود:

"لأنك كنت صامتاً تماماً عندما أُعلن خبر الموت."

حدق فيه.

"لم تظهر عليك ذرة تأثر."

صرخ هارليس:

"وبينفيت أيضاً كان صامتاً!"

التفت بينفيت إليه بغضب.

"لا تشركني في قذارتك!"

قال كولديش بهدوء:

"صمت بينفيت جزء من طبيعته الجافة."

ثم نظر إلى هارليس.

"...لكن صمتك أنت."

توقف لحظة.

"كان مريباً."

فقال هارليس بغضب:

"وهل صمتي سبب لتشك ب-"

"التالي."

قالها سترانج.

تنحنح كيم سانغ، ثم رفع عينيه، ونظر مباشرة إلى فيلور.

وقال:

"أظن… أن فيلور هو القاتل."

"ماذا؟!"

خرجت الكلمة مني دون تفكير.

قلت بسرعة:

"هذا مستحيل!"

لكن فيلور…لم يتحرك، لم يتغير تعبيره، ظل هادئاً.

هادئاً على نحوٍ مخيف، ثم قال بصوتٍ ثابت:

"حسناً...ولماذا تظن ذلك؟"

قال كيم سانغ ببرود:

"لأنك بقيت هادئاً جداً."

أشار بيده نحوه.

"هدوء لا يليق بصديق فقد رفيقه."

أجاب فيلور:

"لقد مررت بالموت ألف مرة في مهنتي."

ثم قال ببساطة:

"...لم يعد الموت يدهشني."

تدخلت فوراً:

"نعم!"

قلت بحماس:

"فيلور طبيب، مهمته الإنقاذ… لا القتل!"

قال تيروس مؤيداً:

"صحيح! أشك أن فيلور يستطيع إيذاء نملة حتى!"

لكن كيم سانغ لم يتراجع، بل ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:

"هذا بالضبط ما يجعلني أرتاب فيه."

نظر إلى الجميع.

"بما أنه رأى الكثير من الجثث...وعاشر الموت."

اقترب قليلاً من الطاولة.

"...ألن يكون القتل بالنسبة له مجرد إجراء روتيني؟"

توقف لحظة، ثم قال:

"ألن يكون الأكثر مهارة في إنهاء حياة شخصٍ ما؟"

سقطت الكلمات عليّ كالمطر البارد.

تجمدت في مكاني.

ببطء…التفت نحو فيلور.

كان ينظر إلى كيم سانغ من خلف نظارته.

عيناه…ساكنتان.

غامضتان.

لا تعطيان أي إجابة.

وفجأة…تسلل الشك إلى صدري.

مهلاً…

هل يمكن؟

لا…

لا… هذا مستحيل…

لكن…لا شيء مستحيل في هذه اللعبة.

نظرت إلى فيلور، وفي داخلي صرخت:

دافع عن نفسك…

قل شيئاً…

لا تترك هذا الشك ينهشنا!

لكن فيلور…ظل صامتاً.

وصمته…كان يصرخ بألف سؤال.

2026/03/24 · 5 مشاهدة · 2008 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026