كان فيلور ما يزال غارقاً في سكونه.
لم ينطق ببنت شفة، ولم تتغير ملامحه قيد أنملة، كأن الاتهامات التي تتساقط عليه ليست سوى قطرات مطرٍ باردة ترتطم بجدارٍ صخريٍ لا يلين.
لكن ذلك الصمت…ذلك الصمت بالذات…
كان يحرقني من الداخل.
شعرتُ بشيءٍ يغلي في صدري، يغلي ببطءٍ كمرجلٍ محكم الإغلاق.
صررتُ على أسناني حتى شعرت بألمٍ حادٍ يتسلل إلى فكي، بينما كانت أصابعي تنقبض فوق حافة الطاولة.
لا… هذا لا يمكن أن يستمر.
رفعت رأسي فجأة، وانفجرت الكلمات من صدري كطلقةٍ مزقت سكون الغرفة.
"هذا هراء!"
ارتدت الأصوات داخل المطبخ كصدى حاد، والتفتت الرؤوس نحوي دفعةً واحدة.
تابعت بصوتٍ جهوريٍ يكاد يرتجف من الغضب:
"من المستحيل… بل من سابع المستحيلات أن يكون فيلور هو القاتل!"
ساد الصمت، ثم تحرك كيم سانغ.
استدار نحوي ببطءٍ شديد، كأن الزمن نفسه يتباطأ حوله.
مال رأسه قليلاً إلى الجانب، وراح يحدق في وجهي بنظرةٍ طويلة… فاحصة… باردة.
كانت نظرةً مميتة في هدوئها.
رفع حاجبه قليلاً وقال بصوتٍ منخفض، يكاد يقطر سخرية:
"همم…"
توقف لحظة.
"...ومن أين لك هذا اليقين المطلق يا نيلوت؟"
مال إلى الأمام قليلاً فوق الطاولة، وعيناه لا تزالان مثبتتين في عينيّ.
"ما الذي يجعلك تضع رأسك على المقصلة دفاعاً عنه؟"
شعرت بقلبي يخفق بعنف داخل صدري، لكنني لم أتراجع.
ضربت الطاولة براحة يدي وقلت بانفعال:
"لأنه كان معنا بالأمس!"
تردد صدى الضربة في الغرفة.
تابعت، بينما كان الدم يغلي في عروقي:
"لقد جلس معنا… هناك تماماً!"
أشرت إلى المجلس.
"استمع لأحلام سينيو… شاركنا تلك اللحظات الإنسانية الهشة…"
توقفت لحظة، ثم قلت بحدة:
"لن يكون هناك بشريٌ قاسي القلب إلى درجة أن يغتال شخصاً فتح لنا قلبه!"
انحنى كيم سانغ قليلاً إلى الخلف في كرسيه.
ثم…ضحك.
ضحكة قصيرة، جافة، خالية تماماً من أي مرح.
"هاه…"
هز رأسه ببطء.
"هذا ليس دليلاً يا نيلوت."
رفع إصبعه قليلاً.
"هذا… مجرد عاطفة ساذجة."
سكت لحظة، ثم أضاف بصوتٍ أخفض:
"بل قد يكون العكس تماماً."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، ابتسامة باردة… مقلقة.
"ربما فعل ذلك عمداً."
حدق فينا واحداً واحداً.
"ربما كان قربه من الضحية هو الستار المثالي لإبعاد الشبهات عنه."
ثم قال ببطءٍ كأنه يشرح حقيقة لا جدال فيها:
"القتلة الأذكى… هم الذين يمسحون دموع الضحية… قبل أن يذبحوها."
ارتعش شيءٌ ما في صدري، لكن قبل أن أتكلم—
انفجر ماركوس فجأة.
"هذا يكفي!"
ضرب الطاولة بقبضته، ثم قال بغضب:
"فيلور ليس خبيثاً! ولا يملك تلك النفسية الملتوية التي تتحدث عنها!"
ثم قال بحدة:
"أنت تفرط في التخيل يا كيم سانغ!"
ساد صمت ثقيل، صمتٌ جعل صوت أنفاسنا يبدو عالياً بشكلٍ مزعج.
جال كيم سانغ بنظره بيننا ببطء.
وجهه كان خالياً من أي تعبير… سوى لمعة خفيفة من الحيرة، ثم قال أخيراً:
"أنا حقاً… لا أفهم."
توقف لحظة.
"...لماذا تمنحونه هذه الثقة العمياء."
تبادلنا النظرات، وأكمل بصوتٍ بارد:
"هل لأنكم تعتقدون أن الصداقة… درع يحميكم هنا؟"
ضحك بخفة.
"إن كان هذا ما تظنون… فعليكم أن تستيقظوا بسرعة."
اقترب قليلاً من الطاولة، ثم قال:
"في لعبةٍ كهذه...الصداقة ليست سوى عبء."
خفض صوته.
"عبء… سيقودكم مباشرةً إلى القبر."
انطبق الصمت على الغرفة كفكٍ هائل.
لم أجد في رأسي كلمة واحدة أرد بها، لأن… جزءاً مني كان يعرف أنه محق.
في هذا العالم…الثقة ليست فضيلة.
بل...نقطة ضعف.
وفجأة—
تحرك فيلور.
رفع يده ببطءٍ مدروس، ثم عدّل نظارته التي عكست ضوء الغرفة الأبيض البارد.
كانت العدسات تخفي عينيه للحظة.
ثم قال بصوتٍ هادئ… مستقر… كصوت طبيبٍ يشرح حالة مريض:
"ربما رأيت من الموت… ما يكفي لملء مقبرة كاملة."
توقف لحظة.
"...لكنني لم أقتل أحداً."
رفع نظره إلينا.
"ولن أفعل."
ثم قال بهدوءٍ لا يتزعزع:
"يدي خُلقت لتضميد الجراح."
أنزل كفيه إلى الطاولة.
"...لا لصناعتها."
حدق فيه كيم سانغ طويلاً، كانت عيناه لا تزالان تشعان بالشك، ثم قال أخيراً:
"ربما."
رفع كتفيه قليلاً.
"لكنني ما زلت أضعك في دائرة الاتهام...ولن تخرج منها بسهولة."
أومأ فيلور بهدوء.
"حسناً."
ثم قال ببساطة:
"في وضعنا هذا… لا يوجد ما أستطيع فعله سوى قول الحقيقة."
ساد الصمت مجدداً، ثم—
"التالي."
صوت سترانج.
بارد، وآلي، وكأنه حكمٌ يُتلى من آلةٍ بلا روح.
تنحنح ماركوس، كان التردد واضحاً في عينيه، ثم قال بصوتٍ منخفض:
"أنا…"
توقف لحظة.
"...أشك في بينفيت."
تنهد بينفيت ببطء، ثم زفر هواءً ساخناً من صدره.
"يا للإبداع."
قالها بنبرة ملؤها الضجر.
"ما الذي فعلته هذه المرة لأستحق شرف المقصلة؟"
قال ماركوس:
"ببساطة...لم تبدِ أي اهتمام عندما علمنا بموت سينيو."
توقف لحظة.
"كنتَ بارداً… وكأن الأمر لا يعنيك."
ضحك بينفيت ضحكة ساخرة.
"ولماذا يجب عليّ أن أمثل الحزن؟"
أشار بيده بازدراء.
"أنا لم أتحدث معه ولو لمرة واحدة."
ثم قال ببرود:
"هل تريدون مني أن أبكي على غريبٍ لم يجمعني به حتى سلام؟"
تدخل كولديش، صوته هادئ… لكنه غامض.
"بما أن بينفيت مغرورٌ لا يرى أحداً غير نفسه…"
نظر إليه.
"...فلا يمكنني الجزم إن كان هذا بروداً طبيعياً."
توقف لحظة.
"...أم برود قاتلٍ محترف."
احتقن وجه بينفيت غضباً.
"لو أنك أغلقت فمك...لكان ذلك أفضل!"
"التالي."
قطعهم صوت سترانج مجدداً بلا انفعال، وبلا اهتمام.
جال تشاست بنظراته بيننا ببطء، توقف عند زاوية الطاولة، ثم قال فجأة:
"أظن… أن القاتلة هي ويندليس."
شهقة صغيرة انطلقت من فم ويندليس، واتسعت عيناها خلف خصلات شعرها.
"ماذا؟!"
قالت بصدمة.
"...أنا؟!"
رفعت حاجبيها.
"وعلى أي أساس بنيت هذا الاتهام؟"
قال تشاست بهدوء:
"لأنك طوال الوقت… كنتِ منعزلة، لم أرك تتحدثين مع الفتيات."
ثم أضاف:
"...بل كنتِ تتجنبين الجميع، أليس هذا سلوك شخصٍ يخفي شيئاً؟"
اشتعل وجه ويندليس بحمرة الغضب.
"هذا لأنني…"
تلعثمت.
"...لأنني لست اجتماعية!"
خفضت نظرها قليلاً.
"أنا… لا أجيد الحديث مع الغرباء، الأمر ليس بيدي!"
تدخل فروند عندها.
"لكن…"
فرك شعره ببطء.
"...بالأمس كنتِ واثقة جداً حين اقترحتِ توزيع الغرف."
توقف.
"تكلمتِ وكأنك خبيرة في مثل هذه المواقف...أو كأنك مررتِ بها من قبل."
ارتجف صوت ويندليس.
"ذ…ذلك… لأن…"
توقفت، وأغمضت عينيها بقوة، وكأنها تحاول ابتلاع إحراجٍ هائل، ثم قالت بصوتٍ مخنوق:
"كان هناك احتمال...أن ننام جميعاً في غرفة واحدة."
رفعت رأسها فجأة.
"رجالاً ونساءً!"
احمر وجهها أكثر.
"لم أكن لأسمح بذلك! لم أكن لأتحمل تلك الفكرة!"
هبط الصمت على الطاولة فجأة، وتبادلنا النظرات.
نظر فروند إلى الأرض بإحراج، ثم فرك شعره وقال:
"أوه...هكذا إذاً. لم يخطر ببالنا هذا الجانب."
في تلك اللحظة…أدركت شيئاً.
خلف كل صمت… قصة، وخلف كل اتهام… سوء فهم.
لكن في هذه اللعبة…قد يكون سوء الفهم…حكماً بالإعدام.
رفعت عيني نحو سترانج، كان واقفاً بلا حركة، كتمثالٍ بلا روح، ثم قال بصوته العبثي:
"التالي."
...
ساد صمتٌ قصير فوق الطاولة الدائرية.
صمتٌ ثقيل… كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.
بدا فيه فروند وكأنه يزن كلماته بميزانٍ من ذهب؛ عيناه كانتا تتنقلان ببطء بين الوجوه الجالسة حول الطاولة.
تتوقف عند كل واحدٍ منا لثانيةٍ إضافية، كأنه يحاول أن يقرأ شيئاً خلف الملامح… خلف الأقنعة البشرية التي نحاول جميعاً ارتداءها.
ثم استقرت عيناه أخيراً على الرجل الجالس في مواجهته مباشرة.
كيم سانغ.
تنحنح فروند، وجفف حلقه الجاف، ثم قال بحدةٍ مفاجئة كسرت السكون:
"أنا أشك في… كيم سانغ."
لم يتحرك كيم سانغ، لم يرمش حتى.
ظل محتفظاً بتلك الابتسامة الباهتة التي ترتسم دائماً على شفتيه… ابتسامةٍ لا تحمل دفئاً ولا سخرية صريحة، بل شيئاً بين الاثنين، شيئاً يوحي بثقةٍ باردة في النفس.
مال رأسه قليلاً إلى الجانب، ثم سأل بنبرةٍ هادئة، تكاد تكون فضولية:
"ولماذا أنا؟"
توقف لحظة، ثم أضاف وهو يرمق فروند بنظرةٍ ثاقبة:
"رغم أن عدوك الأكبر… والرجل الذي لا تطيق سماع اسمه…أمامك مباشرة."
حرّك عينيه ببطء نحو بينفيت.
تأفف بينفيت بصوتٍ مسموع، ثم أرجع ظهره إلى الخلف، فصدر من كرسيه البلاستيكي صريرٌ حاد كأنه يعترض على وزنه.
قال وهو يحدق في السقف بضجر:
"مجدداً…"
ثم أدار رأسه نحونا.
"تُقحمون اسمي في حواراتكم العقيمة وكأنني محور عالمكم المتهالك."
لم يلتفت فروند إليه حتى، ظل بصره مثبتاً على كيم سانغ، وقال ببرود:
"لأنك بالغت."
توقف لحظة.
"...بالغت كثيراً."
ارتكز بذراعيه على الطاولة.
"كنت تحاصر فيلور منذ البداية."
وأشار نحوه.
"تنهش سمعته… وتتهمه بضراوةٍ غير مبررة."
ثم أضاف بعد لحظة:
"أما بينفيت...فرغم كل شيء، لم يكن لديه أي ضغينة تجاه سينيو."
توقف قليلاً، ثم قال بنبرةٍ حاسمة:
"بل أنا على يقينٍ تام… أن أول اسمٍ كان سيخطه في قائمة ضحاياه… هو اسمي أنا."
ارتفع حاجبا بينفيت قليلاً، نظر إلى أظافره بتأملٍ مصطنع، ثم قال بسخريةٍ لاذعة:
"لا أعلم حقاً…"
قلب كفه أمام عينيه.
"...هل يجدر بي أن أمتن لدفاعك عني؟"
ثم رفع عينيه نحو فروند.
"أم أشعر بالإهانة لأنك جعلتني قاتلاً متوقعاً؟"
رد كيم سانغ بهدوءٍ تام، بينما كانت عيناه تضيقان بمكرٍ واضح:
"كنت أتهم الطبيب… لأن الوقائع كانت تصرخ باسمه."
ثم أمال رأسه قليلاً.
"لكن من يدري يا فروند…"
رفع إصبعه ببطء.
"ربما هذا البرود الذي يظهره بينفيت… ليس سوى قناعٍ متقن...يمثل به دور المغرور."
ثم قال بصوتٍ أخفض:
"ليبعد عنه شبح الجريمة."
بدأت الأصوات تعلو، وتداخلت الكلمات.
ارتفعت الأنفاس في الغرفة الضيقة، وأخذت التوترات المكبوتة تتصادم فوق الطاولة مثل شراراتٍ تبحث عن حريق.
كنت أشعر أن الجو نفسه أصبح خانقاً.
رائحة المعدن البارد…صوت تنفسنا الثقيل…
وذاك الشعور الكريه بأننا نجلس جميعاً في غرفةٍ واحدة مع قاتل.
لكن صوتاً واحداً…
قطع هذا الضجيج كما تقطع الشفرة قطعة قماش.
"التالي."
سترانج.
صوته كان آلياً، رتيباً… خالياً من أي إحساس.
خيم الصمت فوراً.
تبادلنا النظرات للحظة، قبل أن يتكلم تيروس.
كان صوته يحمل مزيجاً غريباً من الحيرة والريبة.
"أنا أشك في...بيول وكانابي."
انتفضت الفتاتان في اللحظة نفسها، وشهقتا بصوتٍ واحد تقريباً.
"ماذا؟!"
صرخت بيول.
"لماذا؟! ما الذي فعلناه؟!"
وأضافت كانابي بحدة:
"أجل! كيف تجرؤ على اتهامنا؟!"
شبك تيروس أصابعه فوق الطاولة، وقال بهدوءٍ متفكر:
"الأمر… مريب."
نظر إليهما.
"قبل أمس لم تكن بينكما أي صلة."
توقف لحظة.
"واليوم… تبدوان وكأنكما أعز صديقتين منذ الطفولة."
تبادلتا النظرات.
واصل تيروس:
"هذه الألفة المفاجئة...في مكانٍ يفوح بالموت تثير تساؤلاتي."
اندفعت كانابي مدافعة بعصبية:
"أنت رجل!"
ضربت الطاولة براحة يدها.
"ولهذا السبب تحديداً… لن تفهم أبداً كيف تسير حياة الفتيات!"
أضافت بيول بسرعة:
"الفتيات يكسرن الحواجز بسرعة مذهلة!"
ثم تابعت بثقة:
"حديثٌ واحد صادق… كفيل بأن يجعلنا صديقات."
قالت كانابي وهي تومئ برأسها:
"أما ويندليس فهي انطوائية، ولهذا السبب—"
فجأة…توقفت.
اتسعت عيناها.
وضعت كفها بسرعة فوق فمها، كأنها أدركت أنها زلت بلسانها.
ساد صمتٌ محرج.
نظرتْ نحو ويندليس بتوترٍ واضح، لكن ويندليس رفعت رأسها بهدوءٍ غير متوقع.
وقالت بصوتٍ خالٍ من الضغينة:
"لا بأس."
نظرت إلى كانابي.
"أنتِ لم تقولي سوى الحقيقة."
توقف الزمن للحظة، شعرت بشيءٍ غريب في صدري.
لكن وفجأة—
"التالي."
ابتسم بينفيت ابتسامة جانبية.
بطيئة.
باردة.
ثم رفع نظره نحو ريبوس الجالس في الطرف الآخر من الطاولة، وقال بنبرةٍ هادئة… لكنها مستفزة:
"أشك في ريبوس."
انفجر ريبوس فوراً، كأن شرارةً أصابت بركاناً.
"تتهمني أنا؟!"
وقف نصف وقفة من كرسيه.
"أيها القاتل المتستر!"
صرخ:
"من المستحيل أن تلمس يدي دماً!...خاصةً دم سينيو!"
هز بينفيت رأسه ببطء.
"واو…"
ابتسم بسخرية.
"...حقاً أداء مذهل."
ثم قال:
"يجب عليك التفكير في احتراف التمثيل."
مال قليلاً إلى الأمام.
"فتمثيليتك بالأمس...كانت متقنة لدرجة أن البعض صدقها."
ضرب ريبوس الطاولة بقبضته بعنف.
اهتزت الأكواب المعدنية واصطدمت ببعضها بصوتٍ رنان.
"أنت هو القاتل!"
صرخ.
"أنت من يملك قلباً من حجر!"
قبل أن يتحول المشهد إلى عراكٍ حقيقي، تدخل فروند بسرعة.
"كفى!"
ثم نظر إلى بينفيت.
"لماذا تضع ريبوس في دائرة الاتهام؟"
تنهد بينفيت بملل.
"لأنه…من غير المنطقي، بل من المستحيل عقلياً...أن ينهار رجلٌ بكل هذا البكاء الهستيري."
حسناً...كلامه صحيح...
ولكن مع ذلك...هناك احتمال أن يكون ريبوس صادقاً.
لكنه قاطع أفكاري ثم أضاف:
"على شخصٍ لم يقابله إلا قبل ساعات."
هز رأسه.
"هذا الفقد العظيم… لا يولد في ليلة."
رد فيلور بصوته الرزين:
"بل هو ممكن."
نظر إلى بينفيت.
"ربما كانت بينهما معرفة سابقة خارج هذه اللعبة."
قلت أنا محاولاً دعم الفكرة:
"أجل… هذا وارد."
ثم أضفت:
"كما تعلمون… أنا وفيلور وفيسبر وماركوس وتيروس… كنا نعرف بعضنا قبل أن نصل إلى هنا."
لمعت عينا بينفيت فجأة، وابتسم ابتسامة حادة.
"إذاً...لنقطع الشك باليقين."
وجه نظره مباشرة إلى ريبوس.
"هل كنت تعرف سينيو قبل أن تُسجن معنا هنا؟"
صمت ريبوس، وانخفض رأسه، بدا وكأنه انكسر من الداخل، ثم قال بصوتٍ خافت:
"لا...لم أكن أعرفه."
ضحك بينفيت بسخريةٍ واضحة.
"جميل."
ثم قال:
"الآن تأكدت، أنت القاتل… الذي يغطي جريمته بدموع التماسيح."
لكن ريبوس رفع رأسه فجأة، وكانت الدموع قد عادت إلى عينيه.
"لكننا…"
ارتجف صوته.
"...وجدنا في بعضنا ما افتقدناه."
نظر إلى الطاولة.
"أصبحنا أصدقاء… في لحظة."
ثم قال بصوتٍ مكسور:
"حتى أننا وعدناه بالذهاب إلى زفافه."
رفع رأسه.
"...أليس من حقنا أن نحلم… وسط هذا الموت؟"
خمدت النيران قليلاً في الغرفة.
ساد صمتٌ ثقيل، حتى قال سترانج مجدداً:
"التالي."
جاء الدور على فيسبر، كان يعبث بطرف قميصه بتوتر.
صمت طويلاً، ثم قال بصعوبة:
"أنا…"
بلع ريقه.
"...أشك في ريبوس أيضاً."
ارتسم اليأس على وجه ريبوس.
"ما خطبكم جميعاً؟!"
صرخ.
"أنا لست القاتل!"
ثم أشار بعصبية نحو بينفيت.
"القاتل يجلس أمامكم!"
ابتسم بينفيت ابتسامة باردة.
"يبدو أنك تقف الآن...على حافة الهاوية."
صرخ ريبوس:
"وأنت تقف معي على الحافة نفسها!"
ثم تنهد بعمق، ونظر إلى فيسبر بعينين منكسرتين.
"لماذا… تتهمني؟"
قال فيسبر وهو يتجنب النظر إليه:
"حجتي...هي نفسها حجة بينفيت."
ثم قال بصوتٍ منخفض:
"بكاؤك… كان مبالغاً فيه."
تدخل كولديش ببرود:
"كنا سنتفهم حزنك...لو كانت بينكما عشرة أعوام."
ثم أضاف:
"لكن يومين؟"
هز رأسه.
"هذا التباكي… يثير الريبة."
في تلك اللحظة…صمت ريبوس تماماً، لم يعد يصرخ، لم يعد يحتج، كان يجلس هناك… وكأنه فقد الأمل.
قلت أنا محاولاً تخفيف التوتر:
"هيا يا رفاق، أظن أن حزن ريبوس… كان نابعاً من إنسانيته."
ثم أضفت:
"حتى أنا… سقطت دمعة من عيني عندما سمعت الخبر."
رد كيم سانغ ببرودٍ منطقي:
"هذا طبيعي بالنسبة لك يا نيلوت."
نظر إليّ.
"أنت ما زلت طالباً جامعياً."
ثم قال:
"تفيض بالمشاعر المثالية، وعلاوة على ذلك…"
رفع إصبعه قليلاً.
"أنت قلت إنها دمعة."
ثم نظر إلى ريبوس.
"...بينما ريبوس...غرق في نحيبٍ هستيري."
ثم قال ببطء:
"وهذا… لا يفسره إلا—"
"التالي."
قطع سترانج الجملة.
صمت فيلور قليلاً، ثم قال بهدوء:
"أنا أشك في هارليس."
فانتفض هارليس بغضب:
"لماذا أنا مجدداً؟!"
فرد فيلور وهو يصلح نظارته:
"حسناً..."
صمت ثم أضاف وهو ينظر لهارليس:
"أنت حككت أنفك كثيراً...بالإضافة كنت تضع يدك على رقبتك كلما سألك أحد سؤالاً..."
أضاف ببرود:
"وهذا في علم النفس وإن دل على شيء...فهو الكذب."
فرد هارليس بغضب:
"تشك فيّ فقط بسبب هذ—"
"التالي"
وهكذا بقيت الكلمات معلقة في الهواء…والأنظار بدأت تتحول ببطء…نحو الشخص التالي.
في هذه الطاولة…حيث كل كلمة…
قد تقرر من سيعيش…
ومن سيموت.