بقينا متسمرين في أماكننا، لا لأننا عاجزون عن الحركة، بل لأن أجسادنا ببساطة... نسيت كيف تتحرك.
كنا عالقين عند ذلك السؤال... الذي لم نجد له جوابًا.
"لماذا يا رفاق؟"
كأن الزمن قد انكسر عند سقوط ريبوس... ورفض أن يكمل طريقه.
كان المطبخ ساكنًا على نحوٍ مريب، حتى إنني بدأت أسمع تفاصيل لم أكن ألتفت إليها من قبل؛ أزيزٌ خافت في الأنابيب، احتكاك قماشٍ حين يهتز جسدٌ مرتجف، وأنفاس متقطعة تخرج بصعوبة، كأن الهواء نفسه صار أثقل من أن يُستنشق.
رائحة الحديد...
كانت لا تزال عالقة في الجو.
رائحة الدم.
رفعت بصري ببطء، وعيناي توقفتا عند تلك البقعة القانية على الأرض.
كانت لامعة تحت الضوء، طازجة، وكأنها لم تستوعب بعد أنها... أصبحت أثرًا.
شعرت بمعدتي تنقبض.
في تلك اللحظة، انكسر الصمت.
"لا فائدة من البقاء هكذا..."
صوت فروند.
لم يكن مرتفعًا، لكنه خرج مشدودًا، كأنه يُسحب من صدرٍ مثقل.
كان واقفًا مستقيمًا، لكن كتفيه كانا منخفضين قليلًا، كأن وزنًا خفيًا يضغط عليهما.
مرر يده ببطء على شعره، ثم قال وهو ينظر إلى الأرض، لا إلى أحد:
"كالتماثيل... هذا النحيب الصامت لن يعيد ريبوس."
توقف، وأخذ نفسًا أعمق من اللازم، كأن صدره لم يتسع له.
ثم رفع رأسه، كانت عيناه لامعتين، لكنه شد فكه بسرعة، وكأنه يرفض أن يسمح لشيءٍ بالانفلات.
"لا أنكر..." قالها ببطء، مع زفيرٍ ثقيل، "ما حدث يفوق القدرة على التصديق."
نبرته لم تكن ضعيفة، لكنها لم تكن ثابتة أيضًا.
كان هناك شيء يرتجف تحتها.
"ولست هنا لألعب دور المتفائل الأحمق..."
رفع عينيه أخيرًا، وجال بنظره بيننا، نظرة سريعة، حادة، كأنها محاولة لجمع ما تبقى من نفسه.
"لكن لديّ هدف."
قالها هذه المرة بصرامةٍ مصطنعة، كأنه يغرس الكلمة في الأرض حتى لا تنهار.
"والاستسلام لهذا الجمود... لن يغير من واقعنا شيئًا."
ساد صمتٌ قصير بعد كلماته.
لم يعترض أحد.
لم يوافق أحد.
فقط... صمت.
استدار فروند ببطء، وخطواته على الرخام كانت واضحة، جافة، تطرق المكان بنغمةٍ رتيبة.
لم يسر بثقة، بل بثقل، كأن كل خطوة تتطلب قرارًا.
تبعه بينفيت.
لكن تلك الابتسامة الساخرة... لم تكن موجودة.
كان وجهه جامدًا، خاليًا، وعيناه تتحركان بسرعةٍ بين الوجوه، كأنهما تبحثان عن شيء... أو تتجنبان شيئًا.
مرر أصابعه في شعره بعصبية خفيفة، ثم أدار وجهه وخرج دون كلمة.
هارليس كان آخرهم.
كان يسير بخطوات مترددة، أبطأ من الآخرين، وعيناه لا تزالان عالقتين بالبقعة على الأرض.
كان يفرك كفيه بلا توقف، بسرعة، بقوة، حتى احمرتا... كأنه يحاول إزالة شيءٍ غير مرئي.
ثم خرج.
ومع خروجهم، بدأ المكان يفرغ... تدريجيًا.
واحدًا تلو الآخر.
كأن الغرفة نفسها... تلفظنا.
أما أنا-
فبقيت.
لم أتحرك.
لم أستطع.
قدماي كانتا ثقيلتين، مغروستين في الأرض، وكأن الرخام التف حولهما وأحكم قبضته.
نظرت مجددًا إلى الدم.
كان لا يزال هناك.
لم يجف.
لم يبهت.
كأنه يرفض أن يصبح مجرد ذكرى.
ابتلعت ريقي بصعوبة، وشعرت بطعمٍ معدني في فمي.
فكرة واحدة بدأت تتشكل، ببطءٍ مؤلم:
أهذا... كل شيء؟
هكذا فقط... ينتهي الإنسان؟
غدًا سيُمسح هذا المكان، سيُغسل، ستختفي الآثار... وسيجلس أحدنا هنا، يأكل، يتحدث، وربما يضحك.
كأن شيئًا... لم يحدث.
تحركت أخيرًا، لكن الحركة كانت آلية، بطيئة، كأن جسدي يقاد من الخارج.
خطواتي كانت ثقيلة، وصوتها على الأرض بدا أعلى مما يجب، أو ربما... أنا فقط أصبحت أسمع كل شيء بوضوحٍ مرعب.
وصلت إلى غرفة النوم، دفعت الباب، ودخلت.
الهواء هنا كان أبرد.
أهدأ.
لكنه لم يكن مريحًا.
وقعت عيناي على السرير.
ذلك السرير.
تقدمت نحوه، ثم سقطت فوقه بثقل، دون محاولة حتى للتماسك.
كان هذا السرير من المفترض أن يكون لريبوس... أو سينيو.
كلاهما-
لم يحصل حتى على فرصة أن ينام عليه.
أطلقت زفيرًا طويلًا، وشعرت بشيءٍ يضغط على صدري، كأن يدًا خفية تمسك به وتمنعه من التمدد.
"ماذا الآن...؟" تمتمت، وصوتي بالكاد خرج.
"هل ننتظر دورنا؟"
تخيلت المشهد...
صف.
أسماء.
أوراق.
ثم-
نهاية.
"ما الذي فعلناه...؟"
أغمضت عيني بقوة، وكأنني أحاول سحق الفكرة.
"فقط... دعني أستيقظ."
...
"أوي... نيلوت."
الصوت جاء قريبًا.
قريبًا جدًا.
"استيقظ."
فتحت عيني ببطء، وثقل النوم لا يزال يضغط عليهما.
أول ما رأيته... كان وجه فيسبر.
كان واقفًا بجانبي، ينظر إليّ بهدوء.
هادئ... أكثر مما ينبغي.
عيناه ثابتتان، بلا ارتباك، بلا ذلك الارتعاش الذي يسكن البقية.
حتى صوته، حين تكلم، كان متزنًا بشكلٍ غريب:
"لقد أطلت الغياب في نومك."
مال رأسه قليلًا، وكأنه يقيمني.
"استيقظ... يجب أن تكون مستعدًا قبل أن يطرق اليوم التالي أبوابنا."
مستعد؟
ترددت الكلمة في رأسي، بلا معنى واضح.
فركت عيني، ثم جلست ببطء.
"أنت محق..." قلتها بصوتٍ أجش، "شكرًا لإيقاظي."
توجهنا نحو المطبخ.
هذه المرة... لم يكن كما تركناه.
لم يكن هناك تجمع.
ولا همسات.
ولا حتى ذلك الصمت الثقيل المشترك.
كان المكان... شبه فارغ.
الطاولة ممتدة أمامنا، نظيفة أكثر مما يجب، والأطباق موضوعة بانتظامٍ بارد، كأنها تنتظر أشخاصًا... لن يأتوا.
جلستُ.
وجلس فيسبر مقابلي.
الصوت الوحيد الذي سمعته في البداية كان احتكاك الكرسي بالأرض، ثم ذلك الصدى الخافت الذي تلاشى بسرعة، ليترك خلفه فراغًا مزعجًا.
أمسكت الملعقة.
كانت باردة.
باردة بشكلٍ غريب، كأنها تُركت في ماءٍ مثلج.
رفعتها ببطء، ولاحظت-متأخرًا-أن أصابعي ترتجف قليلاً.
لم أعلّق.
فقط أخذت لقمة.
لا طعم، ولا رائحة.
كأن فمي فقد قدرته على التمييز... أو أن الطعام نفسه بلا روح.
على الطرف الآخر، كان فيسبر يأكل بهدوءٍ تام.
حركاته منتظمة، ودقيقة.
لا تسرّع.
لا تردد.
وكأن ما حدث... لا يخصه، أو كأنه قرر-ببساطة-أن يتجاوزه.
مرّت لحظات.
ثم-
صوت خطوات.
رفعت عيني بشكلٍ لا إرادي نحو المدخل.
مرّ هارليس أولاً.
لم يدخل بالكامل، فقط ظهر عند الإطار، نظر سريعًا نحو الداخل، نظرة خاطفة، مضطربة، ثم أكمل طريقه.
كتفاه كانتا مرفوعتين، كأنهما تحاولان حماية عنقه من شيء غير مرئي.
بعده بثوانٍ، مرت كانابي.
كانت تسير بسرعة، رأسها منخفض، وشعرها يخفي نصف وجهها.
لكنني لمحت عينيها... كانتا محمرتين. لم تنظر نحونا.
لم تتوقف.
فقط مرّت.
بيول لحقت بها، أبطأ قليلاً، وكأنها مترددة.
توقفت لجزءٍ من الثانية عند الباب، نظرت إلى الطاولة... أو ربما إليّ، لم أستطع الجزم، ثم أدارت وجهها بسرعة ولحقت بالأخرى.
صوت خطوات أخرى.
أثقل.
أبطأ.
فروند.
مرّ دون أن ينظر، لكن فكه كان مشدودًا، وعيناه مثبتتان أمامه، كأنه يخشى إن التفت... أن يرى شيئًا لا يريد رؤيته.
ثم ماركوس.
ثم تيروس.
ثم... لا أحد.
عاد الصمت.
لكن لم يكن نفس الصمت.
كان أفرغ.
أبرد.
كأن المطبخ... فقد شيئًا لن يعود.
أعدت نظري إلى طبقي.
حرّكت الملعقة ببطء، فقط لأكسر ذلك السكون.
حينها تكلم فيسبر.
"أتظن... أن ما نعيشه الآن طبيعي؟"
لم يرفع نظره.
كان يتحدث وهو يحرّك الملعقة، كأن السؤال لا يعنيه بقدر ما يعني... سماع الجواب.
تنفست ببطء، ثم قلت:
"وهل ترى في هذا المكان... أي شيء طبيعي؟"
رفع عينيه نحوي.
نظرة ثابتة أطول من اللازم.
"هل تعتقد أننا سنخرج من هنا أحياء؟"
السؤال هذه المرة... لم يكن عابرًا، بل كان مباشرًا.
حادًا.
كأنه طعنة.
توقفت يدي عن الحركة.
نظرت إليه، ثم قلت دون أن أفكر كثيرًا:
"أتمنى ذلك..."
صمتُّ لحظة، ثم أضفت:
"وإن لم يحدث... فليكن خروجك أنت."
هذه المرة، توقف تمامًا.
الملعقة توقفت في الهواء، ثم أنزلها ببطء.
"ما الذي تعنيه؟" قالها، ونبرته لم تعد بنفس الهدوء السابق.
كان هناك شد خفيف... انزعاج مكبوت.
"عنيت ما قلت."
رفعت نظري إليه.
لم أتراجع.
حدق بي لثوانٍ، ثم قال:
"نيلوت... ماذا أصابك؟"
كان صوته أخفض الآن، لكنه أثقل.
"لم تكن هكذا...كنتَ متفائلاً"
وضعت الملعقة على الطاولة.
صوتها الخفيف ارتد في المكان الفارغ بشكلٍ مزعج.
"وكيف للمرء أن يحافظ على نفسه في هذا المكان؟" قلتها، وأنا أشعر بشيءٍ يتصاعد في صدري. "بعد كل ما رأيناه؟ بعد الدم؟ بعد-"
توقفت.
لكن الصورة أكملت الجملة بدلاً عني.
تنفست ببطء، ثم قلت بصوتٍ أخفض:
"كل ما أريده الآن أن أستيقظ... أن يكون كل هذا مجرد حلم."
ساد صمت.
نظر إليّ فيسبر طويلاً، ثم تنهد بخفة، وقال بنبرةٍ باردة تخفي شيئًا أعمق:
"الهرب... ليس حلاً."
وقف ببطء.
"ظننت أنك...ستظل كما أنت مهما حصل."
ثم أضاف، قبل أن يدير ظهره:
"لكن يبدو أنني كنت واهماً"
ابتعد.
خطواته كانت واضحة في المطبخ الفارغ.
واحدة...
تلو الأخرى...
حتى اختفى صوته.
وبقيت أنا وحدي.
أمام طبقٍ بلا طعم، وفي مطبخٍ بلا حياة.
لم أعد أسمع...إلا ذلك الصوت.
تيك...
تيك...
تيك...
...
غادر فيسبر.
لكن كلماته... لم تغادر.
بقيت عالقة في ذهني، لا كجملة عابرة، بل كشيءٍ حيّ، يلتف حول أفكاري ببطء، كخيوط عنكبوتٍ لزجة، كلما حاولتُ تمزيقها... التصقت أكثر.
"كنتَ متفائلاً..."
ترددت العبارة في داخلي، بصوته، بنبرته، بذلك الثقل الخفي الذي كان يحمله.
شعرتُ بانقباضٍ مفاجئ في صدري.
لم يكن مجرد إحساسٍ عابر، بل ضغطٌ حقيقي، كأن يدًا غير مرئية قد انغرست بين أضلعي وبدأت تعتصر قلبي ببطء.
تسارعت أنفاسي، وجفّ حلقي، وامتدّ ذلك الشعور البارد نحو صدغيّ.
ثم-
جاء الصوت من العمق.
من مكانٍ أعرفه جيدًا... وأخشاه.
«ومتى كنتَ متفائلاً حقًا؟»
كان صوته هادئًا، لكن حدّته كانت واضحة، كسكينٍ باردة تُمرر ببطء على الجلد.
أغمضتُ عينيّ بقوة، وشددتُ على أسناني.
"اصمت..." تمتمتُ في داخلي، بصوتٍ متوتر، "أنت لا تعلم شيئًا."
ضحكة خافتة.
ساخرة.
«حقًا؟ ومن تظن أنك تخدع يا نيلوت؟»
شعرتُ بظهري يتصلب، وبأصابعي تنغلق ببطء حول حافة الطاولة.
«أنا لست غريبًا عنك... أنا أعرفك أكثر مما تعرف نفسك.»
تسارعت نبضات قلبي.
كنت أسمعها.
واضحة.
قريبة.
كأنها تُطرق من داخل أذني.
«أنت مجرد حطام... قطعة مكسورة تحاول الوقوف بشكلٍ مستقيم.»
"كفى..."
خرجت الكلمة هذه المرة بصوتٍ مسموع، منخفض، متقطع.
لكن الصوت لم يتوقف، بل اقترب أكثر.
«انظر إلى نفسك... خيّبت أمله.»
صورة فيسبر مرت في ذهني.
تلك النظرة.
ذلك الانكسار الخفي.
«كما خيّبت آمال الكثيرين قبله...»
بدأت أطرافي تبرد، وأنفاسي أصبحت أقصر.
«هكذا كنت... وهكذا ستظل.»
"قلت لك اصمت!"
شدّدت قبضتي على الطاولة حتى شعرت بالألم في مفاصلي.
لكن الألم لم يكن كافيًا لإسكاته.
«خذلان... يسير على قدمين.»
ارتجفت شفتاي.
"ليس لك الحق... في محاكمتي!"
«أوه؟ هل تؤلمك الحقيقة؟»
توقف الزمن للحظة.
ثم-
«لهذا السبب كان والداك يتشاجران دائمًا...»
اتسعت عيناي.
لا.
لا تذهب إلى هناك.
«ألم تدرك ذلك بعد؟»
صوتي الداخلي أصبح أضعف.
"اصمت..."
لكن الهمس ازداد وضوحًا.
أثقل.
أعمق.
«لأنك كنت عبئًا.»
"توقف! اصمت!"
«عـ د يـ مـ --- ا لـ فـ ا ئـ د ة...»
شعرت بشيءٍ ينهار في داخلي.
«تمامًا... كما أنت الآن.»
"اصمت! اصمت! اصمت! اصمت! اصمت! اصمت!"
انفجرت الكلمات في داخلي كصرخةٍ مكبوتة، واندفعت حرارة مفاجئة إلى وجهي، بينما انزلق عرقٌ بارد على جانبيّ.
"أنت لا تعلم شيئًا عني!"
سكون لجزءٍ من الثانية فقط.
ثم جاء الرد بهدوءٍ مخيف، وقاطع.
«وكيف لا أعلم...»
توقفت أنفاسي.
«وأنا... أنت؟»
...
لا.
لا.
لا!
"أنت لست أنا!" صرخت في داخلي، وأنا أشعر بأن صدري يضيق، "أنت مجرد شيء... مجرد صوت... مجرد وحش يسكن جروحي!"
بدأت رؤيتي تضطرب قليلًا، والأصوات من حولي تلاشت.
كل شيء أصبح بعيدًا-
حتى-
"أوه... نيلوت؟"
الصوت هذه المرة...كان مختلفًا، دافئًا، بشريًا، وقريبًا.
"مرحبًا."
انكسرت الحلقة.
كما لو أن أحدهم سحبني فجأة من عمق الماء.
شهقتُ نفسًا حادًا، ورفعت رأسي بسرعة، أنفاسي متقطعة، وصدري يرتفع ويهبط بشكلٍ غير منتظم.
التفتُ نحو مصدر الصوت.
فروند.
كان يقف أمامي، ينظر إليّ بعينين مليئتين بالانتباه... لا، ليس فقط الانتباه، بل القلق.
حاولتُ أن أستجمع نفسي بسرعة، مسحت عرق جبيني بظهر يدي، وعدّلت جلستي.
"ا-أوه... مرحبًا." خرج صوتي مهزوزًا، خائنًا لمحاولتي في التماسك.
لم يعلّق على ذلك.
فقط حدّق بي لثوانٍ، نظرة فاحصة، كأنه يقرأ ما خلف ملامحي، ثم سحب الكرسي المقابل وجلس بهدوء.
صوت احتكاك الكرسي بالأرض كان خافتًا، لكنه بدا واضحًا في ذلك السكون.
قال بنبرةٍ هادئة، فيها شيء من اللطف غير المعتاد:
"كنتُ في طريقي للمطبخ... أبحث عن شيءٍ يملأ هذا الفراغ في معدتي."
توقف، ثم مال قليلًا إلى الأمام، واضعًا ساعديه على الطاولة.
"لكنني رأيتك..."
نظره ثبت في عيني.
"سارحاً في الحائط...ضائعًا في فراغٍ أكبر."
ابتلعت ريقي.
حاولتُ الابتسام، لكن الشفاه لم تتعاون.
"كنتُ فقط... أفكر."
كذبة ضعيفة.
وأنا أعلم.
وهو يعلم.
ساد صمتٌ قصير.
فروند لم يقاطعني.
لم يضغط.
فقط... انتظر.
ثم زفر بخفة، ومرر يده في شعره، وقال بنبرةٍ خفيفة، وكأنه يمهد:
"قد يبدو ما سأقوله الآن سخيفًا... أو ربما كليشيهًا من رواية سيئة."
ابتسم ابتسامة صغيرة، حقيقية هذه المرة، كسرت شيئًا من التوتر.
"لكنني أظن... أنني أعرف ما يدور في رأسك."
رفعت حاجبيّ قليلًا، رغم توتري.
"ماذا؟"
نظر إليّ مباشرة بهدوءٍ غريب.
"موت سينيو... وريبوس."
توقف، وترك الكلمات تستقر.
"ليس خطأك."
...
شعرتُ بشيءٍ يتحرك داخلي.
ليس انهيارًا، بل...تصدع.
"ليس... خطئي؟" همستُ بها، كأنني أختبر الكلمة لأول مرة.
مال فروند أكثر إلى الأمام، ونبرته أصبحت أكثر جدية:
"رحيلهما... ليس خطأ أي منا."
ثم أضاف، بعد لحظة:
"ربما يتحمل بعضنا جزءًا من المسؤولية... أولئك الذين صوّتوا بدافع الخوف أو الضعف."
شدّ على كلمته الأخيرة قليلًا.
"لكن الخطأ الحقيقي..."
رفع نظره، وكأنه يخاطب شيئًا غير مرئي.
"يقع على عاتق من وضعنا في هذه اللعبة."
صمت، ثم أكمل بهدوء:
"لذا... لا تجعل من نفسك جلادًا لروحك."
أخفضت نظري.
يدي كانت ترتجف قليلًا.
"فروند..." خرج صوتي أضعف مما أردت، "الأمر...صعب."
وضعت يدي على صدري، دون وعي.
هز رأسه ببطء.
"أعلم."
"أنا لا أعرف ماذا أفعل!" قلتها فجأة، بصوتٍ أعلى قليلًا، قبل أن أخفضه، "كل شيء... ضبابي."
صمت، ثم قال، بنبرة ثابتة:
"افعل ما يمليه عليك ضميرك...افعل ما تراه صحيحاً"
نظرت إليه.
"وإن لم أملك القدرة على ذلك؟"
"لا بأس."
أجابها مباشرة.
"المهم... أنك لم تتوقف عن المحاولة."
ثم أضاف، بنبرةٍ أخف، لكنها أعمق:
"وأنك لم تستسلم."
...
سكون.
لكنه لم يكن خانقًا هذه المرة.
كان هادئًا كهدنة.
شعرتُ بشيءٍ يلين في داخلي، ببطء، كجليدٍ بدأ يذوب تحت حرارةٍ خفيفة.
هل... من الممكن؟
أن أكون مجرد إنسان؟
يخطئ؟
ويضعف؟
ولا يكون ذلك... نهاية كل شيء؟
لا أعلم إن كانت هذه الحقيقة المطلقة.
لكنني أعلم-
أنني كنت بحاجة إلى سماعها.
رفعت رأسي، ونظرت إليه.
"شكرًا... يا فروند."
هذه المرة، لم أتردد.
"أظنني... وجدت شيئًا."
ابتسم ابتسامة بسيطة، لكنها صادقة، ثم نهض.
"لا شكر بين الرفاق."
راقبته وهو يبتعد، ثم نهضتُ أنا أيضًا.
خطواتي لم تعد ثقيلة كما كانت، ليست خفيفة...لكنها... ثابتة.
اتجهت نحو غرفة المجلس.
وفي الطريق، أغمضت عينيّ لثانية واحدة.
استنشقت الهواء.
لا يزال ثقيلاً...لا يزال خانقًا، لكن هذه المرة-
لم أهرب منه.
"سأبقى متفائلًا..." همستُ في داخلي.
ليس سذاجة.
بل-
عنادًا.
عنادًا في وجه هذا الظلام.
فتحت عينيّ.
"لأجلهم..."
وجوه.
ذكريات.
أشياء لم تنتهِ بعد.
"ولأجلي."
خطوة ثم أخرى.
"لن أسمح لنفسي... أن أغرق."
دخلت غرفة المجلس، وبينما كنت أعبر العتبة-
عاد ذلك الصوت، لكن ليس من الداخل، بل من الخلف.
من المطبخ.
تيك...
تيك...
تيك...
توقفت لحظة.
استمعت.
ثم-
ابتسمت بخفة.
هذه المرة...لم يعد يبدو كعدّادٍ للموت.
بل-
كدقات قلب.
ترفض...أن تتوقف.