توجهتُ نحو غرفة المجلس بخطواتٍ حاولتُ جاهدًا أن أجعلها واثقة، لكن ثقلًا خفيًا كان يضغط على قدميّ مع كل حركة، كأن الأرض لم تعد مجرد سطحٍ أسير عليه، بل شيءٌ يختبر عزيمتي في كل خطوة.
دفعت الباب، فانفتح على هواءٍ باردٍ نسبيًا، مشبعٍ برائحةٍ خافتة من الرطوبة والقلق، وكأن الجدران نفسها خزّنت ما مرّ هنا… ورفضت أن تنساه.
كان البعض قد استقر هناك بالفعل، جالسين تحت الضوء الخافت الذي صبغ المكان بلونٍ كئيب، أقرب إلى الرمادي منه إلى أي شيءٍ حي.
لم يكونوا يتحدثون، بل يكتفون بتبادل نظراتٍ باهتة، سريعة، تنسحب فورًا، وكأن كل واحدٍ يخشى أن يُكشف ما في داخله إن أطال النظر.
وقبل أن يستقر جسدي فوق أحد الكراسي—
اهتز سكون المكان.
"كلاك."
ارتطم صوت فتح الباب بمسامعي كطلقة تحذيرية، قصيرة… لكنها حاسمة.
التفتُّ بسرعة، دون حاجةٍ لأن أرى كي أعرف.
سترانج.
دخل بخطواتٍ رزينة، هادئة على نحوٍ يثير الانزعاج، وكأن ما حدث قبل وقتٍ قصير لم يترك في داخله أي أثر.
لم يكن على يده أثر دم، ولا على ملامحه أي ارتباك، وكأن مشهد ريبوس…
لم يكن سوى حدثٍ عابر في يومٍ عادي.
لكنني رأيت.
كلنا رأينا.
وذلك وحده كان كافيًا.
جال ببصره فينا ببطء، نظرة باردة تمر على الوجوه دون أن تستقر، ثم نطق بصوته الرخيم، ذلك الصوت الذي يحمل في نعومته شيئًا زاحفًا، يلامس الأعصاب أكثر مما يلامس السمع:
"نادوا البقية… سأوزع المهام الآن."
انتصب كولديش واقفًا فورًا، وكأن جسده تحرك قبل أن يمنحه عقله الإذن، واتجه نحو غرف النوم ليوقظ من سقط تحت وطأة التعب أو الهروب المؤقت في النوم.
ومع اختفاء صدى خطواته، عاد الصمت، لكنه لم يكن صمتًا عاديًا… بل صمت انتظار.
مرت دقائق بدت كالأعوام، حتى عاد الجميع.
واحدًا تلو الآخر.
وجوهٌ شاحبة، عيونٌ مثقلة، وأجسادٌ تتحرك وكأنها تؤدي واجبًا أكثر من كونها تعيش لحظة.
اكتمل النصاب، واجتمعنا في حلقةٍ غير معلنة، يسودها ترقبٌ مشوب بالخوف.
نظر إلينا سترانج بعينيه اللتين لا تعكسان أي ضوء، ثم رفع يده قليلًا—
وفرقع بأصابعه.
وفي اللحظة التالية—
ظهرت أربع عشرة ورقة بيضاء، ناصعة، طافية في الفراغ أمامنا بثباتٍ مريب، كأنها لا تخضع لقانونٍ نعرفه.
لم يهتز جفني هذه المرة؛ لم أعد أملك رفاهية الدهشة.
"ليتقدم كل لاعب ويأخذ الورقة التي نُقش عليها اسمه."
كان صوته حادًا، قاطعًا لأي تردد.
تقدم فروند أولًا، عيناه تتحركان بسرعةٍ مركزة بين الأوراق، حتى التقط ورقته بثقةٍ واضحة.
تلاه كولديش، ثم كيم سانغ، ثم ويندليس… تعاقب الجميع في صمتٍ ثقيل.
كأنهم يسيرون نحو مصيرٍ يعرفونه… لكنهم لا يستطيعون تجنبه.
بقيتُ مكاني للحظات، أراقب الأوراق وهي تتناقص واحدةً تلو الأخرى، قبل أن أتحرك أخيرًا.
اقتربت، ورفعت بصري، أبحث وسط البياض الطافي، حتى وقعت عيناي على اسمي.
《نيلوت.》
مددتُ يدي، وترددت لجزءٍ من الثانية، قبل أن أسحب الورقة.
كان ملمسها باردًا، باردًا بشكلٍ غير طبيعي، كأنها امتصت حرارة كل من لمسها قبلي.
فتحتها بهدوءٍ مصطنع، رغم أن أنفاسي لم تكن كذلك.
كانت الكلمات قليلة.
لكنها—
لم تكن خفيفة.
«قم بصناعةِ فتنةٍ بين الآخرين.»
...
توقفت.
لم أستوعب.
ثم استوعبت… ورفضت.
فتنة؟
أنا؟
أنا أصنع فتنة بين الآخرين…؟
بدأت الأفكار تتزاحم في رأسي، متضاربة، متسارعة، لكن شعورًا واحدًا كان يعلو فوقها جميعًا:
الرفض.
لا… هذا ليس أنا.
لن أفعل.
رفعتُ نظري نحو سترانج، وابتلعت ريقي الذي صار مراً، وسألت بصوتٍ حاولتُ أن أجعله ثابتًا رغم الاضطراب الذي يعصف داخلي:
"وما هو المصير الذي ينتظر أولئك الذين يعجزون عن إتمام مهامهم… أو يرفضونها؟"
في تلك اللحظة، تركزت أنظار الجميع عليّ.
شعرت بها دون أن أراها، كأن الهواء نفسه أصبح أثقل.
ساد صمتٌ كثيف، صمت يمكن سماعه، يمكن الإحساس به.
أغمضتُ عينيّ لثانية.
مهيئًا نفسي.
لأسوأ احتمال.
لكن—
"لا بأس… لن يطالهم أي أذى."
فتحتُ عينيّ ببطء.
ماذا…؟
حقًا؟
تسلل ارتياحٌ مفاجئ إلى صدري، كأنه أزاح حملًا كان يضغط عليه منذ اللحظة التي قرأت فيها المهمة.
لكن ذلك الشعور لم يدم.
أبدًا.
"ولكن…"
تصلب جسدي.
عاد كل شيء.
أكمل سترانج، بنفس البرود:
"أولئك الذين ينجحون في إتمام مهامهم… سيُعتبرون فائزين باللعبة فورًا، وسيتم إخراجهم من هنا إلى العالم الخارجي."
توقفت أنفاسي.
الخارج…؟
هل سمعتُه جيدًا؟
الخروج؟
الحرية…؟
نظرت حولي.
الوجوه تغيرت بوضوح.
لم تعد الصدمة وحدها حاضرة، بل انضم إليها شيء آخر… شيء أكثر خطورة.
عيون متسعة، لامعة.
أفواه نصف مفتوحة.
عقول بدأت تدور بسرعةٍ مرعبة.
الأمل.
والطمع.
كسر كولديش الصمت، لكن صوته لم يكن بريئًا، بل مشوبًا بحذرٍ واضح:
"هل يُسمح لنا بمشاركة ماهية مهامنا مع الآخرين؟"
صمت سترانج لحظة، كأنه يستمتع بالسؤال، ثم قال:
"نعم، تستطيعون…"
توقف، ثم أضاف بنبرةٍ خفيفة، لكنها تحمل ما يكفي من السم:
"لكنني أشك كثيرًا في أن أحدًا منكم سيمتلك الجرأة… أو الرغبة في فعل ذلك."
لماذا؟
لم يحتج أحد للشرح.
في تلك اللحظة—
حدث التحول.
النظرات تبدلت، تلاشت الشفقة، واختفت الزمالة.
وحلّ محلها شيءٌ آخر… أكثر برودة.
الشك.
التربص.
الحساب.
كأن كل واحدٍ بدأ ينظر للآخر… لا كرفيق.
بل كاحتمال.
كخطر...أو كوسيلة.
أنهى سترانج كلماته أخيرًا:
"المهلة الممنوحة لكم هي حتى نهاية اللعبة. وإذا انتهت اللعبة ولم يتم اللاعب مهمته… سيبقى هنا."
لا تهديد.
لا صراخ.
فقط… حقيقة باردة.
ثم استدار بهدوء، وفتح الباب.
"كلاك."
وخرج كما دخل.
لكن هذه المرة—
لم يترك خلفه صمتًا، بل ترك شيئًا أخطر بكثير.
ترك أربع عشرة ورقة…
وقنبلةً…تدق بصمت داخل كل واحدٍ منا.
...
سادَ المجلسَ صمتٌ خانق، صمتٌ ثقيل كأنه كفنٌ أُسدل فوق أرواحنا لا فوق أجسادنا فقط.
لم يكن صمتًا عاديًا؛ بل كان صوتًا بحد ذاته… صوتُ الخوف وهو يزحف ببطء بيننا، يتسلل إلى الصدور، ويستقر فيها كحجرٍ بارد.
لم يُكسره سوى ذلك الحفيف الخافت للأوراق البيضاء، وهي تُقلب بين أصابعٍ مرتجفة، أصابع تعرف—في أعماقها—أن ما تحمله ليس ورقًا… بل أحكامًا.
كانت الوجوه من حولي شاحبة، العيون زائغة، وكل واحدٍ منهم يحدق في ورقته وكأنه ينظر إلى انعكاس نفسه… لا كما يراها، بل كما يخشاها.
للحظة، شعرتُ وكأن تلك الصكوك لا تكشف مهامنا… بل تكشف ما نحن مستعدون لأن نصبحه.
ثم—وكأن إشارةً خفية قد أُعطيت—
بدأوا بالتحرك.
واحدًا تلو الآخر.
ببطءٍ غريب، ثقيل، كخطوات نملٍ يسير فوق جثةٍ لا يدرك أنه يلتهمها.
تفرقوا في أنحاء المكان، كلٌ منهم يحمل سره، يحمل عاره، أو ربما… يحمل نجاته.
تحركتُ أنا أيضًا.
أو… حاولت.
قدماي شعرتا وكأنهما غُمرتا في رصاصٍ منصهر، كل خطوة كانت جهدًا، كل حركة مقاومة غير مرئية لشيءٍ ما يشدني إلى الأسفل…
كأن الأرض نفسها ترفض أن تتركني أهرب من قراراتي.
سقطتُ على الأريكة.
لا، لم أجلس… بل ارتميت.
انغرس جسدي في القماش، وبرودته تسللت عبر ملابسي ببطء، كأصابعٍ جليدية تبحث عن قلبي.
أغمضتُ عينيّ للحظة، لكن الظلام خلف جفوني لم يكن أرحم من الواقع.
ماذا الآن…؟
سؤال بسيط.
إجابته… مستحيلة.
كلما ظننتُ أننا بلغنا القاع، أن هذا المكان قد استنفد كل أشكاله من القسوة، يفاجئني… يبتكر هاويةً جديدة، أعمق، أشد ظلمة، وأكثر عطشًا.
هل سأنجو حقًا…؟
أم أن كل ما أعيشه الآن ليس سوى تأجيلٍ أنيق… لموتٍ قذر؟
زفرتُ ببطء.
صوت أنفاسي بدا غريبًا… متقطعًا، كأنه لا يخرج من صدري، بل يُنتزع منه.
الفتنة…
تلك الكلمة.
مجرد التفكير بها جعل شيئًا في داخلي يلتف، ينقبض، يرفض.
لم تكن كلمة… بل سمّ.
فكرةٌ سوداء تزحف في عقلي كأفعى، تهمس لي بأن أنجو… على حسابهم.
كيف…؟
كيف أزرع الشك بين أناسٍ تقاسموا معي هذا الرعب؟
كيف أنظر في أعينهم… وأنا أعلم أنني من دسّ الخنجر في ظهورهم؟
لا.
هززتُ رأسي ببطء، وكأنني أطرد فكرةً نجسة.
لن أفعلها.
حتى لو كان الثمن… حياتي.
الموت… أهون.
أهون بكثير من أن أعيش وأنا أحمل وجوههم في كوابيسي، وأعلم أنني كنتُ السبب.
رفعتُ بصري نحو السقف.
الضوء الخافت كان يتراقص هناك، يرسم ظلالًا مشوهة تتحرك بلا معنى… كأنها تسخر مني.
وفجأة—
"أوي… نيلوت."
الصوت شقّ أفكاري كما تشق السكين قماشًا رقيقًا.
التفتُّ.
كان ماركوس.
يقف هناك للحظة، ثم اقترب وجلس بجانبي.
شعرتُ بالأريكة تهتز تحت وزنه، وحرارة جسده تناقض البرودة التي كانت تلتف حولي.
نظرتُ إليه.
كان شاحبًا.
شاحبًا بطريقةٍ مخيفة.
عيناه غائرتان، والهالات تحتهما داكنة، كأن النوم قد هجره منذ زمن طويل… أو كأن أفكاره لم تسمح له به أصلًا.
ساد صمتٌ قصير.
صمتٌ ثقيل… لكنه لم يدم.
"أنا… لن أقوم بمهمتي."
قالها بصوتٍ منخفض، لكن وقعها… كان كصفعة.
التفتُّ إليه بسرعة، وشعرتُ بنبض قلبي يتسارع:
"لماذا؟ ما هي مهمتك؟"
تردّد لثانية، ثم ابتسم.
ابتسامة… موجعة، ابتسامة شخصٍ قرر شيئًا… ويعرف ثمنه.
"يجب عليّ أن أصوّت على أحد منكم…"
توقّف، وابتلع ريقه، ثم أكمل، وعيناه تهربان مني:
"تيروس… أنت… فيسبر… فيلور."
شعرتُ بشيءٍ يضغط على صدري، كأن الهواء أصبح أثقل فجأة.
"أنا… لا أستطيع."
قالها وهو يحدق في الأرض.
"لا أستطيع أن أغدر بكم… مهما حصل."
صمتُّ، لكن داخلي… لم يكن صامتًا.
شيءٌ ما تحرّك في صدري… شيءٌ يشبه الامتنان، أو ربما… الألم.
لستُ وحدي.
هذه الفكرة وحدها… كانت كافية لتخفيف وطأة كل شيء.
"كنتُ سأفعل مثلك…لو كنتُ مكانك."
خرجت الكلمات مني بهدوء.
التفت إليّ.
عيناه التقتا بعيني وهناك… فهم بدون كلمات.
"مهمتي…"
توقفتُ لحظة، ثم أكملت، وكأنني أعترف بخطيئة:
"أن أصنع فتنة بينكم."
تغيرت ملامحه، لكنني تابعت:
"وأنا أيضًا… لن أفعل."
صمتٌ قصير، لكن هذه المرة… لم يكن خانقًا.
كان… مفهومًا، وكأننا، دون أن ندرك، رسمنا خطًا واحدًا… وقررنا الوقوف عليه معًا.
وفجأة—
شعرتُ بحركةٍ بجانبي.
التفتُّ.
كان فيسبر.
جلس بهدوءٍ غريب.
هدوء… غير مريح.
توترٌ خفي تسلل إلى صدري، كأن المكان ضاق فجأة.
آخر حديث بيننا مرّ في ذهني بسرعة… كطعنة لم تلتئم بعد.
ثم—
"أنا آسف…"
قالها ببساطة، لكنها لم تكن بسيطة.
التفتُّ إليه، وعيناي اتسعتا دون وعي.
"آسف… على ما قلته سابقًا."
صوته كان منخفضًا، صادقًا… خاليًا من أي دفاع.
لثانية… لم أعرف ماذا أقول.
ثم—
شعرتُ بشيءٍ يلين داخلي.
"لا بأس…"
قلتُها، وابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهي دون أن أشعر.
"لم تقل شيئًا خاطئًا أصلًا…ليس وكأنك شتمتني أو شيء من هذا القبيل."
تردد للحظة، ثم سأل بنبرةٍ شبه طفولية:
"حقًا؟"
"أكيد."
ابتسم ابتسامة صغيرة… لكنها كانت حقيقية، وكأن شيئًا ثقيلًا قد أُزيح.
"ما الذي تتحدثان عنه؟"
تدخل ماركوس، وهو ينظر بيننا.
"لا شيء مهم، فقط كنا نتحدث عن آخر محادثة حظينا بها."
أجبته.
لكن فيسبر… لم يضيع الوقت.
"على أية حال...لقد سمعتُ حديثكما عن المهام."
قالها وهو ينظر إلينا.
"يبدو… أن الجميع لديه مهمة صعبة."
"أجل…"
أجاب ماركوس.
"هذا واضح."
صمت فيسبر لثانية.
ثم قال:
"مهمتي… أن أشتم كل واحدٍ منكم… مئة مرة."
صمت ثم أكمل:
"لكنني لن أقوم بذلك—"
"كح...كح!"
للحظة لم أستوعب، اختنق صوتي.
وماركوس كذلك.
"ماذا؟!"
نظرتُ إليه بعينين كادتا أن تخرجا من محجريهما:
"لكن مهمتك سهلة!"
وأضاف ماركوس بصوتٍ جهوري:
"إنها مهمة أسهل من مهمتي أنا ونيلوت بكثير!"
قلنا في نفس الوقت، بنبرةٍ امتزج فيها الذهول بالاستنكار:
"يمكنك الخروج بسهولة إن فعلتها، فلماذا لا تفعل؟!
رد فيسبر بثلاث كلماتٍ وقعت عليّ كالثلج:
"الشتم.. شيءٌ سيء."
…
تجمّد كل شيء.
نظرتُ إليه، ثم إلى ماركوس، ثم عدتُ إليه مجدداً.
هل… هو جاد؟
في هذا المكان؟
في هذا العذاب الحي؟
يرفض النجاة… لأن الشتم "سيء"؟
يا له من شخص، أم يا له من... عالم؟
حسناً...أنا أيضاً لا أشتم إلا عندما أشعر بالغضب.
مهلاً...
عند التفكير في الأمر، لم أسمع ولو شتيمة واحدة منذ أن انتقلت لهذا العالم.
ماركوس… لا.
فيسبر… لا.
نوكس… سيريون… لوكسيان…صاحب العمل...بينفيت...كايرو...والآخرين...ولا حتى أولئك الأكثر وقاحة…
لا أحد.
حتى أنا…عندما حاولت، عندما أردتُ أن أشتم كايرو في حادثة الدمية—
لم أستطع.
كأن الكلمة… تختفي قبل أن تتشكل.
شعرتُ ببرودة تزحف في جسدي ببطء مرعب.
قطرة عرق انزلقت من جبيني.
"مهلًا…يا رفاق."
قلتُ وصوتي لم يكن ثابتًا.
"أنا لا أستطيع تذكر الشتائم...لا أتذكر أيً منها."
نظروا إليّ بغرابة.
"ماذا تقصد؟"
سأل ماركوس.
ضغطتُ على صدغيّ بقوة، وكأنني أحاول استخراج معلومة مدفونة:
"أنا لا أستطيع تذكر أي شتيمة... أنا متأكد أنها كانت هناك، في ذاكرتي، في عالمي القديم... ولكن الآن، لا أجد سوى بياضٍ مطلق."
رد فيسبر بسخرية:
"يالها من مزحة."
فقلت بتوتر:
"أنا لا أمزح."
ابتلع ماركوس ريقه، وبدا عليه التوتر:
"أنا لا أحب الشتم، ولكن سأقول شتيمة الآن لكي تتذكر... لكي أثبت لك أنك تتوهم."
قلتُ بلهفة:
"أنا أيضاً لا أحب الشتم، ولكنني أريد التأكد فقط من هذا الشلل الذي أصاب عقلي."
أغمض ماركوس عينيه، ورأيتُ عروق رقبته تبرز من شدة التركيز. فتح فمه ونطق:
"أيها الـ #$%^&"
"ماذا؟"
لم أسمع سوى طنينٍ خافت، أو فراغٍ في الجملة.
تجمد ماركوس في مكانه، وبدأ العرق يتصبب من جبينه بغزارة.
نظر إليّ برعبٍ لم أره من قبل:
"مهلاً... أنا أيضاً... لا أستطيع تذكر الشتائم!"
صمت ثقيل.
"فيسبر…"
قلتُ.
"حاول."
تردد ثم قال:
"أنا… لا أحب الشتم…"
قالها لكن هذه المرة… لم تكن مجرد قناعة، كانت… عجزًا.
حاولتُ أنا وصرختُ:
"أيها الـ #%^& !"
لم يخرج شيء.
هواءٌ خاوٍ فقط.
نظرنا لبعضنا البعض، وكأننا نرى انعكاساً لمصيبةٍ أعظم من اللعبة نفسها.
"وكأن شيئًا ما…"
بدأ ماركوس.
وأكملنا… معًا، بصوتٍ واحد.
بارد.
مرتجف.
حقيقي.
"يمنعنا من ذلك."