تبادلنا النظرات لثوانٍ…
لكن تلك الثواني لم تكن زمنًا عاديًا، بل كانت تمتدّ وتتمطّى داخل رأسي كخيطٍ مشدودٍ على وشك الانقطاع.
حتى خُيّل إليّ أنها دهرٌ كامل نُسِج من صمتٍ خانق.
صمتٌ لم يكن خاليًا، بل كان يعجّ بالأسئلة، بأسئلةٍ حادة تتخبط داخل عقولنا كطيورٍ محبوسة.
تصرخ دون صوت، وتصطدم بجدران أفواهنا المكبولة.
كان الهواء بيننا ساكنًا على نحوٍ غير طبيعي… متجمّدًا، كأن الزمن نفسه توقّف عن الجريان في تلك اللحظة، محمّلًا بثقل الاكتشاف الذي زلزل أركان منطقنا.
شعرتُ به يضغط على صدري، يتسلل إلى رئتيّ بصعوبة، باردًا وثقيلًا، كأنه يرفض أن يُستنشق.
كيف… لعالمٍ أن يسلبك حتى حقك في الصراخ بكلمةٍ نابية؟
ليس مجرد منع…
بل محو.
كأن تلك الكلمات اقتُلعت من جذورها… من اللغة… من الذاكرة… من الإحساس ذاته.
قطع ماركوس هذا السكون بصوتٍ بدا وكأنه خرج من كهفٍ فارغ، أجوف، مرتجف:
"إن كان الشتم محظورًا في هذا العالم… فلماذا منح سترانج تلك المهمة لفيسبر؟"
التفتُّ إلى فيسبر ببطء.
كانت عيناه زائغتين، تتحركان بلا تركيز، كأنهما تبحثان عن إجابةٍ ضائعة في فراغٍ لا نهاية له.
"أنا… لا أعلم."
خرج صوته خافتًا، مترددًا، كاعترافٍ ثقيل أكثر من كونه إجابة.
ولسببٍ ما… كان جهله مخيفًا أكثر من أي تفسير.
تنهدتُ بعمق، زفيرٌ طويل حاولتُ من خلاله طرد تلك الأفكار السوداء التي بدأت تتسلل إلى رأسي كدخانٍ كثيف.
رفعتُ يدي ومسحتُ العرق البارد عن جبيني، وشعرتُ ببرودته اللزجة تحت أصابعي.
"لا فائدة من إهدار أنفاسنا في التخمين…"
قلتها ببطء، ونبرة صوتي تحمل شيئًا من الإرهاق.
"ليس وكأننا نملك أصلًا القدرة على فهم أولئك المقنّعين."
حتى وأنا أنطقها… شعرتُ بمرارتها.
نحن لسنا سوى قطعٍ في لعبة… وقواعدها تُكتب في مكانٍ لا يمكننا الوصول إليه.
أكملتُ، محاولًا التشبث ببقايا المنطق:
"لكن… لنحاول فهم هذا المنع. هل هو مطلق؟ أم أن هناك ثغرات؟ هل نحن وحدنا المقيدون… أم أن الأمر يشمل الجميع؟"
أطرق ماركوس برأسه، وبدت ملامحه وكأنها تغوص في داخله، كمن ينقّب في أطلال ذاكرةٍ محطّمة.
مرّت لحظاتٌ ثقيلة، ثم قال ببطء:
"الأمر الغريب… أن بعض الكلمات لا تزال تطفو."
رفعتُ نظري إليه فورًا، وشعرتُ بانتباهٍ حاد يشدّني.
"مثل ماذا؟"
تردد، ثم قال:
"كل ما أستطيع استحضاره الآن… هو: غبي."
تسللت الكلمة إلى أذني، بسيطة… لكنها بدت غريبة في هذا السياق، كأنها نجت من مجزرةٍ لغوية.
تمتمتُ دون وعي:
"وأنا… لا أتذكر سوى: مجنون."
"وأنا…"
قال فيسبر بصوتٍ منخفض، وفيه انكسارٌ واضح.
"أحمق."
ساد صمتٌ قصير، لكنه كان ممتلئًا… بالريبة، بالارتباك، بشيءٍ لا يُطمئن.
رفعتُ حاجبيّ ببطء، والشك بدأ يتسلل إلى داخلي كإبرةٍ باردة:
"إذاً… هذه المفردات لا تُعد شتائم في هذا العالم؟"
أومأ ماركوس بمرارة:
"يبدو ذلك…"
أغمضتُ عينيّ للحظة، محاولًا استنطاق ذلك الفراغ الغريب في ذاكرتي.
ضغطتُ على عقلي، وكأنني أحاول انتزاع شيءٍ من أعماقٍ مظلمة، حتى شعرتُ بوخزٍ خفيف في رأسي.
وفجأة—
انبثقت كلمات، كقطع حطامٍ تطفو على سطح بحرٍ غارق:
"هناك أيضًا… مزعج… قبيح… سخيف… ساذج."
خرجت الكلمات ببطء، كأنها تُسحب بالقوة من مكانٍ لا يريد التخلي عنها.
"لكن لماذا هذه بالذات؟"
سأل فيسبر، وعيناه بدأتا تستعيدان شيئًا من الحدة.
شبك ماركوس أصابعه بتوتر، حتى سُمِع احتكاكها:
"ربما… لأن تأثيرها ضعيف؟ لا تجرح بعمق؟"
"ربما…"
قلتُها، لكن داخلي لم يقتنع.
بل شعرتُ أن هناك معيارًا أدق… ميزانًا خفيًا يقيس الكلمات… يقرر أيها يُمحى وأيها يُترك.
"علينا أن نتأكد."
قالها فيسبر فجأة، وانحنى قليلًا للأمام، وعيناه تلمعان بقلقٍ مصحوب بعزيمة،
"لنذهب ونسأل الآخرين."
أومأنا.
كنت بحاجة للحركة… لأي شيءٍ يكسر هذا الجمود الذي بدأ يلتف حولي كقيدٍ بارد.
دفعتُ نفسي واقفًا، وشعرتُ بتصلبٍ في عضلاتي، كأنني كنت جالسًا منذ زمنٍ أطول مما ينبغي.
رفعتُ قدمي—
لكن—
"كياااااااااااااااه!"
الصرخة مزّقت الصمت.
لم تكن مجرد صرخة…
بل شقّت الهواء كخنجرٍ حاد، أنثوية، مشبعة برعبٍ خالصٍ جعل جلدي يقشعر فورًا.
تجمّدت الدماء في عروقي.
نظرتُ نحو المطبخ.
ثم—
انطلقنا.
أقدامنا تضرب الأرض بسرعة، أنفاسي تتلاحق، ودقات قلبي تصمّ أذني كطبول حربٍ مجنونة.
امتدت يدي، دفعتُ الباب بقوة—
وانفتح.
وفي اللحظة التي رأيتُ فيها ما خلفه…
تمنيتُ… لو أنني لم أفعل.
الدم.
كان أول ما رأيته.
بقعٌ قانية، لامعة تحت الضوء، تنتشر فوق الأرض.
تتمدد ببطءٍ مرعب، كأنها كائنٌ حي يزحف، يتغذى، ويتسع.
رائحةٌ حديدية حادة اخترقت أنفي.
ملأت فمي بطعمٍ معدني مرّ، جعل معدتي تنقبض بعنف.
"مـ… ما… هذا…؟"
صوتي خرج مكسورًا، متقطعًا.
ثم رأيته.
هارليس.
ملقىً على الأرض، جسده ساكن بشكلٍ غير طبيعي، كأن الحياة قد انسحبت منه فجأة دون مقاومة.
وفي بطنه… فجوةٌ مفتوحة، ينفجر منها الدم بغزارة، يتدفق بلا توقف، كأن الجرح يبتلع كل ما فيه.
وبجانبه—
بينفيت.
واقف.
يمسك سكينًا.
قطرات الدم تنزلق من نصلها… تسقط… قطرة… تلو الأخرى… بصوتٍ خافتٍ منتظم، كعدٍّ تنازلي لنهاية شيءٍ أكبر.
وجهه يتصبب عرقًا، عيناه متسعتان، تلمعان بتوترٍ هستيري… شيءٌ فيهما مكسور، منفلت، غير مستقر.
وفي الزاوية—
بيول.
منكمشة، تبكي بصوتٍ متقطع، شهقاتها تختنق، جسدها يرتجف بعنف، كأنها تحاول أن تصحو من كابوسٍ لا ينتهي.
لم أصدق ما كانت تلتقطه عيناي.
هارليس…؟
لِمَ هو ملقىً على الأرض بهذا الشكل؟ بلا حراك… بلا أي مقاومة… والدم—
لا...
هارليس...مُلقى على الأرض.
بينفيت...يحمل سكيناً ملطخاً بالدماء.
هل...
هو مَن فعلها؟
نظرتُ بسرعة نحو فيسبر وماركوس، كأنني أبحث عن نفيٍ في وجوههم.
ماركوس كان قد تراجع خطوة إلى الخلف، قدمه احتكت بالأرض بصوتٍ خافت، وجهه فقد لونه بالكامل، شاحبٌ بشكلٍ مخيف، عيناه متسعتان كأنهما تحاولان استيعاب حجم الكارثة.
أما فيسبر…
فلم يتحرك.
وقف هناك، كتمثالٍ نُحت من الصدمة، ملامحه متجمدة، عيناه مثبتتان على المشهد، كأن الزمن توقف داخله.
وفجأة—
"ما الذي يجري هنا؟"
الصوت جاء من خلفنا، حادًا، متوترًا، شقّ الصمت كشقٍ مفاجئ في جدارٍ هش.
فروند.
تقدم بخطواتٍ واسعة، سريعة، لكن ما إن تجاوزنا وخطت عيناه داخل المطبخ—
توقف.
جسده كله شدّ دفعةً واحدة.
تيبّس.
كأن عضلاته نسيت كيف تتحرك.
ساد صمتٌ ثقيل، خانق، امتدّ لثانية واحدة فقط… لكنها بدت أطول من اللازم، كأن الزمن تعمّد إطالتها.
ثم—
انفجر.
"ما هذا يا بينفيت؟! ماذا فعلت؟!"
صوته ارتفع...لا، تمزّق، محمّلًا بغضبٍ مشوبٍ بصدمةٍ لا تُحتمل، موجّهًا مباشرةً إلى بينفيت—
الذي…
لم يجب.
لم يتحرك.
لم يرفع حتى رأسه.
كان لا يزال يحدّق في يديه.
في الدم.
ينظر إليه بتركيزٍ غريب، كأنه يحاول فهمه… أو تذكّر كيف وصل إليه… أو ربما—وهذا ما أرعبني—كأنه يراه للمرة الأولى.
ثم—
"بوم!"
الصوت دوّى فجأة.
لكمة.
قبضة فروند اندفعت بكل ما فيها من غضب، وارتطمت بخد بينفيت بقوةٍ عنيفة، دفعت رأسه جانبًا وأطاحت به أرضًا.
جسده سقط بثقل، وارتطم بالبلاط بصوتٍ مكتوم.
السكين—
انفلتت من يده.
سقطت.
ارتطمت بالأرض.
وصدر عنها رنينٌ معدني حاد، بارد، ارتدّ صداه في أرجاء المطبخ كجرسٍ يُعلن نهاية شيءٍ ما.
رفعتُ بصري نحوه.
ثم—
انقض عليه فروند، وشده من ياقته بقوة كادت تقتلعها، صرخ في وجهه وهو يرتجف غضباً:
"هل أنت من فعل هذا لهارليس؟! أجبني!"
لكن بينفيت…رفع رأسه ببطء.
ببطءٍ غير طبيعي.
كأن الحركة نفسها تكلّفه جهدًا.
جانب وجهه بدأ ينتفخ تدريجيًا، الجلد يحمرّ، الملامح تتشوّه، لكن تعبيره…
لم يكن ألمًا.
كان…
فراغًا.
ثم—
حدث ما لم أتوقعه.
بدأت شفتيه تتحركان ببطء، وترتسم عليهما ابتسامة.
ابتسامة مشوّهة.
غير متناسقة.
كأنها لا تنتمي لوجهٍ بشري.
ثم—
ضحك.
"هاهاهاهاها…"
ضحكة خرجت من أعماقٍ غير مستقرة، ضحكة خالية من التردد، من الندم، من أي شيءٍ طبيعي.
تجمّدتُ.
"أجل… أنا من فعلها."
قالها وهو لا يزال يبتسم، عيناه تلمعان بشيءٍ لا أستطيع تسميته.
"أنا من فعل هذا بهارليس."
الكلمات كانت واضحة، صريحة، وقاسية.
سقطت عليّ كصفعة.
كيف…؟
كيف يمكنه أن يقولها بهذه السهولة؟
بل—
كيف يمكنه أن يضحك؟
بعد… كل هذا؟
بعد أن…؟
شعرتُ بمعدتي تنقبض، بشيءٍ بارد يزحف داخل صدري.
انفجر فروند غضبًا.
رأيت فكه ينقبض بقوة، أسنانه تصطك ببعضها حتى سُمِع صوت احتكاكها.
ثم—
"بوم!"
لكمة ثانية.
رأس بينفيت ارتدّ للخلف.
"بوم!"
ثالثة.
"بوم!"
رابعة.
الضربات توالت، سريعة، ثقيلة، مشبعة بغضبٍ خامٍ لا ضابط له.
لكن—
الصوت بدأ يتلاشى في أذني.
لأن نظري—
انجذب إلى هارليس.
كان ساكنًا بشكلٍ خاطئ، بشكلٍ مرعب.
مهلاً…
لا…
لا يمكن…
اندفعتُ نحوه، ركبتاي ارتطمتا بالأرض داخل بركة الدماء، وبرودتها تسللت عبر ملابسي فورًا.
مددتُ يدي، أمسكتُ بكتفه، هززته—
"هارليس!"
لا رد.
لا حركة.
الدم…كان لا يزال يتدفق بغزارة وبلا توقف.
ذعري تصاعد.
مزقتُ قميصي بسرعةٍ عشوائية، أصابعي كانت ترتجف لدرجة أنني بالكاد سيطرت عليها، ثم ضغطتُ بكل قوتي على الجرح.
"اصمد… اصمد…!"
لم أكن أعلم إن كنتُ أصرخ له… أم لنفسي.
لكن الدم—
لم يتوقف.
بل تسلل بين أصابعي، غمر راحتيّ، دافئ… كثيف… لزج.
رائحته التصقت بأنفاسي.
حرارته تسللت إلى جلدي.
شددتُ الضغط أكثر، حتى بدأت يداي تؤلمانني.
لكن…
لا فائدة.
الحياة…كانت تتسرب منه.
قطرةً… قطرة.
خلفي، كان صوت الضربات لا يزال يتردد، كإيقاعٍ جنائزي بطيء، وفي مكانٍ ما، كانت بيول تبكي، شهقاتها تتكسر.
وفيسبر وماركوس لا يزالان متسمرين كالتماثيل.
أما أنا…
فكنتُ أغرق.
في هذه اللحظة.
في هذا العجز.
حتى—
شعرتُ بيدٍ توضع على كتفي.
ثابتة.
هادئة.
"يمكنك التوقف الآن… سأتفقد أنا حالته."
التفتُّ بسرعة.
فيلور.
للحظة شعرتُ بشيءٍ يشبه النجاة.
ابتعدتُ قليلًا، أنفاسي متقطعة، يداي ترتعشان، مغطاتان بالدم حتى المعصمين.
انحنى فيلور، هادئًا على نحوٍ غريب وسط هذه الفوضى.
وضع إصبعين على عنق هارليس، ثم قرّبهما من أنفه.
ثوانٍ…ثقيلة…ساكنة…كأن العالم كله حبس أنفاسه.
ثم…
أبعد يده ببطء.
نظر إلى وجه هارليس الشاحب…وقال:
"للأسف… لقد فات الأوان."
توقّف شيءٌ داخلي.
"توقف نبضه منذ دقائق… لقد مات."
مات؟
كيف يمكن لكلمةٍ واحدة…أن تكون بهذا الثقل؟
هل… انتهى كل شيء… بهذه البساطة؟
وسط ضجيج أفكاري، عاد صوت فروند، مكسورًا، غاضبًا:
"لماذا فعلت هذا؟! لماذا؟!"
رد بينفيت…ببرود:
""لماذا"... تسأل؟ أليس الأمر واضحاً؟ لقد كانت مهمتي هي السبب."
تجمد الجميع.
الهواء صار أثقل من أن يُتنفس.
أكمل بينفيت ببرودٍ يثير القشعريرة:
"كانت المهمة تأمرني بقتل واحد منكم... واحد فقط مقابل حريتي."
فقط بسبب ورقة؟ فقط بسبب "مهمة" تافهة يزهق حياة إنسان؟
صرخ فروند بصوتٍ مبحوح، خرج من حنجرته كأنه يُسحب منها بالقوة، ممزقًا ما تبقى من تماسكه:
"فقط بسبب مهمة؟! لقد سلبت حياة إنسان… من أجل ورقة؟!"
كان صوته يرتجف، لا من ضعفٍ… بل من شدّة الغضب الذي تجاوز حدوده، غضبٌ اختلط بصدمةٍ لم يستطع عقلُه استيعابها بعد.
رأيتُ عروقه تنتفخ عند عنقه، ويداه ترتعشان وهو يحدّق في بينفيت.
كأنه ينتظر—لا، يتوسل—أن يتراجع، أن يقول إنها مزحة، خطأ.
أي شيءٍ ينقذ ما تبقى من منطق هذا العالم.
لكن بينفيت…
لم يتراجع.
رفع رأسه ببطء، كأن الضربات التي تلقّاها قبل لحظات لم تكن سوى تفصيلٍ ثانوي.
ثم مسح الدم العالق على شفتيه بطرف يده، حركة عادية… باردة… مخيفة في بساطتها.
"وماذا في ذلك؟"
خرجت كلماته هادئة، على نحوٍ مستفز، كأنها لا تنتمي إلى نفس المشهد الذي نعيشه.
"إن لم أقتله… لربما بادر هو بقتلي."
توقّف لثانية، ثم أكمل، وعيناه تلمعان بصلابةٍ غريبة، كأن قرارًا داخليًا قد حُسم بلا رجعة:
"هنا… الأقوى هو من يستحق العيش."
سقطت كلماته في المكان كحجارةٍ ثقيلة.
لم تكن مجرد تبرير…
بل كانت قانونًا.
قانونًا قاسيًا، مجرّدًا من أي شيءٍ بشري.
شعرتُ بشيءٍ بارد ينزلق داخل صدري.
هل… هذا ما وصلنا إليه؟
هل صرنا… نُختزل إلى هذا الحد؟
نظرتُ إلى فروند.
فتح فمه… لكنه لم ينطق.
بدا وكأن الكلمات خانته، أو ربما… لم يعد هناك كلمات كافية لوصف هذا الانحدار.
انطفأ شيءٌ في عينيه، وارتخت قبضتاه ببطء، كأن القوة التي كانت تدفعه قد تبخّرت فجأة.
ساد صمت.
صمتٌ ثقيل، لزج، التصق بالجدران وبأنفاسنا.
حتى بيول… خفّت شهقاتها، تحولت إلى أنينٍ مكتوم، كأنها لم تعد تملك طاقةً للبكاء.
أما أنا…
فكنتُ أقف هناك، يداي لا تزالان ملوثتين بدم هارليس، أشعر بثقلهما، بحرارته التي لم تبرد بعد…
وكأنها ترفض الاعتراف بما حدث.
وقف بينفيت.
ببطء.
تمايل للحظة، ثم استعاد توازنه، ومسح الدم عن فمه مرةً أخرى، هذه المرة بنفاد صبر، كأن الأمر يزعجه فقط لأنه… يعيقه.
"أريد الخروج من هنا… بأي ثمن."
قالها بنبرةٍ قاطعة، لا تقبل نقاشًا، ولا تترك مجالًا للتراجع.
"ولن يوقفني أحد."
كانت جملته الأخيرة كصفعة.
لم تكن تهديدًا فحسب…بل إعلانًا.
إعلانًا عن شيءٍ تغيّر.
شيءٍ انكسر… ولن يعود.
وفجأة—
قبل أن يتمكن أيٌّ منا من الرد…
حدث شيءٌ آخر.
شيءٌ…لم يكن ينبغي أن يحدث.
تحرّك جسد هارليس.
اهتزازٌ خفيف، بالكاد يُرى، كارتعاشةٍ صغيرة تسري في أطرافه.
توقفت أنفاسي.
حدّقت.
هل…؟
لا.
لم تكن تلك حركة حياة، لم تكن استجابة.
كانت… شيئًا آخر.
بدأ جسده يفقد تماسكه ببطء، ثم أسرع قليلًا…
جلده، ملامحه، تفاصيله التي كانت قبل لحظاتٍ تنبض بالحياة—كلها بدأت تتلاشى، تتفكك، كأنها تُسحب من الواقع خيطًا خيطًا.
رماد.
رمادٌ رماديّ، ناعم، يتفتت بصمت، يتصاعد في الهواء كغبارٍ خفيف، يذوب تدريجيًا في الفراغ.
لم يكن هناك صوت.
ولا مقاومة.
فقط—
اختفاء أمام أعيننا.
اتسعت عيناي.
شعرتُ بأن قدميّ قد تجمّدتا في مكانهما، غير قادرتين على الحركة، وكأن الأرض نفسها تمسكت بي.
تلاشى الجسد.
اختفى.
لم يبقَ منه شيء، ولا حتى أثر.
فقط… الفراغ.
نظرتُ إلى يدي.
الدم…لا يزال هناك.
يلتصق بجلدي، دافئًا، حقيقيًا، يلمع تحت الضوء.
لكن—
صاحبه؟
لم يعد موجودًا.
انقبض صدري.
ارتفعت أنفاسي دون انتظام...
محاولاً استيعاب ما حدث الآن.