152 - أثرٌ لا يمحوه الماء

تجمّد الجميع في أماكنهم.

لم يتحرك أحد… لم يجرؤ أحد.

العيون فقط… كانت حيّة.

معلّقة بذلك الفراغ الذي خلّفه اختفاء هارليس، وكأنها ترفض الاعتراف بأنه لم يعد هناك.

كان الفراغ أمامنا كثيفًا… ثقيلًا… يكاد يُرى، كجرحٍ مفتوح في نسيج الواقع.

حتى بينفيت—

ذلك الذي كان يضحك قبل لحظات—

توقفت ملامحه.

لثانيةٍ واحدة فقط… لكنني رأيتها.

ارتعاشة خفيفة مرّت في عينيه، كوميض إدراكٍ متأخر…

… كأن شيئًا ما داخله بدأ يستوعب فداحة ما فعل، حين لامس رماد ضحيته الهواء… واختفى.

ثم—

اختفى كل شيء من وجهه.

عاد ذلك الفراغ.

ذلك البرود المزعج.

وفجأة—

اخترق الصمت صوتُ خطواتٍ متسارعة.

وقعها كان فوضويًا… غير منتظم… يضرب الأرض بعجلةٍ مرتبكة، كنبضات قلبٍ مذعور يركض بلا اتجاه.

اقتربت… ثم اقتحمت المكان.

"ما هذه الضجة؟!"

"ما الذي حدث هنا؟!"

"مهلاً… لماذا الأرض—"

توقفت الأصوات.

انقطعت.

كأن أحدهم خنقها في منتصفها.

اندفعوا إلى المطبخ دفعةً واحدة—كولديش، كيم سانغ، ويندليس، تشاست، كانابي، وتيروس—لكنهم ما إن عبروا العتبة حتى تباطأت حركتهم فجأة… ثم توقفت.

أقدامهم تجمّدت عند حافة الدم.

ذلك الدم الأحمر الداكن الذي كان لا يزال لامعًا تحت الضوء.

يلتقط انعكاس وجوههم الشاحبة ويشوّهها، كمرآةٍ مكسورة تعكس الحقيقة بطريقةٍ لا تُحتمل.

رائحة الحديد كانت لا تزال عالقة في الهواء.

حادة.

ثقيلة.

تلتصق بالحلق وتترك طعمًا مرًّا في الفم.

رأيت صدورهم ترتفع وتهبط ببطءٍ غير منتظم، وكأنهم يحاولون التنفس دون أن يستنشقوا ذلك المشهد.

رفع كولديش نظره.

التقت عيناه بعينيّ.

ثم انزلقتا ببطء نحو يديّ… نحو الدم.

شعرتُ بنظراته كأنها تمسك بمعصميّ وتدفعهما أمام الجميع.

"لماذا…؟"

صوته خرج مبحوحًا، مترددًا، كمن يخشى الإجابة قبل السؤال.

"لماذا أيديكم ملطخة بالدماء…يا رفاق؟ ما الذي حصل هنا؟"

لم أستطع الرد.

الكلمات… لم تكن موجودة.

فمي كان جافًا، ولساني ثقيلًا، وذاك الطعم المعدني لا يزال عالقًا في حلقي.

قبل أن أفتح فمي—

تحدث فيلور بهدوئه المعتاد.

ذلك الهدوء الذي بدا… مستفزًا بشكلٍ لا يُحتمل في هذه اللحظة.

مسح يده الملطخة بمنديلٍ ورقي، ببطءٍ منظم، كأن ما حوله لا يتجاوز كونه فوضى عابرة، ثم قال:

"يبدو أن… بينفيت قام بقتل هارليس."

سقطت الجملة ببساطة، وببرود، كأنها حقيقة عادية.

"مـ… ماذا؟!"

اندفع كيم سانغ خطوة للأمام، صوته ارتفع بشكلٍ حاد، عينيه تتحركان بسرعة، تبحثان… تفتشان… ترفضان التصديق.

"لكن… لا توجد جثة! أين هارليس؟!"

أشار فيلور دون استعجال إلى الهواء.

إلى تلك الذرات الرمادية الدقيقة التي كانت لا تزال عالقة، تلمع بخفوتٍ تحت الضوء، كغبارٍ لا ينتمي لهذا المكان.

"تلاشى."

الكلمة كانت أخف من أن تُقال… وأثقل من أن تُفهم.

"هل أنت متأكد؟"

قال تشاست، وعيناه تضيقان بحدة، تنتقلان بيننا كمن يزن الأكاذيب.

"هل رأيت بينفيت يفعلها حقًا؟"

هزّ فيلور رأسه ببطء.

"وصلتُ متأخرًا… لا أملك التفاصيل."

ثم أشار نحونا.

إليّ.

إلى فيسبر.

إلى ماركوس… وكانابي.

"لكنهم… كانوا هنا منذ البداية."

توقفت أنفاسي.

شعرتُ فجأة بكل العيون تسقط عليّ دفعةً واحدة.

تخترقني.

تطالبني.

تسحب مني الحقيقة بالقوة.

"أحقًا فعلها؟"

صوت تيروس كان منخفضًا… مخنوقًا.

"هل قتل رفيقه؟"

رفيقه…الكلمة ارتطمت بشيءٍ داخلي.

لكن الصورة التي في رأسي لم تكن “رفيقًا”…

كانت يدًا تغوص في الدم، وصوتًا يضحك، وحياةً تتسرّب بين أصابعي.

فتحت فمي—

لكن…لا صوت.

كان هناك شيءٌ في حنجرتي.

ثقيل.

كأن الرماد الذي تبخّر من جسد هارليس… استقر داخلي.

"أجل."

جاء الصوت من خلفي.

فروند.

مكسور… لكنه صلب.

"اعترف بنفسه… وبضحكته أيضًا."

اندفعت كانابي فجأة نحو الزاوية.

ركضت كأنها تهرب من المكان، لكنها في الحقيقة كانت تتجه إلى بيول.

انحنت، واحتضنتها بقوة، وكأنها تحاول جمع أجزائها المتناثرة.

"بيول…"

صوتها كان مرتجفًا، لكنه يحاول أن يكون ثابتًا.

"أخبريني… ماذا رأيتِ؟"

شهقات بيول كانت متقطعة، صدرها يرتفع بعنف، أصابعها ترتجف وهي تتشبث بملابس كانابي.

"كـ… كان…"

صوتها انكسر، ثم عاد ضعيفًا.

"كانت… مشاجرة… فجأة…"

أغمضت عينيها بقوة، وكأنها تحاول محو ما رأته.

"هارليس… استفزه… قال له… إنه القاتل… الوحش…"

توقفتْ، وتنفست بصعوبة.

"ثم… جنّ جنون بينفيت… ثم… ثم... فعل ما فعل."

ببطء—

تحولت كل الأنظار إليه.

بينفيت.

كان واقفًا هناك بصمت، هادئًا على نحوٍ غير مريح، كأن كل ما حدث… لا يعنيه.

صرخ كولديش فجأة، صوته شقّ التوتر:

"أمسكوه! لا تدعوه يهرب!"

تحرك كيم سانغ وتيروس فورًا، وأمسكا بذراعيه بقوة.

لكن—

شيءٌ ما كان خاطئًا.

لم يقاوم، لم يشدّ، لم يحاول الإفلات.

فقط—

رفع رأسه، ونظر إلينا، ثم ابتسم.

ابتسامة متورمة… ملطخة بالدم… لكنها واثقة.

"لا بأس…افعلوا ما تشاؤون."

قالها بهدوءٍ غريب.

ثم مال برأسه قليلًا، وعيناه تلمعان بشيءٍ مقلق:

"سأخرج من هنا بعد قليل… على أية حال."

شعرتُ بقشعريرة تسري في ظهري.

"ما الذي تهذي ب—"

"كلاك."

الصوت قطع كل شيء.

صوت معدني، ثقيل، وبارد.

"كلاك."

إغلاق.

ثم—

خطوة...ثم أخرى...

وقعُ حذاءٍ عسكريّ منتظم يتقدم نحو حلقة الرعب.

كأنها لا تنتمي للفوضى… بل تفرض نظامها الخاص.

اقتربت.

كل خطوة… كانت تضغط على صدري.

حتى ظهر.

سترانج.

واقف عند المدخل بقامته الثابتة… وقناعه الذي يخفي كل شيء… ويُظهر لا شيء.

يراقبنا كما يراقب عالمُ أحياءٍ حشراتٍ في قارورة.

صوته خرج، هادئًا، رخيمًا، ومرعبًا.

"مباركٌ للاعب الأول… الذي أتم مهمته بنجاح."

توقف، ثم—

"بينفيت."

انفجر الأخير ضاحكًا.

ضحكة حادة، مرتفعة، مليئة بنشوةٍ مريضة.

"هاهاهاها… أخيرًا! الحرية!"

أفلت يديه من قبضة كيم سانغ وتيروس اللذين ارتخيا من فرط الذهول، وتوجه نحو سترانج بخطواتٍ واثقة، خطوات شخصٍ يترك خلفه حطاماً ولا يبالي.

شعرتُ أن الضحكة تخدش أذني، وتثير الغثيان.

"بناءً على القواعد… سيتم إخراج اللاعب الآن."

قالها سترانج بهدوء عبثي، وكأننا لا نتحدث عن قتل، ولا عن إنسان.

ثم أضاف، وكأنه يلقي حجرًا آخر في بحيرةٍ لم تهدأ أصلًا:

"لقد تم إنقاذ اللاعب هارليس."

توقفت أنفاسي.

إنقاذ…؟

لكن—

"رغم أن أسلوب القتل لم يكن رحيمًا بما يكفي."

شعرتُ بشيءٍ ينكسر داخلي ببطء، وبصمت.

"وسأعلن الآن… هوية اللاعب الراحل."

دقات قلبي تصاعدت.

واحدة…

اثنتان…

ثم—

"هارليس… كان من فريق المافيا."

عم الصمت، لكن هذه المرة لم يكن صمت صدمة فقط، بل صمت… إدراك بارد، وقاسٍ.

"ماذا…؟"

خرجت مني دون وعي، كأنها ليست صوتي.

هارليس…؟

من... المافيا؟

هو... حقاً؟

تجمد الجميع، محاولين استيعاب هذه المفارقة المريرة.

"أرأيتم؟"

ابتسم بينفيت.

"لقد ساعدتكم… قربتكم خطوة من الفوز بتخلصي من أحد القتلة. "

ثم ضحك بسخرية.

"وتلقيت الضرب بدل الشكر."

"اتبعني."

قالها سترانج ببرود.

ثم مشى بهدوء، وتبعه بينفيت بخطواتٍ مثقلة بالنشوة.

لكنه توقف عند عتبة الباب، التفت إلينا للمرة الأخيرة، ونظراته تجوب وجوهنا المنكسرة:

"يبدو أنني أول من يغادر هذا العبث، كنتم… مزعجين حقاً."

قالها بهدوء.

"ومثاليين… بشكلٍ مثير للغثيان."

ابتسم ثم أضاف:

"لنرَ… كم ستنفعكم هذه المثالية."

أدار رأسه.

"ألقاكم في الخارج...ربما."

ثم—

خرج واختفى.

ساد الصمت من جديد.

نظرتُ إلى يدي، والدم لا يزال هناك.

وفكرتُ…للمرة الأولى بوضوحٍ مرعب:

ربما…هذا العالم…لا يطلب منا النجاة فقط.

بل—

يطلب أن نختار…أي نوع من الوحوش سنصبح.

...

ساد المطبخ وجومٌ ثقيل…

وجومٌ لم يكن مجرد صمت، بل كيانٌ خانق يملأ الفراغ، يضغط على الصدور ببطء، ويجعل حتى عملية التنفس تبدو كفعلٍ مُرهق.

كان الهواء ذاته… مختلفًا.

مشبعًا برائحة الرماد.

ذلك الرماد الذي لم نره يتكوّن… لكننا شهدنا نهايته.

قطع كيم سانغ هذا السكون أخيرًا.

صوته خرج مترددًا، متهدجًا، وكأنه لا يثق حتى في الكلمات التي ينطقها:

"لا أستطيع… استيعاب الأمر…"

توقف، ثم ابتلع ريقه بصعوبة.

"هارليس؟ ذلك الرجل… كان من المافيا؟"

تردد صدى سؤاله في الغرفة، وارتطم بالجدران ثم عاد إلينا… بلا إجابة.

"وأنا أيضًا…"

جاء صوت تشاست من الخلف، خافتًا، فارغًا… كصوت شخصٍ فقد شيئًا ولم يدرك بعد ما هو.

في زاوية المشهد—

تحركت بيول.

ببطءٍ في البداية… ثم بتعثرٍ واضح.

كانت خطواتها غير مستقرة، وكأن الأرض نفسها لم تعد موثوقة تحت قدميها.

عيناها زائغتان، شاحبتان، لا تركزان على شيءٍ محدد…

كأنها لا تزال ترى ما لا ينبغي أن يُرى.

مدّت يدها، وتشبثت بكانابي.

ثم—

خرجتا دون كلمة.

فقط رغبة غريزية في الهروب… من هذا المكان، من هذه الأرضية، من هذا الدم، من هذه الحقيقة.

تبعتهم ويندليس، تضم ذراعيها إلى صدرها بإحكام، أصابعها تغوص في جلدها وكأنها تحاول أن تثبت نفسها في جسدها…

أن تمنع روحها من الفرار.

راقبتهم وهم يغادرون.

ولأول مرة…

شعرت أن المطبخ أصبح أوسع… وأفرغ… وأبرد.

وضع تيروس يده على رقبته، أصابعه ضغطت على جلده كأنه يتحسس وجوده، كأنه يتأكد أنه لا يزال حيًا.

سحب نفسًا عميقًا.

صوت الهواء وهو يدخل صدره كان مسموعًا.

"إذاً…"

قالها ببطء.

"ما الخطوة التالية؟"

تجول بنظره بيننا.

"لم يتبقَّ منا سوى ثلاثة عشر شخصًا… في هذا الجحر."

"اثنا عشر."

قاطعه كولديش فورًا.

نبرته كانت جافة… قاطعة… خالية من أي دفء.

"بينفيت حصل على مكافأته… وغادر."

توقف لحظة، ثم أضاف بنظرة باردة نحو الأرضية:

"وترك لنا هذا الحطام."

"هل هناك…"

بدأ ماركوس، صوته منخفض، وعيناه تتحركان بقلق بين الوجوه.

"هل هناك أحدٌ آخر… لديه مهمة مشابهة لبينفيت؟"

سؤال بسيط، لكن أثره—

كان كمن ألقى شرارة في غرفة مليئة بالغاز.

تبادلت الأعين النظرات.

نظرات قصيرة… حذرة… مسمومة بالشك.

كل واحدٍ منا—

ينظر للآخر…وكأن الفكرة نفسها بدأت تنبت.

ماذا لو…؟

"لا يبدو ذلك…"

قالها كيم سانغ، لكن صوته لم يكن حاسمًا، بل بدا وكأنه يقنع نفسه… أكثر مما يقنعنا.

بدأوا بالمغادرة واحدًا تلو الآخر.

بلا وداع.

بلا كلمات.

فقط خطوات سريعة… متجنبة… كأنهم يخشون أن يلتصق بهم شيء من هذا المكان إن بقوا لحظة أطول.

حتى—

لم يبقَ سوى فيلور.

كان واقفًا أمام المغسلة.

ظهره مستقيم، وحركاته هادئة… دقيقة… منهجية.

يفرك يديه بالصابون بعناية مفرطة، كأن كل إصبعٍ له تطهيرٍ خاص.

رغوة بيضاء تغطي جلده… تختلط بآثار الدم، تتحول إلى لونٍ وردي باهت، ثم تنزلق نحو المصرف.

حدقتُ به.

وفكرة واحدة فقط دارت في رأسي:

كم مرة فعل هذا من قبل؟

رفع رأسه، والتقت أعيننا.

لا ارتباك.

لا توتر.

فقط ذلك الهدوء… الذي بدأ يثير في داخلي شيئًا غير مريح.

أشار إلى المغسلة.

"تعال…طهر يديك."

قالها ببساطة.

ثم أضاف، بنبرة خفيفة، لكنها لم تخلُ من دلالة:

"لا يليق بك أن تحمل هذا اللون طويلًا."

تحركتُ نحوه، ليس بإرادتي تمامًا، بل كأن جسدي قرر أن يتحرك وحده.

وضعتُ يديّ تحت الماء، وفي اللحظة التي لامس فيها جلدي—

شعرتُ ببرودة حادة.

لسعة خفيفة، كأن الماء يوبخني.

انساب فوق أصابعي، واختلط بالدم.

تحول إلى وردي…ثم أغمق…ثم اختفى.

راقبتُه بصمت.

غسلتُ يديّ مرة، ثم مرة أخرى، ثم ثالثة.

لكن—

الإحساس لم يختفِ.

ذلك الدفء اللزج…ذلك الثقل…كان لا يزال هناك.

ليس على الجلد فقط.

بل… أعمق.

هل يمكن للدم أن يتغلغل إلى العظام؟

شدّدتُ أصابعي.

فركتُ جلدي بقوة أكبر حتى بدأ يؤلمني.

لكن—

لا فائدة.

تنهدتُ، ثم رفعتُ رأسي.

فرأيت فيلور قد بدأ بالفعل في إخراج أدوات التنظيف من الخزانة.

منشفة.

سائل تنظيف.

حركاته منظمة… هادئة… كأنه يؤدي عملًا روتينيًا.

ثم—

انحنى، وبدأ يمسح الدم ببطء، وبتركيز، كما لو أنه يمحو خطأً في دفتر.

في تلك اللحظة—

ارتبطت الأفكار.

هو من نظف الدماء البارحة.

لم أسأله، لم أحتج لذلك.

كنتُ أعلم.

...

غادرتُ المطبخ.

خطواتي كانت ثقيلة، كأن الأرض تمسك بي...تمنعني من الرحيل.

لكنني خرجت.

دخلت غرفة المجلس.

كان فيسبر وماركوس هناك جالسان، صامتان، كتمثالين تُركا في مكانهما بعد انتهاء العرض.

جلستُ بجانبهما.

الصمت بيننا لم يكن مريحًا، بل كان مشتركًا.

أغمضتُ عينيّ، وغصتُ في داخلي.

هارليس… كان مافيا.

ترددت الفكرة.

مرّة.

مرتين.

عشر مرات.

هل يفترض بي أن أشعر بالارتياح؟

هل يجب أن يبتسم قلبي لأن عدواً قد سقط؟

لكن—

لم أشعر بذلك، لم أشعر بشيءٍ واضح.

فقط…فوضى.

لكن.. تباً.. أنا لا أعلم.

حقاً لا أعلم.

كيف للموت أن يكون انتصاراً وهو هكذا؟

...

مر الوقت ببطءٍ خانق، كأن عقارب الساعة تغوص في الوحل.

حتى—

دخل فيلور، وخلع نظارته.

جلس أمامنا ثم بدأ يمسحها.

"لا ترهقوا عقولكم بالتفكير…"

قالها بهدوء.

"اعتبروا ما حدث… دفاعًا عن النفس."

رفعتُ رأسي، كأن الكلمة صفعتني.

"دفاع عن النفس؟!"

قالها فيسبر بإستنكار

"لقد باغته بطعنه في بطنه!"

"بما أن سينيو مات."

رد فيلور ببساطة وهو يعيد نظارته إلى مكانها.

"فهارليس… يُعتَبر قاتلًا."

ثم نظر إلينا.

"قتل القاتل… حماية للأبرياء."

"لكنهم كانوا مجبرين…"

قال ماركوس بتردد.

"كانوا سيموتون إن لم يفعلوا ذلك."

صمت فيلور لثانية، ثم قال:

"لديك وجهة نظر...لكن الحقيقة تقول أنهم بادروا بسفك الدماء أولاً."

توقف، ثم أكمل، بنبرةٍ باردة:

"ولننجو نحن… يجب علينا إقصاؤهم."

شعرتُ بشيءٍ يشتعل داخلي.

"القتلة الحقيقيون…"

قلتُ بصوتٍ مثقل.

"ليسوا بيننا."

رفعتُ عينيّ.

"إنهم… أولئك المقنعون الذين يشاهدوننا الآن."

أومأ فيلور، لكن عينيه لم تتغيرا.

"نُزعت منا قدراتنا الخارقة يا نيلوت."

قالها بهدوء.

"نحن لسنا أبطالًا."

توقف، ثم أضاف:

"نحن… مجرد بشر. ويجب علينا تقبل هذا الواقع"

الصمت عاد، لكن هذه المرة كان أثقل.

"هاا... لا أدري، ربما…"

تمتم ماركوس.

"سأعتبر الأمر دفاعًا عن النفس كما قال فيلور."

أضاف قائلاً بإرتجاف:

"ربما كان هارليس سيطعن بظهري الليلة."

أيده فيسبر بمرارة:

"نعم… لنقل إنه دفاع عن النفس. من يدري ما كانت تخبئه لنا المافيا؟"

ثم—

نظر الثلاثة إليّ، ينتظرون مني تأييدهم في هذا المنطق البارد.

"وكيف…لي أن أفعل ذلك؟"

خرج صوتي مبحوحًا.

"أقنع نفسي… أن القتل… حل؟"

شعرتُ بثقل الكلمات.

"كيف نعتبر موت هارليس دفاعاً عن النفس، بينما محاولاته لقتلنا كانت في نظره هو دفاعاً عن حياته أيضاً؟"

توقفت، ثم تنفست.

"صحيح أنني لم أتحدث معه، لكن...ربما لو لم يعاجله بينفيت بالموت، ربما… لو لم يمت…"

ابتلعت الجملة.

"لوجدنا مخرجاً... لا يتطلب منا أن نصبح وحوشاً."

"استفق يا نيلوت."

صوت فيلور هذه المرة كان حادًا.

"انتهى الأمر."

نظراته اخترقتني.

"حزنك… لن يعيد أحدًا. استغل عاطفتك هذه في كشف القاتل الثاني. "

ثم اقترب قليلًا.

"ولو بقي حيًا…"

توقف، ثم قال ببطء:

"ربما كنتَ أنت… من اختفى."

شددتُ قبضتي، وأحسستُ بتمزقٍ داخلي.

صراع…بين ما أشعر به…وما يجب أن أقبله.

هو محق...

لا فائدة من الوهم بأحلام مستحيلة...

يجب عليّ تخطي الأمر.

المنطق القاسي دائماً ما يكون محقاً في هذه الأماكن.

"أنا أعلم..."

أجل... لا مكان هنا للأوهام الوردية.

نحن لسنا في رواية خيالية حيث يظهر البطل في اللحظة الأخيرة لينقذ الجميع دون قطرة دم واحدة.

هنا... الواقع قاسي.

قلتُ بهدوءٍ منكسر:

"أنتم محقون... لا طائل من هذه الأفكار."

ربت ماركوس على كتفي قائلاً:

"أعتذر يا نيلوت... لكننا نريد النجاة، وأنت تريد ذلك أيضاً."

ابتسمتُ ابتسامةً مصطنعة، ابتسامةً تشبه القناع:

"نعم... أنت محق، وإن لم يمت القتلة... فسنموت نحن. هذه هي المعادلة."

...

انقضت ساعات النهار في أحاديث جانبية فاترة.

كنا نتحرك كالأشباح بين المطبخ وغرفة المجلس.

نأكل...

نشرب...

ونتحدث...

كأننا نؤدي طقساً آلياً.

حتى زحف الليل بظلاله الطويلة فوق الجدران.

انسحبت الفتيات إلى غرفة المجلس، بينما توجهنا نحن الرجال إلى غرفة النوم.

هذه المرة، نام في السرير مَن لم ينم الليلة السابقة.

أما أنا نمت على الأرض الباردة، وذلك لأنني خسرت في لعبة "حجرة، ورقة، ومقص."

بينما كنتُ أدثر جسدي بالبطانية، وأحدق في سقف الغرفة المظلم.

بدأ شريط الصور يمر أمام عيني ببطء

سينيو...

ريبوس...

وهارليس...

تنهدتُ بمرارة.

في عالمي القديم حيث كنتُ أشاهد أبطال الأنمي وهم يذرفون الدموع على الأعداء...

كنتُ أسخر منهم.

أسميهم تافهين وغير منطقيين.

كنتُ أقول:

"كيف يحزنون على من أراد قتلهم؟ كم هم ساذجون."

ولكن الآن... في قلب الحدث... أظنني فهمتُ أخيراً.

فهمتُ أن خلف كل عدو... هناك حياة كاملة.

هناك عائلة... تنتظر.

هناك أحلام...سُحقت.

وهناك شخصٌ ما في مكانٍ ما... سيبكي بحرقة حين يعلم أن من يحب قد مات.

كل إنسان هنا هو بطل قصته الخاصة التي انتهت فجأة.

والآن...تبقى منا فقط اثنا عشر شخصاً.

واحد منا قاتل.

ثم جاءت الفكرة.

واضحة.

باردة.

حتمية.

أحدنا… سيموت الليلة.

2026/03/30 · 3 مشاهدة · 2330 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026