كان كل شيء… أسود.
ليس ظلامًا عاديًا… بل فراغٌ بلا حدود، بلا ملامح، بلا حتى إحساسٍ بالاتجاه.
كنتُ أطفو.
لا… لم أكن أطفو بإرادتي، بل كنتُ مُعلّقًا… كفكرةٍ منسية في عقلٍ لا يريد تذكّرها.
هذا المكان… مجددًا؟
ترددت الفكرة في داخلي، لكنها بدت باهتة، وكأنها تمر عبر طبقاتٍ كثيفة من النسيان.
عبستُ، وحاولتُ أن أحرّك يدي.
تحركتْ… ببطء، وكأنها تخترق ماءً كثيفاً غير مرئي.
رفعتها نحو وجهي… أو نحو المكان الذي أعتقد أن وجهي فيه.
لا أرى شيئاً، لا أرى حتى نفسي.
شعور بارد زحف إلى صدري.
هناك شيء…شيء حدث.
أنا متأكد.
شيء سيئ، كارثة… ربما.
لكن—
كلما حاولت الإمساك بتلك الذكرى، انزلقت مني...كالدخان.
ما هذا المكان…؟
حاولت أن أقولها.
فتحتُ فمي—
لكن لا شيء خرج، لا صوت، ولا حتى همس.
تجمدتُ.
مددتُ يدي إلى عنقي، ضغطت عليه، حاولت مرة أخرى—
لكن الفراغ ابتلع صوتي قبل أن يولد.
حاولتُ مجدداً.
مرة… مرتين…لا فائدة.
شعرتُ بانقباضٍ خفي.
لماذا… يحدث هذا؟
رفعتُ بصري نحو اللاشيء الممتد أمامي، ثم بدأت أتحرك.
أو… أظنني أتحرك.
لا توجد أرض، لا توجد نقطة مرجعية.
فقط ظلام… وأنا أعبره بلا وجهة.
مررتُ عبره… أو مرّ عبري.
لا فرق.
ثوانٍ… أم دقائق… أم ساعات؟
لا أعلم، لا شيء هنا يُقاس.
توقفتُ.
أو ربما… استسلمت.
لماذا أهتم أصلًا؟
فكرة باردة تسللت إلى داخلي.
أنا فقط...أريد أن أنام، أن أنسى، أن أختفي.
أغمضتُ عينيّ—
للحظةٍ واحدة فقط.
لحظة…لكنها كانت كافية.
وفجأة—
انفتح العالم.
شهقتُ بخفوت.
السقف الأبيض.
ذلك السقف المألوف… عاد ليملأ بصري.
رمشتُ ببطء، وكأن عينيّ تتعلمان الرؤية من جديد.
"أوه…"
رفعتُ رأسي قليلًا، ونظرت حولي.
عم الصمت.
لكن ليس صمتًا مخيفًا هذه المرة… بل صمت نومٍ عميق.
الجميع… كانوا نائمين.
تيروس يحتضن وسادته بإحكام، كطفلٍ يخشى أن تُنتزع منه.
ماركوس… فمه مفتوح قليلًا، وخيطٌ رفيع من اللعاب يلمع على طرف شفتيه.
كيم سانغ مستلقٍ على جانبه، ساكن تمامًا.
كولديش… مستقيم، حتى في نومه يبدو كجنديٍ في نوبة حراسة.
فيسبر… في وضعٍ كارثي.
يده فوق وجه ماركوس… وقدمه مغروسة في بطن تشاست.
تشاست… يتصبب عرقًا، وكأنه يحارب كابوسًا لا يُرى.
فروند على الطرف، هادئ… على غير عادته.
أما فيلور…فكان مستلقيًا على ظهره، عيناه مغمضتان، وجهه متجه للسقف… كأن نومه ليس هروبًا، بل انتظار.
تنهدتُ بخفوت.
جميعهم… نائمون بعمق.
بسلام.
بينما أنا…
نظرتُ إلى الأرض الباردة تحت جسدي.
"رائع…"
الجميع في الأسرّة… وأنا على الأرض.
"ما أنا بالنسبة لهم ليتركوني هكذا؟"
رفعتُ بصري مجددًا نحوهم.
عدّتهم بعيني.
واحد… اثنان… ثلاثة…
توقفت.
…مهلًا.
توقفت الفكرة.
أعدت العد مجدداً ببطء وبدقة.
انقبض صدري فجأة.
"لا أحد ناقص."
كل الرجال… هنا.
"إذاً—"
ابتلعتُ ريقي.
"هل يعني هذا…؟"
فكرة واحدة فقط تسللت، ثقيلة… وباردة.
الضحية… من الفتيات؟
لا.
لا تقفز للاستنتاجات يا نيلوت…ربما...ربما الطبيب أنقذ أحدهم.
نعم.
لابد أن هذا ما حدث.
أمسكتُ بهذه الفكرة، وكأنها طوق نجاة.
وقفتُ ببطء، متجنبًا إيقاظ أحد، واتجهت نحو الباب.
توقفتُ أمامه، ويدي على المقبض.
هذا الباب…بمجرد أن أفتحه…سأعرف.
تنفستُ بعمق.
ثم—
فتحته.
صوت صريرٌ خافت.
غرفة المجلس كانت هادئة… ساكنة.
لكن—
فارغة… تقريبًا.
ويندليس وبيول فقط نائمتان، لا أحد غيرهما.
شعرتُ بشيءٍ يهبط في معدتي.
لا...
هل…
هل كانت الضحية هي كانابي؟
هزَزتُ رأسي بسرعة.
"اهدأ…"
ما زال هناك المطبخ.
تحركتُ خطوة…ثم أخرى…وكل خطوة كانت أثقل من سابقتها.
حتى وصلت.
توقفتُ أمام الباب، وأغمضتُ عينيّ.
تمنيتُ…للحظةٍ واحدة فقط…أن أفتح الباب، فأجدها هناك.
جالسة.
تأكل.
تضحك.
تشتكي من شيءٍ سخيف.
أي شيء…
أي شيء… إلا ما أتوقعه.
فتحتُ الباب ببطء.
وببطء—
انهارت تلك الأمنية.
لا أحد.
فقط—
دم أحمر داكن، ممتد على الأرض… لامع تحت الضوء، كأنه لم يجف بعد.
وسكين ملقاة بجانبه.
بلا صوت.
بلا مقاومة.
بلا حتى… أثر لصاحبتها.
تنهدتُ.
لكن هذه المرة…لم يكن تنهد راحة، كان استسلامًا.
"…فهمت."
لم تخرج دمعة، لم يعد هناك شيء يخرج.
كل شيء داخلي…تآكل.
"كانابي…"
مرّ اسمها في ذهني، كذكرىٍ لا تملك وزنًا كافيًا لتُبكي.
لماذا…؟
لماذا هي؟
ما الذي فعلتَه؟
أجابتني الحقيقة بصمتها المعتاد:
لا شيء، وهذا… هو السبب.
استدرتُ ببطء.
خطواتي كانت فارغة، كأنني أمشي فقط… لأن جسدي يعرف الطريق.
عدتُ إلى غرفة المجلس.
بيول وويندليس… ما زالتا نائمتين.
سلامٌ هش…لا يستحق أن يُكسر بهذه القسوة.
لا أستطيع…إيقاظهما.
ليس الآن.
ليس أنا على الأقل.
استدرتُ نحو غرفة النوم.
فتحتُ الباب—
فوجدتُ كولديش مستيقظاً يفرك عينيه بتثاقل.
نظر إليّ، ثم تثاءب.
"أوه… نيلوت. يبدو أنك أول من استيقظ."
توقف قليلًا، ثم ضاقت عيناه.
"لكن… من ملامحك…"
صوته انخفض.
"يبدو أن أحدهم مات."
أومأتُ.
"أجل…"
تنهد.
"لا أحد من الرجال مفقود… إذًا—"
"أجل."
صمت للحظة، ثم قال:
"لنوقظ البقية."
بدأنا بإيقاظهم واحدًا تلو الآخر.
تثاؤبات.
أنين.
عيون نصف مغلقة…حتى عاد الجميع إلى وعيٍ ثقيل.
ثم—
توجهنا نحو غرفة المجلس.
أيقظنا الفتاتين.
ويندليس أولًا، ثم بيول.
فتحتُ فمي—
لكن الكلمات…خانَتني.
في تلك اللحظة—
تحرك كولديش نحو المطبخ.
خطوة—
"كلاك."
توقف.
التفتنا على صوتٍ خافت… صوت بابٍ يُفتح ببطء.
كان صوتاً عادياً… لكن في ذلك الصمت الثقيل، بدا كأنه إعلانٌ عن كارثة جديدة.
انفتح الباب، وخرج فيلور من غرفة النوم، يتبعه كيم سانغ وماركوس، ثم البقية…
وجوهٌ نصف نائمة، أعينٌ مثقلة بالنعاس، وأجسادٌ تتحرك ببطءٍ ثقيل، كأنهم لم يستيقظوا بعد بالكامل.
تثاؤبٌ هنا… وخطواتٌ متثاقلة هناك…
لكن كل ذلك توقف...في اللحظة التي رفع فيها فيلور نظره.
عيناه استقرتا عليّ أولاً…
ثم انزلقتا ببطء نحو كولديش، الذي كان قد تجمد في مكانه عند سماع الصوت…
ثم انتقلت إلى ويندليس وبيول، اللتان كانتا تتمددان، تحاولان استعادة نشاطٍ لن يعود أبداً كما كان.
صمتٌ قصير.
قصير… لكنه كان كافياً ليجعل قلبي ينقبض.
ثم قال فيلور بصوتٍ منخفض… هادئ… لكنه مثقلٌ بشيءٍ لا يُوصف:
"إذاً… يبدو أن كانابي… قد كانت الضحية."
كلماته لم تكن صرخة.
لم تكن حتى حادة.
لكنها… سقطت.
سقطت كحجرٍ ثقيلٍ في بئرٍ عميق… وارتطم صداها داخل صدورنا جميعاً.
تجمد الجميع.
حرفياً.
كأن الزمن… انكسر في تلك اللحظة.
التفتت بيول ببطء نحو فيلور، عيناها تتسعان تدريجياً، وكأنها تحاول رفض الفكرة قبل أن تكتمل.
ويندليس أيضاً نظرت نحوه، يدها لا تزال في الهواء من حركة التمدد، لكنها توقفت… وكأن جسدها نسي كيف يتحرك.
"ل-لماذا…؟"
خرج صوت بيول مرتجفاً، متقطعاً، كأن كل حرفٍ يخرج بعد صراع.
"ت-تقول ذلك…؟"
أجابها فيلور دون أن يرفع صوته، لكن نظرته لم تهتز:
"الجميع هنا… باستثنائها."
تلك الجملة كانت كافية.
كافية لتدمير آخر ذرة إنكار.
"ل-لا…"
همست بيول، رأسها يهتز ببطء، عيناها تلمعان برفضٍ هستيري.
"كلامك… غ-غير صحيح…"
كنت أراقبها… وشيءٌ ثقيل يتمزق داخلي.
أردت أن أكذب.
أردت أن أقول لها إن فيلور مخطئ… أن هذا مجرد سوء فهم… أن كانابي ستخرج بعد لحظة وهي تضحك…
لكن—
لم أستطع.
خفضتُ بصري قليلاً، ثم قلت بصوتٍ خافت، بالكاد خرج من صدري:
"هو… يقول الحقيقة يا بيول."
الصمت الذي تلا ذلك…كان أقسى من أي صراخ.
وفي لحظة—
اندفعت بيول.
لم تنتظر.
لم تفكر.
جسدها تحرك فجأة، كأن شيئاً انفجر داخلها، وركضت نحو المطبخ بخطواتٍ غير متزنة.
"بيول—!"
لا أعرف من ناداها.
لكننا جميعاً تبعناها.
خطواتنا كانت سريعة… لكنها مشوشة، غير متناسقة، كأننا نركض داخل حلمٍ ثقيل.
وصلت إلى الباب.
مدت يدها—
وفتحته بقوة.
"كا—!"
توقف الصوت في حلقها، وتوقف العالم معها.
تجمدت في مكانها.
ظهرها لنا… لكن جسدها كان مشدوداً كوترٍ على وشك الانقطاع.
ثم سقطت.
ببطءٍ أولاً… ثم انهارت بالكامل على الأرض.
وصل الجميع خلفها، وتوقفت أقدامهم.
تجمد الجميع.
المشهد…لم يتغير.
رائحة الدم… كانت أول ما هاجمني.
دافئة… حديدية… ثقيلة، تخنق الأنفاس.
الأرض… لا تزال ملوثة بالدم الأحمر الداكن، بقعٌ متفرقة، وبعضها متجمع كبركٍ صغيرة تعكس ضوءاً باهتاً.
أما بيول فقد انهارت تماماً، يداها ترتعشان فوق الأرض، ودموعها تسقط بلا توقف.
"ه-هيك…"
اختنق صوتها.
"ل-لماذا…؟"
شهقة، ثم أخرى.
"ه-هيك… ل… لماذا هي بالذات…؟"
كانت كلماتها تتكسر، كما لو أن كل جملة تُنتزع من قلبها بالقوة.
"ه-هيك… فقط لماذا…؟"
رفعت رأسها قليلاً، عيناها محمرتان، ممتلئتان بعجزٍ مؤلم.
"هيك… كانت لطيفة مع الجميع…"
ارتجف صوتها أكثر.
"لم… لم تكن لها أي عداوة مع أحد هنا…"
ثم انهارت مجدداً، صوتها يتحطم:
"فلماذا…؟"
ويندليس بجانبها…وضعت يديها على فمها، كأنها تحاول كتم صرخةٍ تريد الخروج.
لكن دموعها خانتها.
انزلقت بصمت… واحدة تلو الأخرى.
أما البقية…فكانوا واقفين بحزن.
نظرات فارغة… وجوه شاحبة… أجساد بلا روح.
أما أنا…فكنت أنظر.
فقط أنظر بحزن.
...
وفجأة—
انهار شيءٌ داخل بيول.
لم يكن بكاءً فقط… ولا حزناً عادياً.
كان انهياراً كاملاً… كأن سداً ضخماً داخلها قد تشقق أخيراً، ثم تحطم دفعةً واحدة.
تحركت.
بل اندفعت.
جسدها انطلق كالسهم، بلا تردد، بلا تفكير، نحو ويندليس.
وفي لحظةٍ خاطفة—
انغرست أصابعها في خصلات شعرها.
قبضةٌ مشدودة… عنيفة… مرتجفة.
وجذبتها بعنفٍ كاد أن يقتلعها من مكانها.
"كياااه!"
صرخة ويندليس مزقت الهواء.
صوتٌ حاد، ممتلئ بالألم والمفاجأة، ارتد صداه بين الجدران الباردة، وكأن المكان نفسه صرخ معها.
رأيتُ ملامحها تتشوه.
عيناها اتسعتا، شفتيها ارتجفتا، وجسدها حاول التراجع… لكن قبضة بيول كانت كالقيد.
"أنتِ مَن فعل هذا! لا تنكري.. أنتِ القاتلة الملطخة بالدماء!"
صوت بيول…لم يكن صوتها.
كان شيئاً آخر.
شيءٌ محروق، مكسور، يخرج من أعماق صدرٍ لم يعد يحتمل.
دموعها انهمرت بلا توقف، ساخنة، غزيرة، كأنها تحاول إطفاء حريقٍ لا يُطفأ.
"توقفي.. أرجوكِ.. لستُ أنا.. أنا لستُ القاتلة!"
ويندليس حاولت دفع يدها.
يدٌ ترتجف، ضعيفة، يائسة.
لكن بيول لم تعد تسمع.
شدّت قبضتها أكثر.
رأيتُ خصلات الشعر تنشدّ بين أصابعها، ورأيتُ الألم في وجه ويندليس يزداد.
ثم—
خرجت كلماتٌ…قاسية، جارحة.
لم نسمعها منها يوماً.
"أيتها القاتلة ال#$^%! أتقتلين كانابي لذلك السبب فقط؟ لماذا؟ أخبريني لماذا!"
ارتجف شيءٌ داخلي.
هذه… ليست بيول التي نعرفها…
"هيك...توقفي...هذا يؤلم."
"أيتها ال—"
وقبل أن تكتمل الفوضى—
تدخل فيسبر وفيلور.
تحركا بسرعة، خطواتٌ حازمة، ووجهان متوتران.
أمسكا ببيول من ذراعيها، وسحباها بعيداً بالقوة.
لكنها—
قاومت.
بكل ما تبقى فيها.
جسدها كان يرتعش، قدماها تنزلقان على الأرض، وصوتها يعلو رغم اختناق أنفاسها:
"كان يجب أن أصوّت ضدكِ في الجولة الماضية! كان قلبي يخبرني أنكِ الأفعى المتربصة!"
كلماتها اخترقت الجو.
وتركت أثراً ثقيلاً.
حاول فيسبر تهدئتها، صوته منخفض لكنه متوتر:
"بيول، تمالكي نفسكِ، لماذا تهاجمينها بهذا الشـ—"
"كلاك."
الصوت—
قطع كل شيء.
صوت المفصلات المعدنية.
حاد… بارد… نهائي.
تجمدنا جميعاً.
حتى أنفاسي… شعرتُ وكأنها توقفت في صدري.
"كلاك."
أُغلق الباب.
ببطء… لكن بحزمٍ مطلق.
لم يكن هناك شك.
إنه… هو.
شعرتُ بقشعريرة تزحف على ظهري.
ظهر سترانج.
خطواته هادئة… منتظمة… لا تتأثر بشيء.
لا بالدماء.
ولا بالبكاء.
ولا بالفوضى.
كان يمشي… وكأنه يعبر ممراً فارغاً.
عالمه… منفصل عنا.
توقف، ثم تحدث.
بذلك الصوت الرخيم… البارد… الذي يشبه همس القبور:
"الجنسية: يابانية..."
أكمل بهدوء:
"العمر: خمسة وعشرون عاماً."
أضاف ببرود:
"الاسم: كانابي."
صمت لثانية واحدة.
لكنها كانت كافية لتثبيت الحقيقة داخل صدورنا.
"هذه المرأة.. قد فارقت الحياة."
تلك الجملة…أنهت كل أمل.
انهارت بيول مجدداً، صوتها انفجر هذه المرة، نحيبٌ مرير هز المكان:
"اههههههه...بيول...ه...هيك...لماذا؟"
وقفتُ أحدق.
لا أستطيع التحرك.
كم مرة… سنعيش هذا؟
كم مرة سنفقد شخصاً… بهذه الطريقة؟
أما سترانج—
فلم يتغير.
نظر إلينا جميعاً، وكأن ما يحدث لا يعنيه، ثم قال، بنبرةٍ عبثية باردة:
"ماذا تنتظرون؟"
جال بنظره فوقنا.
نظراتنا المنكسرة… وجوهنا الشاحبة…
"حان وقتُ النقاش."
كلماته سقطت كأمرٍ إجباري.
ولا أحد… اعترض.
تحركنا ببطء.
بثقل.
خطواتنا كانت ثقيلة، كأن الأرض تمسك بأقدامنا.
وصلنا إلى الطاولة.
الكراسي احتكت بالأرض بصوتٍ حاد، مزعج، كأنه يصرخ في وجوهنا.
جلستُ ونظرت.
خمسة مقاعد…فارغة.
فجوات سوداء.
ليست مجرد أماكن خالية…بل قبور.
خمسة… ونحن ما زلنا مستمرين…
أشار سترانج نحو كولديش:
"أول من يبدأ...هو أنت."
صمت كولديش.
بدأ ينظر إلينا واحداً تلو الآخر.
عيناه حادتان… تفحصان… تبحثان…كأنها تحاول تمزيق وجوهنا واستخراج الحقيقة منها.
مر الوقت.
ثوانٍ…لكنها بدت كدقائق، ثم قال:
"أظن أن القاتل هذه المرة.. هو تيروس."
"ماذا؟! تيروس؟"
خرج صوتي وصوت ماركوس معاً.
الصدمة كانت فورية.
نظرتُ نحو تيروس.
كان هادئاً بشكلٍ… مريب.
يداه فوق الطاولة، ونظرته ثابتة.
"ولماذا وقع اختيارك عليّ؟"
سأل ببرود.
أجاب كولديش، وهو يميل للأمام:
"لأنك لم تتحدث مع كانابي قط... أليس هذا تكتيك القتلة؟ تجنب الضحية تماماً لإبعاد الشبهات؟"
ثم أضاف:
"علاوةً على ذلك، رأيتك تهمس لـ هارليس البارحة بشيءٍ ما وضحكتما سوياً..."
صمت للحظة.
"وهارليس، كما علمنا، كان قاتلاً."
هذا… منطق ... مخيف.
اندفعتُ:
"كولديش، أنا أيضاً لم أتحدث معها كثيراً!"
قال فيسبر مؤيدني:
"وأنا كذلك، هل هذا يجعلنا قتلة؟"
أما تيروس—
فرد بحدة هذه المرة:
"أهذا هو منطقك؟ لم أتحدث مع كانابي لأنه لم يكن بيننا عملٌ مشترك، ليس إلا."
ثم أكمل:
"أما بشأن البارحة..."
فحثه كولديش بسخرية:
"ماذا تنتظر؟ هل ترسم عذراً جديداً؟"
تنهد تيروس، ولأول مرة… رأيت الحزن على وجهه.
حقيقي.
"لقد... قلتُ له نكتةً ساذجة، لذلك ضحكنا."
"ولماذا تهمس له إن كانت مجرد نكتة؟"
"ذلك...لأنه ليس من الإنسانية أن نطلق النكات بصوتٍ مرتفع بينما هناك أحد قد مات."
…
هذا… منطقي.
"ذل—"
"التالي."
قطع سترانج الحوار بلا اهتمام.
انتقل الدور.
كيم سانغ.
فرك ذقنه، ثم قال:
"ما زلتُ أشك في فيلور."
انتفضتُ:
"بعد كل ما حدث؟ لا زلتَ تشك فيه؟"
"أجل."
نظرتُ نحو فيلور منتظراً منه أن يدافع عن نفسه، لكنه بقي صامتاً.
هادئ.
هادئ أكثر من اللازم...
شددتُ على أسناني ثم قلت لكيم سانغ:
"والسبب؟"
"السبب بسيط؛ إنه هادئ زيادةً عن اللزوم، هادئ رغم كل شيء حصل."
قال فروند بصوت فيه بعض الانكسار:
"هذا ليس سبباً كافياً."
لكن كيم سانغ تابع:
"والسبب الثاني والأهم.. كيف عرف فوراً أن كانابي هي الضحية؟"
توقفتُ.
"وأنا أيضاً عرفت!"
قلتُ بسرعة.
نظر إليّ، ثم قال:
"إذاً.. هل أنت القاتل؟"
تجمدت.
قلبي ضرب صدري بعنف.
"أنا لستُ القاتل!"
"إذاً كيف عرفت بهوية الضحية قبل الجميع؟"
"لأنني ذهبتُ إلى المطبـ—"
توقفت فجأة، كأن شيئاً ضربني.
…انتظر.
الصمت انتشر.
الجميع…ينظر.
لكن ليس إليّ.
إلى فيلور.
شعرتُ بالبرد يتسلل إلى أطرافي.
كيف… عرف؟
هو لم يذهب إلى المطبخ…لماذا لم يفترض فقط أنها هناك؟
قطرة عرق انزلقت من جبيني.
معدتي انقبضت.
هل… كنت مخطئاً؟
هل كنت أدافع… عن القاتل طوال الوقت؟
نظرتُ إليه.
لا… لا يمكن…
لكن—
رفع فيلور رأسه، ونظر إلى كيم سانغ بهدوءٍ… ثابت… لا يهتز، ثم قال:
"لا.. أنا لستُ القاتل."
"إذاً كيف عرفت أن كانابي هي الضحية؟"
سأله كيم بانتصار.
أجاب فيلور:
"لأنني الطبيب."
تجمد فروند:
"أنت الطبيب؟"
"نعم.. لقد قمتُ بحماية فيسبر اليوم."
صمت لثانية.
"وحين أحصيتُ الغائبين، علمتُ أن الضحية هي كانابي. أما البارحة، فقد قمتُ بإنقاذ تيروس."
زفرتُ بعمق، وكأنني كنت أحبس أنفاسي منذ دقائق.
لا أصدق...
كيف شككتُ به…؟
شعرتُ بثقلٍ من الخجل.
ثم قال فيلور بهدوء:
"هل لا يزال لديك شك بي الآن؟"
أطرق كيم سانغ رأسه:
"بما أنك الطبيب، ولا أحد اعترض على ذلك، فأنت خارج دائرة الشك."
"التالي."
قالها سترانج ببرود، بملل، كأننا لا شيء.
جاء الدور على ماركوس.
كان صامتاً.
ينظر إلى الطاولة.
لكن عينيه…لم تكونا فارغتين.
كان يفكر بعمق.
انتظرنا.
الهواء أصبح ثقيلاً، والصمت خانق.
وسؤال واحد فقط في عقلي:
من سيختار…؟
ومن التالي…؟