بعد لحظة من الصمت الخانق، جاء صوت الدمية مجددًا، لكن هذه المرة كان مفعمًا بالسعادة، بل وكأنه يحمل نبرة فخر طفولي:

"لقد فزتُ في هذه الجولة! لا أصدق أن مزحتي جعلتكما تضحكان!"

توقفتُ عند كلماتها، مذهولًا، بينما تابعت، وقد بدت في غاية السرور:

"فكما تعلمان...كنتُ أمزح بشأن أنني سأعاقبكما إن لم تضحكا. مِن القواعد أنني لا أستطيع أن أؤذيكما، حتى لو لم تضحكا في الدقيقة."

جمدت أنفاسي.

إذاً... كانت تمزح؟ كانت تهددنا بالموت من باب المزاح؟

لم أستطع تصديق ما سمعته. فالفكرة نفسها، أن يهددنا كائن بهذه الوحشية، ثم يقول إنه يمزح، كانت تُشعرني بالاختناق.

ولكن...

من يضمن أنها صادقة هذه المرة؟

من يضمن أنها لا تُعدّ لمفاجأة أخرى، أو أنها لن تغيّر القواعد فجأة كما يحلو لها؟

تلك المخلوقة ليست بشريّة... لا مشاعر لديها يمكن الوثوق بها، ولا منطق يمكن الركون إليه.

كنت على وشك أن أغرق في دوامة من الشك والأسئلة، لكن صوتها قاطع أفكاري بقسوة:

"بعد خمس ثوانٍ...ستبدأ الجولة الثالثة."

ابتلعت ريقي بصعوبة، وشعرت بجسدي يتيبّس تلقائيًا استعدادًا للجولة الجديدة.

مرّت الخمس ثوانٍ.

صمتٌ.

لم تتحرك الدمية، ولم تنطق بكلمة واحدة بعد العدّ.

كأنها تراقبنا بصمت، تستمتع بهذا التعليق المتعمّد في الزمن... لتزيد الضغط فوق رؤوسنا أكثر.

وعادت الغرفة إلى حالتها السابقة.

سكونٌ خانق، وظلامٌ مطبق لا يمكن تمييز فيه حتى اليد إن رفعتها أمام وجهك. الزمن بدا وكأنه توقّف، أو قرر أن يتباطأ بشكل مؤذٍ.

جلستُ في مكاني بثبات، لا أتحرك، لا أتنفس إلا بما يكفي للبقاء حيًا، أحاول أن أقاوم الألم الذي بدأ يستوطن ظهري وقدميّ.

آه... هذا مرهق جدًا.

ظهري كأنه يحمل حجارة، ورُكبتيّ تصرخان بصوتٍ لا يُسمع.

لكنني قاومت.

تمسّكت بالثبات وكأنني أتشبث بخيط حياة رفيع في هاوية مظلمة.

ثم... وبينما كنت غارقًا في دوامة الصبر والتفكير، حدث ما لم أكن أتوقعه.

شعرت بشيء يلمس شعري.

تجمّدت في مكاني.

برودة مفاجئة ضربت عمودي الفقري، وصوتٌ داخلي أخذ يصرخ:

تبًّا... تبًّا... تبًّا!

رجاءً...

لا يكن ما أفكر فيه...

أي شيء، أي شيء إلا ما يخطر ببالي الآن!

لكن...

الشيء استمر في التحرك.

ببطء... انزلق من أعلى رأسي، وبدأ يزحف نحو جبهتي.

شعرت بكل شعرة في جسدي تنتفض.

إنه يتحرك كزحف زاحف صغير، ببطء مريع، كأن الزمن يريدني أن أشعر بكل لحظة من وجوده.

أغغغ...

كتمت شهقة كانت على وشك أن تخرج مني، رغبة غريزية في دفعه بعيدًا، في صفعه، في معرفة ما هو... لكنني لم أستطع.

يديّ مجمدتان. أي حركة، أي همسة، أي ردة فعل، قد تُكلفني حياتي.

كان الزحف بطيئًا، رطبًا، مقززًا...

كأن هناك أرجلًا صغيرة... أو مخالب دقيقة... أو ما هو أسوأ...

عينيّ مفتوحتان، لا أرى شيئًا... فقط أشعر.

ولا يوجد ما هو أسوأ من أن تشعر بشيء مجهول يزحف على جسدك، وأنت لا تعرف ما هو.

بدأت أرتجف من الداخل.

كنت على وشك الانفجار.

لكنني تمسكت.

تماسك يا أنا... تماسك!

لا خيار لديك... أنت في قلب اللعبة، والدمية تراقبك. إذا تحركت الآن فسوف تخسر.

يجب أن أبقى ثابتًا.

رغم القشعريرة التي تسري في جلدي.

رغم الرغبة الصارخة في الصراخ.

رغم هذا الشيء المقزز...

إنها لحظة رعب خالص، لا تحتاج لأي صوت، ولا لأي مشهد مرئي.

رعب نقي... يُولد فقط عندما لا تستطيع حتى أن تتنفس بحرية.

هل سأتحمل أكثر؟

هل سأصمد؟

لا أعلم...

لكنني أعلم أن هذه الجولة... قد تكون الأسوأ حتى الآن.

---

لكن الرعب لم ينتهِ عند هذا الحد.

الشيء الذي كان يزحف على جبهتي لم يتوقف، بل تابع مسيره... إلى أن وصل إلى أنفي.

شعرت بحركته الدقيقة وهو يعبر الجلد فوق أنفي ببطء مروّع، وكأنه يعلن عن وجوده بجميع أطرافه الصغيرة المقززة.

تبًّا... كما توقعت...

إنها حشرة.

حشرة مقززة، مقرفة، زاحفة، باردة.

تخيل أن تكون في مكان معزول، مظلم، لا تجرؤ فيه على الحراك، ثم تجد فوق وجهك كائنًا كهذا!

شعرت برغبة ملحّة في التقيؤ.

بل في تلك اللحظة... تمنّيت أن أستفرغ كل ما أكلته منذ وصولي إلى هذا العالم. لم يكن الجوع أو التعب هو ما سيهزمني... بل هذه الحشرة المقززة التي قررت أن تتخذ وجهي ملعبًا لها!

يدي بدأت ترتجف، وركبتي أيضًا. كنت أشعر برعدة تسري من أطراف أصابعي حتى عمودي الفقري.

كل شيء بدا على وشك الانهيار داخلي.

لكنني تماسكت... أو حاولت على الأقل.

بدأت أتنفس ببطء، أحاول تهدئة نفسي، أقول في داخلي مرارًا:

تماسك... تماسك... تماسك...

لا يحق لك أن تتحرك.

أي إيماءة صغيرة قد تُفسّر على أنها خرق لقوانين الجولة... وقد يُنهي ذلك حياتك.

مرّت الثواني كأنها دهر، وأنا أشعر أن كل خلية في جسدي تتوسل إليّ لأفعل شيئًا. أن أصرخ. أن أضرب وجهي. أن أركض بعيدًا.

لكني لم أتحرك.

كل ما استطعت فعله... هو تكرار جملة واحدة في عقلي، جملة قلتها وأنا أشعر أنني أغرق:

رجاءً... رجاءً... رجاءً...لتنتهي العشرة دقائق في أسرع وقت ممكن.

ووسط هذه الدوامة من الغثيان، والرعب، والرجفة...

سمعت صوتًا.

الصوت ذاته.

الصوت الذي صار محفورًا في عقلي مثل طعنة مكررة:

"ترن...ترن..."

تجمّدت.

حتى الحشرة على أنفي توقفت لوهلة، أو هكذا خُيّل إليّ.

ثم جاء صوت الدمية، صافيًا كأنه خُطّ بحبر أسود على خلفية بيضاء:

"حان وقت الشخص الثالث الذي سقطت عليه الحشرة أن يضحكني..."

ثم سألت بسخرية وكأنها تجهل تمامًا الإجابة، رغم أنها تعرفها جيدًا:

"مَن هو الشخص الذي سقطت عليه الحشرة."

توقفت أفكاري فجأة.

لقد نسيت تمامًا أمر الإضحاك...

كل تفكيري كان منصبًّا على تلك الحشرة المقززة.

كيف استطاعت تحويل انتباهي بالكامل من قوانين اللعبة إلى هذا القرف المتحرك على وجهي؟

لقد سلبتني التركيز... تمامًا.

مرت لحظة قصيرة جدًا، لكنها بدت كأنها محاولة يائسة من عقلي لاسترجاع وعيه، قبل أن أتحرك أخيرًا، بدافعٍ من الخوف أكثر من أي شيء آخر.

ضربتُ وجهي بخفة مرتجفة، وأبعدت الحشرة التي كانت لاتزال تلامس طرف أنفي.

وفي الوقت نفسه، خرج صوتي متقطعًا، مرتعشًا، وأنا أتنفس بسرعة:

"إ... إنه أ... أنا، أنا من سقطت عليه الحشرة!"

لم يكن صوتي طبيعيًا.

كان مزيجًا من الذعر، والاشمئزاز، والانهيار الداخلي الذي حاولت السيطرة عليه منذ دقائق.

حتى طريقة نطقي كانت مضطربة، كأن لساني تعثّر برعبه قبل أن ينطق بالحقيقة.

أعلنت عن نفسي.

أعلنت أنني أنا الضحية التالية في هذه الجولة المريضة.

لكن داخلي كان لا يزال عالقًا في تفاصيل الحشرة.

كأنها لم تغادرني بعد، كأن زحفها ما زال محفورًا على جلدي.

رفعت بصري نحو الظلام الذي لا أرى فيه شيئًا، لكنني شعرت بها هناك...

الدمية.

تراقب.

تبتسم.

وتستعد.

2025/07/26 · 20 مشاهدة · 973 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026