بدأ العدُّ التنازلي للدقيقة.

دقيقة واحدة فقط، لكنها بدت لي كأنها حافة هاوية لا مرئية، تنتظر مني أن أتزحلق نحو مصير مجهول.

لم تكن المشكلة في الوقت، بل في المهمة التي أُلقيت على عاتقي:

إضحاك الدمية.

نعم... إضحاك كائن جامد، لا يُفترض به أن يمتلك مشاعر، ومع ذلك يطلب منّا أن نثير ضحكه وكأننا في مسرح عبثيٍ خالٍ من المنطق.

ارتبكت الأفكار في رأسي، كأنها سرب من الطيور المتضاربة في العاصفة.

ماذا أفعل؟

بماذا أبدأ؟

كيف أُضحك مخلوقًا لا أعرف إن كان يفهم الهزل من الجد؟

تكررت تلك الجملة في عقلي دون توقف، كأنها مطرقة تضرب جدارًا هشًّا من الأعصاب:

ماذا أفعل؟

جلست في مكاني، متصلبَ الجسد، والقلق ينهش داخلي كما يفعل الوحش بجسد الفريسة.

كنت أعلم يقينًا أن هذه الجولة... ليست كأي جولة.

فهي لا تعتمد على الثبات الجسدي فقط، بل تتطلب خيالًا، خفة ظل، وربما لمسة من الجنون.

ثم، وسط هذه الدوامة من التردد، انبثق من داخلي صوتٌ من الماضي... صوت صغير، بريء، لم أسمعه منذ أن ابتلعتني هذه الأرض الغريبة.

صوت أخي الصغير.

تذكّرت تلك اللحظة التي كنت فيها جالسًا على الأريكة، ممسكًا بهاتفي، بينما كان هو يلعب بسيارته الصغيرة ومن ثم قال بحماس طفوليّ صادق:

"أخي، هل تعلم ما هي النكتة التي ستُضحك أغلب الناس؟"

نظرت إليه وقتها دون اكتراث، وأجبت ببرود:

"لا أعلم. ما هي؟"

فقال، ضاحكًا:

"أن تقول نكتة عادية جدًا، ثم تضحك أنت بعد قولها بهستيرية! سيضحكون معك، حتى لو لم يفهموا شيئًا."

تذكرت كيف سخرت منه حينها، وهززت رأسي وقلت:

"فكرة عبقرية يا فيلسوف... ليت العالم بهذه البساطة."

لكن الآن...

الآن، وأنا على وشك مواجهة الضحك باعتباره اختبارًا للبقاء... لم أملك سوى تلك الفكرة.

يا للسخرية...

من كان يتخيّل أن نصيحة طفولية كهذه ستكون الحبل الوحيد المتدلّي للنجاة!

أغمضت عينيّ لحظة، لا لأهرب من الظلام — فهو يحيطني على أية حال — بل لأستعيد نبضي، وأجمع ما تبقى من شجاعتي.

إنها فرصتي الوحيدة.

سأقول نكتة... ثم أضحك بعدها كما لو أني فقدت عقلي.

ضحكة مصطنعة؟ نعم.

لكن ما دامت ستمنحني نقطة إضافية نحو النجاة، فما الضرر في القليل من الجنون؟

رفعت رأسي قليلًا، وابتلعت ريقي بصعوبة، وأنا أتهيأ لما هو قادم.

عليّ أن أضحك...

ليس لأن شيئًا مضحكًا قد قيل...

بل لأن الحياة — في هذا المكان — أصبحت هي النكتة الأكبر.

...

استجمعتُ أنفاسي، محاولًا استحضار آخر ما تبقّى في داخلي من طاقة، أو ربما من شجاعة يائسة.

لم يكن أمامي وقت طويل... العد التنازلي للدقيقة قد بدأ، والدمية تترقّب.

جلستُ بثبات، أنظر في العدم، لا لأني أرى شيئًا، بل لأن تركيزي كله منصبّ على تلك الفكرة:

لا خيار أمامي سوى هذه الخطة...نصيحة أخي الصغير.

مرّت ثوانٍ ثقيلة قبل أن أفتح فمي أخيرًا، بصوت خافت لكنه واثق، وقد قرّرتُ تنفيذ الفكرة كما هي، دون تعديل:

"أتعلمون... لماذا القلم يختفي من يد الكاتب؟"

صمتّ لوهلة.

تعمدت أن أترك هذا الصمت يتسلّل إلى المكان، ينساب وسط الظلام، لعله يُشعل بعض الفضول في ذهن تلك الدمية الباردة.

ثم، تابعتُ بصوتٍ ارتفع تدريجيًا:

"لأنه... تَعب من تصحيح أخطائه!"

ضحكت.

لكنها لم تكن ضحكة عادية... بل انفجرتُ في ضحك هستيري كأنني فقدت صوابي:

"هاهاهاهاهاهاهاها! أتصدقون؟! إختفى القلم... لأن الكاتب يُخطئ كثيرًا! هاهاهاهاهاهاهاهاهاهااا!"

وضعت يديّ على وجهي وأنا أضحك، جسدي يهتزّ وكأن شيئًا ما استيقظ في داخلي، شيء جنوني، متألم، خائف... لكنه يُحاول النجاة بالضحك.

ضحكتُ كما لم أضحك من قبل.

ضحكة ممتزجة بالتعب، بالرهبة، بالإرهاق الذهني والجسدي الذي نحتني منذ بداية هذه اللعبة السخيفة.

ضحكة لا تنتمي للفرح، بل تنتمي إلى أولئك الذين يضحكون لأنهم لا يملكون خيارًا آخر.

ضحكة أخيرة... قبل الجنون.

لكن... بينما كنت أضحك بتلك الطريقة، تسلّلت إليّ فكرة مرعبة.

ما هذا؟ لماذا لا أسمع شيئاً؟ لماذا لا تضحك الدمية؟!

بدأ الشك يتسرّب إلى رأسي.

هل فشلت؟ هل كانت نصيحة أخي مجرّد هراء طفولي؟! هل ضحكي جعلني أبدو غبيًا فقط؟!

لم أستطع الاستمرار في التفكير... لأن صوتًا غريبًا قاطعني فجأة.

صوتٌ معدني، مرتجّ، يحمل نغمة محشورة بين عبث وضحك:

"بُوه...بوهاهاهاهاهاهاهاهاهاها!"

تجمّدت.

لم أُصدق أذنيّ.

هل... هل هذه ضحكة الدمية؟

هل نجحت؟!

شعرتُ برعدة تجتاح جسدي كله، وكأن موجة دافئة تسللت عبر أطرافي، لتهزم البرد الذي استوطن داخلي منذ بداية الجولة.

لقد ضحِكَت.

ضحكت فعلًا.

نصيحة أخي الصغير — تلك العبارة العفوية البريئة التي سخرْتُ منها يومًا — كانت هي السبب في نجاتي الآن.

ضحكتُ أكثر، لكن هذه المرة كان الضحك حقيقيًا... مليئًا بالدهشة والارتياح.

ثم جاء صوت الدمية، لا يزال يحمل آثار الضحك لكنها تحاول استعادة جديّتها:

"آخخ... هذا غش! لقد ضَحِكتُ فقط لأنك استمررت بالضحك بجنون. كيف لي ألا أضحك في هذا الموقف؟!"

هل كان ذلك اعتراضًا... أم اعترافًا بالخسارة؟

تابعت، وكأنها تعلن قرارًا رسميًا:

"حسناً...لقد ربحت نقطة. لكن في الجولتين القادمتين، ممنوع على الشخص الذي عليه إضحاك الآخرين أن يضحك بنفسه."

توسّعت عيناي في الظلام، كأنني أسمع بندًا جديدًا في عقد الشقاء.

ماذا؟!

هل تمزح؟! كيف يمكن لأي شخص أن يُضحك دون أن يضحك هو الآخر؟

لكنني لم أجرؤ على الاعتراض...

في النهاية، لقد ربحت هذه الجولة، وهذا وحده كافٍ مؤقتًا.

في داخلي، تسلّل سؤال آخر...

هل كانت ضحكتي مضحكة فعلاً؟

هل كان كايرو هناك، على مقربة مني، يكاد يضحك لكنه تمالك نفسه؟

ربما كان قاب قوسين أو أدنى من الانفجار، لكنه تذكّر أن أي حركة قد تُكلّفه حياته.

ابتسمت في الظلام، ابتسامة لم يرها أحد، لكنها كانت صادقة.

نعم... يبدو أن النصائح الصغيرة، تلك التي نحتقرها أحياناً، قد تكون ذات يوم طوق النجاة.

وأنا، في هذا العالم الغريب... تعلّمت ذلك بالطريقة الأصعب.

2025/07/27 · 14 مشاهدة · 852 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026