بدأت الجولة الخامسة، الحاسمة والأصعب بين كل الجولات التي مررت بها. كان الوقت يمر ببطء مؤلم، كأن عقارب الساعة قد توقفت عن الحركة، فأشعر بكل لحظة وكأنها دهرٌ لا نهاية له.

اشتد الألم في ظهري، وكأن أوزاناً ثقيلة تتراكم فوق كتفيّ، تثقلانه أكثر فأكثر مع كل ثانية تمر. تدفقت قطرات العرق من جبيني، تساقطت ببطء على وجهي وصدر قميصي، تخبرني كم هي قاسية هذه اللحظات.

يداي، اللتان ظلتا جامدتين طوال الوقت، صارتا تتوقان إلى الحركة، إلى التحرر من القيود التي كبلتهما، لكنني قاومت بشدة، متمسكًا بصمتي وثباتي رغم كل الإغراءات التي تدفعني للتحرك.

قلبي ينبض بعنف في صدري، كأنه يريد أن ينفجر، وأنفاسي تزداد تواترًا وسرعة. كان كايرو إلى جانبي، يتنفس هو الآخر بصعوبة، وكأننا نتشارك هذا العبء الثقيل، هذه المعركة التي لا تعرف الرحمة.

أما الدمية، فلم تبدُ عليها أية علامة ضعف أو تعب. بقيت صامدة، كأنها صخرة لا تنكسر، لا تتأثر بعذابي ولا بمرور الزمن.

تمنيت بصدق أن تنقضي هذه الدقائق العشر بأسرع ما يمكن، لأنني لم أعد أطيق الألم، ولم أعد أحتمل هذه الرقابة الصارمة على كل حركة في جسدي.

وفي خضم هذا الصمت المثقل، إذ بصوت مألوف يقطع سكون المكان:

"ترن...ترن..."

كان ذلك الصوت كالجرس الذي يعلن عن بداية فصل جديد من هذا الاختبار القاسي، فصل ربما يحمل معه المزيد من الألم أو الخلاص.

تجمدت في مكاني، وأحسست برعشة تسري في جسدي، بينما كانت عيني لا تغادران الظلام الدامس من حولي، مستعدة لما ستأتي به اللحظة القادمة.

---

وبينما كنت أئنُّ تحت وطأة الألم والتعب، وإذا بصوت الدمية المألوف يعلو مجددًا، ذلك الصوت الطفولي المريب الذي لطالما كان يثير في نفسي مزيجًا من الخوف والريبة:

"مَن هو الشخص الذي سقطت عليه الحشرة؟"

عمّ الصمت المكان للحظة كأن الزمن توقف، لا صوت إلا أنفاسي الثقيلة، وقلوبنا المتسارعة تنبض في هدوء الظلام الدامس. كان الصمت كأنه غشاء ثقيل يفصل بيننا وبين الإجابة التي قد تحدد مصيرنا.

ثم، فجأة، انكسر هذا الصمت بصوتٍ ارتجف، لكنه جاء واضحًا:

"إ... إنه أنا."

كان ذلك صوت كايرو.

صوته الممزق بين الخوف والألم، يحمل بين طياته امتزاجًا من القلق والأمل. لحظةٌ أثقلت كاهلي، وتركتني عاجزًا عن الكلام.

الجولة الخامسة، الجولة الأخيرة، كانت أمامنا الآن. الأمل الأخير الذي نتشبث به في هذا الظلام القاتم. الجولة التي ستقرر مصيرنا، ما إن كنا سننجو ونخرج من هذا الكابوس، أو سنظل محاصرين في هذه اللعبة المروعة.

أغمضت عينيّ، لا لأني خائف، بل لأن التعب استبد بي، تعبٌ عميق نابع من كل ما عايشته من ألمٍ، من خوفٍ، ومن معاناة طويلة. أغمضتها لأجد لحظة سكينة وسط كل هذا العذاب، لأجمع قواي، وأستجمع ما تبقى من قوة.

وبصمتٍ داخلي، تكررت أمنياتي: أتمنى، حقًا، أن ينجح كايرو في مهمته. أن يستطيع أن يُضحك تلك الدمية الباردة، أن يكسر هذا الجدار الجليدي من العبث والجنون. فهو الأمل الأخير لي، الأمل الذي أُعلق عليه كل آمالي في النجاة.

كانت أنفاسي تتباطأ قليلًا، لكن قلبي لم يتوقف عن الخفقان، وكانت كل خلايا جسدي تنتظر اللحظة التي ستحسم هذا القدر الغامض.

فهل سينجح؟ أم ستُلقي بنا هذه الجولة في بئر لا قاع له؟

كانت تلك اللحظة، حينما وقف كل شيء على حافة الهاوية، ولم يكن أمامي إلا انتظار ما سيحدث، صامتًا وممسكًا بأملٍ ضعيف... لكنه قوي بما يكفي ليبقيني حيًا.

---

وفي سكون المكان الذي كاد يخنقني، انطلق صوت كايرو بتردد واضح:

"ت... توجد شاي مريضة... لماذا؟"

كان صوته مرتجفًا، كأنّه يحاول استجماع شجاعته، ثم توقف للحظة كأنه ينتظر ردة فعل من الهواء.

ثم تابع بصوت خافت:

"فيها سكر."

عمّ الصمت المكان من جديد، صمتٌ ثقل على صدري، صمت يجعل الوقت يبدو وكأنه يتباطأ.

كان قلبي ينبض بعنف خلف قفصي الصدري، ويديَّ مشدودتان لا تطيقان الانتظار أكثر.

في داخلي، ارتفعت صرخة خفية:

"ما هذا يا كايرو؟! ما هذه النكتة السخيفة؟! هل تظنّ حقًا أن هذه الكلمات ستُضحك الدمية؟!"

ولكنني ظللت ساكنًا، لا أستطيع النطق، ولا حتى الهمس.

ثم جاء الصوت مرة أخرى، أكثر إصرارًا رغم التوتر:

"ي... يوجد بطاطس وبرغر يركضون... لماذا؟"

ثم أضاف مبتسمًا رغم الموقف:

"لأنهم وجبات سريعة."

كنت أعلم أن النكتة طريفة إلى حد ما، لكنني كنت أعلم أيضًا أنها ليست كافية لتغيير مجرى هذه اللعبة القاسية.

تمنيت في صمت أن يبدع كايرو أكثر، أن يفعل شيئًا مختلفًا، شيئًا يُشعل ضحكة الدمية.

وكان الوقت يمر، والدقيقة تقترب من نهايتها.

ثم تردّد صوته مرة ثالثة، لكن هذه المرة بدا أكثر ثقة:

"يوجد شخص أصلع... جاءته فكرة، لكنها لم تدم، لماذا؟"

ثم أضاف بابتسامة تكاد تُسمع في صوته:

"لأنها تزحلقت من رأسه."

كدتُ أبتسم داخليًا، كدت أضحك، لكنني تذكرت أن كل حركة، وكل صوت قد يكلفنا خسارة.

كان جسدي متجمّدًا، لكن قلبي انفجر قليلاً مع تلك النكتة.

"هيا، أيتها الدمية، اضحكي!" همستُ في نفسي.

وفجأة، ومن بين ثقل الصمت وجمود المكان، انطلق صوت ضحك خافت:

"هيهيهيهيهيهيهي..."

ضحكت الدمية.

كانت ضحكتها خفيفة، لكنها حقيقية، تحمل في طياتها إقرارًا بمجهود كايرو.

ثم قالت بصوت طريف يمزج بين المزاح والدهشة:

"آخخ، محاولاتك لإضحاكي كانت حقاً مضحكة."

شعرت بأن الأمل ينبعث في داخلي كأن نجم صغير يلمع في ظلمة الليل.

كانت تلك اللحظة التي أدركت فيها أننا فزنا.

ه...هل حقاً فزنا ، هل الدمية قد ضحكت الآن ؟

هذا يعني أننا لدينا ثلاثة نقاط أما هي فلديها اثنتان...وهذا يعني أننا قد فزنا! أليس كذلك؟

2025/07/29 · 21 مشاهدة · 817 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026