أغلقتُ نافذة الحالة بعد أن تأملتُ تفاصيلها المعتادة. تلك الشاشة الجميلة ذات اللون الأزرق السماوي باتت جزءًا من يومي، وأشبه ما تكون بمرآة لنفسي. تنهدتُ قليلًا، ثم نهضت من على السرير، إذ شعرت بالجوع يضغط على بطني كأنّه يذكرني أنني لم أتناول شيئًا منذ أمس.
غادرت الغرفة متجهًا إلى الطابق الثاني، وتحديدًا نحو المطبخ، حيث رائحة الطعام التي تعبق في أروقة القلعة دائمًا ما تجذبني. وكالعادة، استقبلني الطباخ العجوز بابتسامته المألوفة وهو يقول:
"صباح الخير أيها الشاب، يبدو أنك أكثر نشاطًا هذا الصباح."
ابتسمت له وجلست على الكرسي الخشبي بجانب الطاولة الطويلة، فما لبث أن قدّم لي طبقًا من الحساء الساخن. كانت رائحته طيبة، وطعمه لذيذًا على نحوٍ خاص، وربما لأنني كنت بحاجة إلى شيء دافئ بعد أحداث الليلة الماضية.
أكلت ببطء، أتلذذ بكل ملعقة كأنني أقتات على الهدوء نفسه. شعرتُ أنني أستعيد توازني مع كل رشفة. وحين أنهيت طبقي، شكرت الطباخ وودعته بلطف، ثم غادرت المطبخ وأنا أشعر بالارتياح، وكأن دفء الطعام قد غسل شيئًا من تعب البارحة.
بدأتُ أتجول في القلعة بلا وجهة محددة. ذهبت أولًا إلى الطابق الأول، ثم صعدت إلى الطابق الثالث أتنقل بين الممرات بهدوء. كان المكان ساكنًا، وكل زاوية تحكي صمتًا من نوع خاص.
وفي أثناء نزولي من الطابق الثالث إلى الطابق الثاني، وقبل أن أصل إلى الدرج المؤدي إلى الأسفل، توقفت فجأة.
لقد لمحت شخصًا يقف أمام باب غرفة النبيل فاليس. أمعنت النظر قليلاً، لأرى أنها ليست إلا طفلة صغيرة، لا يبدو أن عمرها يتجاوز الثامنة. كانت تقف هناك بهدوء غريب، كما لو أنها تتجسس أو تنتظر شيئًا.
كان شعرها أحمر قرمزيّ اللون، يتدلّى على كتفيها في خصلات ناعمة، وعيناها الزرقاوتان تلمعان بفضول. ترتدي فستانًا صغيرًا أنيقًا يليق بأبناء الطبقة النبيلة. من المؤكد أنها ابنة أخت النبيل فاليس التي سمعت عنها مسبقًا.
اقتربت منها بخطوات هادئة. ولكن ما إن لاحظت وجودي حتى اتسعت عيناها ورفعت تنورتها الصغيرة قليلًا وركضت فجأة، كأنها ارتكبت جرمًا ما وتخشى العقاب.
"هاه؟ لماذا هربت؟" تمتمتُ بدهشة، ثم انطلقت خلفها دون تردد.
ركضت الطفلة بسرعة مفاجئة، تدور بين الزوايا والممرات، ثم نزلت الدرج المؤدي إلى الطابق الأول. لم أكن أتوقع أن تكون بهذا النشاط، لكنها كانت خفيفة القدمين. تبعتها حتى وصلنا إلى أحد الممرات في الطابق الأول، حيث تمكّنت أخيرًا من الإمساك بها.
وضعت يدي على كتفها برفق وأوقفتها، ثم قلت وأنا أبتسم لها:
"أمسكتكِ، أيتها الشقية الصغيرة."
كانت تتنفس بسرعة، وتحدّق بي بنظرة ممتعضة، ثم أطرقت رأسها قليلًا كأنها تعلم أنها أُمسكت متلبسة. قلت بنبرة مرحة، أحاول كسر توتر الموقف:
"لماذا كنتِ واقفة أمام غرفة النبيل فاليس؟ ولماذا هربتِ عندما رأيتني؟"
رفعت رأسها فجأة وقالت، بنبرة مغرورة ممتلئة بالتعالي:
"هذا ليس من شأنك أيها الرجل العجوز!"
تجمدتُ لثانية في مكاني.
عجوز؟! أنا؟!
فتحت فمي ببطء وقلت، وأنا أحاول الحفاظ على هدوئي:
"أنا لست عجوزًا، أنا في العشرينيات من عمري. وحتى لو كنتُ كذلك، فهذا لا يمنحكِ الحق في الحديث مع الأكبر منكِ بهذه الطريقة."
رفعت حاجبها وقالت ببرود:
"ومَن تظن نفسك لتقول هذا لي؟"
أضافت بلهجة متعجرفة:
"لا بد أنك أحد الحراس الذين يعملون لحماية عمي وأنا. وعمي يمكنه طردك في أي لحظة... بكلمة واحدة مني فقط، ولن تتقاضى راتبك بعدها."
حدّقت فيها بصمتٍ لوهلة. هذه الطفلة... كيف لها هذا الكم من الغرور؟ من علّمها أن الناس يقاسون بالمال والسلطة فقط؟
قلت لها، محاولًا الحفاظ على هدوئي:
"ولكنكِ لا تستطيعين معاملة من هم أكبر منكِ بعدم احترام. بل حتى من هم أصغر منكِ لا يجب أن تُعامليهم بتعالٍ وتكبر."
نظرت إليّ بعينين تلمعان بالاستنكار وقالت، وكأنها تشرح أمرًا بديهيًا:
"ولِم لا؟ لماذا لا أعامل مَن هم أقل مني منزلة بتعالٍ؟ أنا أغنى منهم، وأجمل، وأعلى مكانة."
قالتها وكأنها تنطق بحقائق كونية لا جدال فيها.
تنهّدت، وشعرت بثقلٍ في صدري، ثم قلت:
"أيتها الطفلة... الأمور لا تعمل بهذه الطريقة."
أضفت بنبرة جادة:
"هل ستكونين سعيدة إن قام شخص أعلى منكِ مكانة بمعاملتك بنفس الغرور الذي تعاملين به الآخرين؟"
صمتت، لم تجب. بل بدا على وجهها أنها لم تفكر في الأمر من قبل.
تابعت كلامي:
"معاملة الآخرين بتكبر واحتقار شيء سيء وخاطئ... هل أنتِ من الأشخاص السيئين؟"
صرخت فجأة:
"أنا لست شريرة!"
رفعت حاجبي وقلت:
"حقًا؟ إذًا لماذا تعاملين الآخرين بغرور؟ ألا تعلمين أن هذا شيء سيء؟"
قالت بعناد:
"ومَن قال لك أن هذا سيء؟! يجب على مَن يقابلونني أن يكونوا ممتنين لأنني تكرّمت وتحدثت معهم!"
رمقتها بدهشة. كيف يمكن لطفلة بهذا العمر أن تفكر بتلك الطريقة؟
قلت بهدوء:
"لكن ذلك لا يغيّر الحقيقة. التكبر على الآخرين يبقى تصرفًا سيئًا."
قالت بجدية طفولية:
"أنا فقط أُعاملهم حسب مكانتهم. ليس ذنبي أنهم أقل مني!"
هززت رأسي قليلاً وقلت:
"كما قلت، يجب أن نُعامل الجميع باحترام، حتى من هم دوننا مكانة. الاحترام لا يُشترى ولا يُفرض... بل يُمنح."
نظرت إليّ نظرةً مشوشة، ثم قالت بتردد:
"أنت غريب... لماذا يجب عليّ احترامهم؟"
ابتسمت، ونظرت إلى عينيها وقلت:
"لأننا... كلنا بشر."
أضفت بصوت خافت:
"ولأن كل إنسان، أيًّا كان، له كرامة ويستحق الاحترام... إلا بعض الاستثناءات القليلة، كما تعلمين."
سكتت للحظات، ثم أدارت وجهها بعبوس واضح. يبدو أنها لم تقتنع تمامًا، لكنها بدأت تفكر، وذلك يكفيني الآن.
تنهدت ثم ابتسمت مجددًا وسألتها:
"على أية حال... ما اسمكِ؟"
قالت وهي تعقد ذراعيها بتعالٍ:
"وما شأنك أنت باسمي؟"
كتمتُ أنفاسي للحظة، محاولاً ألا أغضب، وقلت بصوت هادئ:
"ألم نتحدث عن الأمر قبل قليل؟"
أدارت وجهها بتردد، ثم قالت بصوت خافت لكنه يحمل شيئًا من الغرور:
"ا...اسمي هو روشين. تذكره!"
ابتسمتُ وقلت لها بصدق:
"يا له من اسم جميل... يليق بطفلة مثلك."
توردت وجنتاها خجلًا، وقالت بصوت أخفض:
"أليس كذلك؟ اسمي... جميل جدًا."
هززت رأسي وأضفت:
"نعم، نعم. الأميرة الصغيرة تمتلك اسمًا جميلًا ومميزًا."
ازدادت احمرارًا، وخفضت رأسها قليلاً ثم قالت:
"أنت فقط... تُكَبِّر الأمر."
كبحت ضحكتي بصعوبة، فكانت تلك الطفلة رغم غرورها الواضح، تحمل براءة الطفولة الحقيقية خلف كلماتها المتعالية.
قلت بعدها بلطف:
"على أية حال، لماذا كنتِ واقفة أمام غرفة النبيل فاليس؟"
تبدلت ملامح وجهها فجأة إلى الجدّ، ثم صمتت للحظة طويلة. كان الصمت طويلاً بما يكفي ليبدو أنه يخفي خلفه شيئًا أكثر من مجرد حرج عابر.
فقلت بلين:
"إن كان أمرًا لا ترغبين بالحديث عنه، فلا بأس. لستِ مضطرة للإجابة."
ترددت، ثم همست بصوت منخفض بالكاد يُسمع:
"الأمر وما فيه... أنني خائفة."
رفعت حاجبيّ في بإستغراب:
"خائفة؟ ممَ تخافين؟"
تنفست روشين بعمق وقالت:
"قبل أن نأتي إلى هذه القلعة، اشترى عمي دمية من مزاد نادر، كهدية لي. كنت سعيدة جدًا بها في البداية. كانت جميلة... شعرها أسود طويل، وعيناها حمراوان... بدت نادرة حقًا."
صمتت للحظة، ثم تابعت بصوت متوتر:
"لكن في أحد الليالي، حين كنت نائمة، استيقظت على صوتٍ غريب... خطوات خفيفة، كأن أحدهم يمشي ببطء على الأرض الخشبية. خرجت من سريري لأتحقق... وتخيل ماذا رأيت؟"
حدّقت بعينيها في عينيّ، وأكملت:
"رأيت الدمية... كانت واقفة في منتصف الغرفة، بعيدة عن المكان الذي وضعتها فيه. وكانت تبتسم."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، ليس من الخوف، بل من الذكريات. الدمية مجددًا... رغم مغادرتها، ها هي أخبارها تتردد على لسان طفلة لم أعلم بوجودها إلا قبل دقائق.
قلت بصوت متوجس:
"هل تقصدين... الدمية التي وُضعت في المستودع؟"
نظرت إليّ بدهشة كبيرة وقالت:
"نعم! كيف عرفت؟!"
ترددت، ثم أجبتها بتأنٍ:
"أمم... لا تنصدمي، ولكن... تلك الدمية، كانت تستطيع التحرك والكلام."
فتحت فمها بدهشة، ثم هزت رأسها بسرعة وقالت بفرحة مفاجئة:
"هذا ما كنت أريد قوله بالضبط!"
نظرت إليها متفاجئًا:
"أنتِ كنتِ تعلمين أنها تستطيع الكلام؟! لماذا لم تخبري النبيل فاليس؟"
أخفضت عينيها، وقالت بصوتٍ خافت:
"ليس وكأنني لم أحاول... فقط، هو لم يصدقني."
أضافت بأسى:
"لكنه على الأقل وافق على وضعها في المستودع ليرضيني. لكنه لم يعتقد أنني كنت جادة. ظنني فقط... خائفة كباقي الأطفال."
أكملت بصوت مكسور:
"لكنني لم أكن أتخيل. أنا متأكدة مما رأيت. وحتى بعد أن وُضعت في المستودع، ما زلت أشعر بأنها تراقبني... ما زالت تخيفني."
شعرت بشيء من التعاطف معها. الطفلة الصغيرة التي تتصنع الغرور ليست سوى غطاء هش لروح خائفة.
فقلت لها:
"حسنًا... هناك شيء قد يدهشك."
نظرت إليّ بترقب، فأضفت:
"الدمية... لم تعد في القلعة."
اتسعت عيناها دهشة:
"حقًا؟! كيف حصل ذلك؟ وكيف عرفت؟!"
تنهدتُ قليلاً وقلت:
"لقد حدثت بعض الأشياء الليلة الماضية، جعلت الدمية... تغادر."
لم أكن مستعدًا لأن أخبرها بكل التفاصيل، فهناك أشياء لا تناسب طفلة في عمرها. ولكن بدا أن كلامي قد أراحها، فابتسمت بارتياحٍ ظاهر، وإن ظلّ ظل القلق يلوح خلف تلك الابتسامة.
---
قالت وهي تلوّح بيدها الصغيرة:
"شكرًا لك أيها العم."
عم؟! أنا؟!
حسناً...على الأقل لم تقل أنني عجوز هذه المرة.
أجبتها بلطف:
"عفوًا."
تابعت هي، وقد بدت مترددة للحظة قبل أن تستدير:
"إذًا... سأغادر الآن. أراك لاحقًا."
قلت لها وأنا أراقب خطواتها:
"نعم، إلى اللقاء."
وغادرت صاعدةً إلى الطابق الثاني. نظرتُ إليها وهي تختفي بين الدرجات، ثم ابتسمتُ ابتسامة هادئة.
رغم كل شيء، يبدو أن هذا العالم لا يزال يحتفظ ببعض البراءة.
تنفستُ بعمق، ثم توجهت إلى غرفة الحراس. دفعتُ الباب ببطء، فوجدت كايرو مستيقظًا، جالسًا على كرسي، ينظر في النافذة. اقتربت منه وقلت:
"كايرو، صباح الخير."
ردّ عليّ بصوته الذي بدا مُتعَباً:
"صباح النور."
قلت بعدها، بنبرة تحمل بعض التردد:
"إذًا... هل نذهب ونخبر الجميع بما حدث الليلة الماضية؟"
صمت لبرهة، كأنّه يسترجع ما جرى، ثم قال بتردد هو الآخر:
"لنذهب ونخبرهم."