بعد أن ابتعد سيريون، تابعنا أنا وكايرو السير ببطء متعمّد، خطواتنا مصطنعة كأننا نتظاهر بأن لا شيء يثقل أكتافنا. كنا نحاول أن نبدو طبيعيين قدر الإمكان، وكأن كل ما نحمله بين أيدينا ليس سوى بطّانية لا قيمة لها. وكأننا لم نكذب، ولم نخدع، ولم نغمر أنفسنا في مستنقع من الوهم.
اقتربنا من باب غرفة الحُرّاس، خطوات قليلة فقط كانت تفصلنا عن "منطقة الأمان" كما بدا لنا. لقد أخفينا البطّانية، تظاهرنا، خدعنا سيريون، ومضى كل شيء كما أردنا... أو هكذا ظننا.
لكن فجأة، ومن خلفنا، اخترق صوتٌ هادئٌ ومألوفٌ جدار الطمأنينة الزائف الذي بنيناه بعناية.
"إذًا... إلى متى ستستمران في مسرحيّتكما التمثيليّة؟"
توقفنا في أماكننا دفعة واحدة. شعرت كما لو أن الزمن نفسه تجمّد، وأن الدم قد توقّف عن الجريان في عروقي.
ذلك الصوت...
همست لكايرو، دون أن أجرؤ حتى على الالتفات:
"هاي، كايرو... أسمعت ما سمعت أنا؟"
أجابني بصوت مرتجف، يكاد لا يُسمع:
"ن...نعم، سمعت ما سمعت."
ازدادت دقّات قلبي، وقلت متلعثمًا:
"إ...إذًا أنا لا أتوهم؟"
هزّ رأسه قائلاً:
"أ...أنت لا تتوهم."
يا للمصيبة...
تنفّست بعمق، محاولًا لملمة شتات نفسي. حاولت أن أجد تفسيرًا منطقيًا، أيّ احتمال يُنقذنا.
"لا بأس... ربما لم يكن يقصدنا... ربّما... كان يتحدث إلى شخصٍ آخر؟"
لكن الأمل كاد أن يتبخر كليًا حين التفتُّ أنا وكايرو، ورأينا النبيل فاليس يتقدّم نحونا بخطواتٍ هادئة، باردة، لا يحمل في وجهه سوى نظرة ثاقبة.
ارتسمت على وجهي ابتسامة مرتبكة، وقلت، وأنا أحاول التماسك:
"ما الذي جاء بك إلى هذا المكان المتواضع، أيها النبيل فاليس؟"
لم يردّ فورًا. فقط نظر إلينا، كأنّه يحدّق في أرواحنا مباشرة، ثم قال بصوتٍ منخفض لا يخلو من الاتهام:
"إذًا، أنتما لن تعترفا بالحقيقة."
كانت كلماته كسهمٍ اخترق صدري.
بدأ رأسي يدور... هل كُشفنا؟ هل خطتي كانت فاشلة إلى هذا الحد؟!
لا، لا! لقد كانت محكمة! كل شيء كان محسوبًا! لا يمكن أن يكون قد كشفنا...
أو على الأقل، ليس بالكامل...
حاولت التظاهر بالجهل، فقلت وأنا أبتسم ابتسامة أقرب ما تكون للجمود:
"أنا لا أفهم ماذا تعني، أيها النبيل."
ولكن فاليس لم يتراجع، لم يرحم، لم يتراجع خطوة واحدة.
"هل ستواصلان حقًا في هذه المهزلة؟ من الأفضل أن تعترفا بالحقيقة."
بدأ العرق يتصبّب من جبيني، وأحسست أن الهواء صار أثقل من أن أتنفّسه.
إنه يعلم...
يعلم. بلا شك.
نظرت إلى كايرو، فوجدته يشارك ذات التوتر، وتكلّم أخيرًا بتردد:
"ن...نحن لا نعلم ما الذي تقصده... أ...أيمكنك التوضيح أكثر؟"
كنت أرجو أن يرحمنا النبيل بلباقة، أن يترك لنا مخرجًا، كلمة نتعلّق بها لننقذ أنفسنا، لكن ما حدث بعد ذلك سلبنا آخر خيط من الأمل.
"أنا أعتقد أنكما تعلمان ماذا يقصد النبيل فاليس بالفعل."
جاء الصوت من جهةٍ أخرى...
صوتٌ نعرفه تمامًا.
استدرت نحو مصدره... فكانت الصدمة.
إنه صاحب العمل.
توقّف قلبي للحظة.
وجهه كان خاليًا من أيّ تعبير، ولكنه حمل داخله الإدانة الكاملة.
لقد نسيت...
... لقد نسيت تمامًا أنني أخبرته سابقًا بأمر الدمية!
أخبرته أنها غادرت القلعة!
لا بد أنه أخبر النبيل فاليس بكل شيء!
نظرت إلى كايرو، فوجدته شاحب الوجه، ذاهل النظرات، وكأنه تذكّر بدوره الكارثة التي ارتكبناها.
يا لغفلتنا!
لقد حفرنا قبورنا بأيدينا.
...
لكنني تابعت الكذب، وإن بدا صوتي ينهار شيئًا فشيئًا تحت وطأة التوتر:
"أ...أنا لا أعلم ماذا تقصدان..."
وكان كايرو أسرع مني في اللحاق بالتمثيلية، فقال بصوت مرتجف:
"أ...أظن أنكما قد أخطأتما الشخصين، ل...لابد أنكما تقصدان شخصين آخرين، ف...فنحن لا نعلم ما الذي تقصدانه."
لكن كلماتنا تلك لم تحرّك في النبيل فاليس ساكنًا. لم يبدُ عليه أي ارتباك أو حتى تردد في تصديقنا. بل على العكس تمامًا، تنهد بعمق ثم قال بصوتٍ حازم حاسم:
"هذه هي الفرصة الأخيرة التي أعطيكما إياها... فلتعترفا بالحقيقة، الآن."
كانت تلك الكلمات أشبه بباب يُغلق خلفنا ببطء... الباب الأخير، بلا مفرّ.
نظرت إلى كايرو، أبحث في وجهه عن أي بارقة أمل، لكنني لم أجد سوى نظرات ضائعة، وعينين محمرّتين من التوتر، وقطرات من العرق تتصبّب على جبينه كأن جسده نفسه يُعلن استسلامه.
فقلت بصوتٍ يائسٍ مرتجف، منهزم:
"ح...حسنًا... س...سنقول الحقيقة... ولكن لتوضحا لنا أولًا... ماذا تقصدان بالضبط؟"
جاء الرد من النبيل فاليس حاسمًا، باردًا، بلا مواربة:
"أنا أتحدث عن الدمية."
تلك اللحظة كانت كافية لتنهار جميع شكوكي، وتتحوّل إلى يقين قاطع. لا مزيد من الإنكار، لا مهرب من الحقيقة. لقد كُشفنا.
زفرتُ تنهيدة طويلة، ثم قلت بصوتٍ خافت:
"ن...نحن آسفان."
وتابع كايرو من جانبي، بصوت يكاد لا يُسمع:
"ن...نحن لم نقصد خداعك... صدقني..."
رفعت رأسي وقلت، كأنني أُخرج الكلام من صميم عذابي:
"كنّا نعتزم أن نُخبرك بالحقيقة... ولكن... عندما سمعنا بثمن الدمية... خفنا، خفنا من أن تغضب وتعاقبنا بسبب مغادرتها... لهذا قررنا الكذب... حاولنا إخفاء الأمر."
أضاف كايرو على استحياء، يهمس تقريبًا:
"و...بالطبع لم نكن نطمح إلى المكافأة التي قلت إنك ستعطيها لنا إذا نجحت خطتنا... لم نرد استغلالك... فقط أردنا الخروج من الورطة دون ضرر."
ساد صمتٌ ثقيل أعقب كلماتنا، حتى أنني استطعت سماع خفقان قلبي. ثم قطع النبيل فاليس الصمت بصوت حادّ:
"أتعلمان ما هو أكثر شيء أكرهه؟"
تبادلنا النظرات، ولم نجرؤ على الرد.
تابع ببرودٍ لاذع:
"أكثر شيء أكرهه هو أن يُعاملني أحدهم وكأنني أحمق... أن يحاول خداعي كما لو أنني لا أرى أو لا أفهم."
انكمشتُ في مكاني، وتراجع كايرو خطوة للوراء. خطر ببالي أن هذه قد تكون نهايتنا... أن نُمحى من هذه القلعة، كما مُحي غيرنا.
ولكن... لا، لن أسمح لنفسي بالسقوط هكذا. سأقاوم، حتى آخر لحظة.
قلت بصوتٍ حاولت أن أجعله ثابتًا:
"نحن نعتذر... لم يكن القصد أن نُهينك... صدقني."
قال كايرو بسرعة، وكأنه يحاول ترميم ما بقي من احترام:
"نحن نادمون حقًا... نعرف أننا أخطأنا... وكان علينا أن نكون صريحين من البداية."
صمت فاليس للحظة طويلة، ثم قال ببطء:
"أتظنان أن الاعتذار كافٍ؟"
لم نرد. لم يكن في جعبتنا سوى الصمت، والخجل.
قال بعدها، وكأنه يُملي علينا فصول محاكمتنا:
"كان عليكما أن تقولا الحقيقة منذ البداية."
نظرت إليه وقلت، علّني أجد في تبريري مخرجًا:
"و...ولكن... منذ متى كنت تعلم أن الدمية قد غادرت؟"
أجاب بهدوء، وكأن الأمر لم يفاجئه لحظة:
"قبل أن تأتيا إليّ وتبدآ بكلامكما عن الدمية... كان صاحب العمل قد جاء إليّ، وأخبرني بكل شيء."
كأن أحدهم سحب الأرض من تحت أقدامي.
إذاً... لقد كان يعلم طوال الوقت؟ حتى حين كنا نكذب عليه في وجهه؟! كم كنا ساذجين...
أكمل النبيل كلامه، موجّهًا سهامه مباشرة إلى قلبي:
"كنت أنتظر منكما أن تكونا صادقَين... أن تعترفا أن الدمية غادرت... ولكنكما لم تفعلا."
قال كايرو أخيرًا، بنبرة فيها شيء من الدفاع عن النفس:
"ذ...ذلك لأننا لم نكن نعرف أي نوع من الأشخاص أنت... خفنا أنك قد تغضب وتُعاقبنا..."
نظر إليه النبيل بتعجّب حقيقي، وقال:
"أُعاقبكم؟ أنا؟ ولِمَ أفعل ذلك؟"
هززت رأسي وقلت، أتمم تفسير زميلي:
"لأن ثمن الدمية كان... باهظًا جدًا..."
ابتسم النبيل ابتسامة باهتة، وقال:
"نعم، كان ثمنها مرتفعًا. ولكن، ما ذنبكما أنتما إن كانت قد غادرت؟"
رفعت رأسي ببطء ونظرت إليه، كأن أملاً أخيرًا يُطلّ من بعيد:
"إذاً... أنت لن تعاقبنا؟"
ضحك قليلاً، ضحكة قصيرة لكنها محيّرة:
"هاهاها... صحيح، لن أعاقبكما على مغادرتها..."
هل نجونا؟!
هل لن نعاقب؟!
ثم توقف قليلاً، وواصل بنبرة أخف، لكنها أشد وقعًا:
"...لكن خداعي؟ هذا أمر مختلف تمامًا."
"هاه؟" قلت باستغراب.
"هل تشعران بالندم الآن؟" سأل، وقد عاد الحزم إلى صوته.
أجبنا معًا، دون تفكير:
"ن...نعم! نحن نادمان، حقًا!"
هز رأسه ببطء، وقال:
"هذا جيد... لكن الندم وحده لا يكفي."
صمتَ للحظة، ثم أردف ببرود:
"ستُعاقبان."
تجمّدت الدماء في عروقي مجددًا. لقد كنا ننتظر الحكم... وها هو قد صدر.