عمّ الصمت أرجاء المكان، كأن العالم قد توقّف برمّته انتظارًا لحكمٍ ما. لم يدم ذلك الصمت طويلًا، فقد قطعه صوت النبيل فاليس ببروده المعهود وهو يقول بنبرة خالية من الانفعال:
"سيكون عقابكما أن تؤدّيا مئة تمرينة ضغط متواصلة... دون أي استراحة."
تبادلت أنا وكايرو النظرات، غير مصدّقَين ما سمعناه للتو. هل هذا كل شيء؟! فقط... تمرينات ضغط؟!
نطقت دون تفكير، كمن وجد نفسه في حلم:
"ماذا؟!"
هل يُعقل أن يكون هذا هو العقاب الذي أرعبنا طوال اللحظات الماضية؟! لا جلد، لا طرد، لا سجن، فقط تمرينات؟!
حاولت أن أتأكد، فسألت بتردد:
"ولكن... هل حقًا لن تعاقبنا بشأن مغادرة الدمية؟"
أجاب النبيل بهدوء:
"كما قلت لكما، مغادرتها لم تكن خطأكما."
لكنني لم أستطع مقاومة الفضول، أو ربما الذنب، فتابعت:
"ولكنها كانت باهظة الثمن، أليس كذلك؟"
هز رأسه وقال وكأنه يستخف بالأمر:
"هي ليست غالية لتلك الدرجة."
كدت أختنق بدهشتي. ليست غالية؟! سعرها نصف مليون دولار! وتقول...أنها ليست غالية؟!
تسارعت الأفكار في رأسي، وخرجت مني الكلمات دون أن أفكّر بعواقبها:
"إذًا... إن كنت غنيًا لتلك الدرجة، فلماذا مكافأتنا ألف دولار فقط على حراستك؟"
ابتسم النبيل فاليس ابتسامة جانبية وقال ببساطة:
"أوه، ذلك لأن صاحب العمل هو من حدّد المبلغ."
ماذااا؟! كدت أصرخ.
تابع، وكأنه لم يقل شيئًا صادمًا:
"حين ذهبت إلى أندرو وطلبت منه أن يوكل إليّ بعض الحراس، عرضت عليه خمسين ألف دولار لكل واحد منكم كمكافأة على الحراسة. لكنه رفض."
صمت لحظة، ثم أضاف:
"قال إن المبلغ كبير جدًا."
خ...خمسون أ...ألف دولار؟!! شعرت برأسي يدور، والواقع يتشظى من حولي كزجاج مكسور.
حتى كايرو فتح فمه من شدّة الذهول، وعيناه جحظتا كأنّهما ترفضان التصديق.
تابع فاليس الحديث:
"وعندما أصر على ذلك، سألته أن يحدّد هو المبلغ المناسب برأيه. فقال ببساطة: ألف دولار تكفي."
استدرت ببطء نحو أندرو. نظرت إليه نظرة ممتلئة بالغضب، مختلطة بالخذلان واليأس(لماذا...لماذا؟...) لكنه أعرض عني متجنّبًا النظر في وجهي، وكأنّه يعلم تمامًا ماذا فعل.
مستحيل... مستحيل!! هذا لا يُصدق!
قلت بصوت متهدّج، محاولًا فهم ما لا يُفهم:
"لِمَ... لِمَ رفض صاحب العمل هذا المبلغ الضخم؟"
أجاب فاليس، وكأنه يروي قصة من الماضي دون أثر لانفعال:
"قال إن على كل مكافأة أن تكون متناسبة مع الجهد المبذول... وأن خمسين ألف دولار لا تليق بعمل بسيط كالحراسة."
ارتسمت على وجهي ضحكة ممتزجة بين الصدمة والمرارة واللا تصديق.
"هاهاها... صاحب العمل متواضع حقًا..."
قال فاليس وهو يضحك بخفة:
"هاهاها... أليس كذلك؟ أندرو رجل غريب الأطوار."
نظرت إلى صاحب العمل مرة أخرى، وأنا أتمتم في داخلي: هو ليس فقط غريب الأطوار... هو أغرب من الخيال نفسه.
قاطعني صوت فاليس وهو يعود إلى نبرة الجدية:
"على أيّة حال، عليكما الآن تنفيذ العقوبة. مئة تمرينة ضغط. متواصلة."
ثم نظر إلى صاحب العمل وقال:
"وبالطبع، ستقومان بها أمامه، حتى لا تفكّرا في التسلل أو التملص."
استنشقت نفسًا عميقًا. لا بأس. ليس بالأمر الصعب. يمكنني تحمّل هذا.
لكن كايرو ما زال غارقًا في صدمته، كأنه لم يستوعب بعد أن خمسين ألف دولار طارت من بين يديه بسبب قرار رجل واحد.
همس وهو بالكاد يستوعب الموقف:
"العقاب يبدو سهلاً..."
نظرت نحوه بسرعة، وصرخت في داخلي: أيها الأحمق!! لمَ قلت ذلك بصوتٍ مسموع؟!
نظرت إليه بنظرات تحذير حادة، وكأنني أقول له: لقد ورّطتنا! ألا تعلم أن هذه الكلمات قد ترفع عدد التمرينات؟!
بادلني النظرة وكأنه يعتذر بلا صوت: كانت زلة لسان... كنت مصدومًا...
وبالفعل، سمعنا صوت فاليس وهو يقول:
"أها؟ هل أزيد عدد التمرينات؟"
أجبت بسرعة وأنا ألوّح بيدي:
"لا، لا بالطبع لا! زميلي كان يمزح فقط!"
قال ببرود:
"ومن أين له الجرأة ليمزح معي بعد ما فعلتماه؟"
قلت وأنا أحاول تلطيف الأجواء:
"صدقني... يبدو أنه فقد عقله من شدة الصدمة. مرّر الأمر، رجاءً."
زفر فاليس ببطء، ثم قال:
"حسنًا... فلتقوما بالمئة تمرينة. سأغادر الآن."
توقّف للحظة، ثم أدار رأسه وقال بصوت صارم، حمل تهديدًا لا تخطئه الأذن:
"آه، صحيح... كدت أنسى. أنا لا أعاقب من يخدعني مرتين بالطريقة نفسها. في المرة القادمة، سيكون العقاب أسوأ بكثير."
نظراته كانت كالسكاكين، باردة، حادة، تخترق الجلد حتى تصل إلى الأعماق. ثم استدار، وغادر بخطوات ثابتة.
ارتخى كتفيّ، وأطلقت تنهيدة طويلة، كأنني أتنفّس للمرة الأولى منذ ساعات:
"فيوه... لقد نجونا."
لكن كايرو انفجر بغضب، وقد عاد صوته بعد صدمة المبلغ:
"لابد أنني فقدت عقلي؟! أنت تقول إنني فقدت عقلي؟! وماذا عن الخمسون ألف دولار؟!"
قلت له وأنا أرفع حاجبيّ محاولاً تهدئته:
"هاي، كايرو، اهدأ. لقد قلت ذلك فقط لكي لا يعاقبنا بعقاب أشد. ثم إن صاحب العمل هو من قرر المكافأة، وليس نحن."
وفجأة، اخترق صوتينا صوتٌ ثالث، أكثر جديّة وبرودًا:
"هل نسيتما أنني ما زلت هنا؟"
استدرنا فجأة، ووجدنا صاحب العمل ينظر إلينا بملامح جامدة كعادته.
قلت بسرعة وأنا أبتسم ابتسامة متوترة:
"بالطبع لا... لا يمكن أن ننسى ذلك..."
قال بهدوء قاتل:
"إذًا... فلْتبدآ بتمرينات الضغط."
نظرت إلى الأرض، ثم إلى كايرو، ثم إلى الأرض مجددًا...
"ماذا؟ الآن؟!"
وهكذا بدأ العقاب.
ليس العقاب الجسدي وحده... بل العقاب النفسي الأكبر:
أن تعرف أن خمسين ألف دولار كانت قاب قوسين أو أدنى...
ثم حلّ محلها... ألف دولار وتمرينات ضغط.
...
بدأنا التمرينات تحت أنظار صاحب العمل، وأعينه المتفحصة تلاحقنا كالصقر، لا ترمش، لا تغفل، ولا ترحم. انخفضنا معًا، أنا وكايرو، نؤدي أول تمرينة ضغط بقوة دفعتها دفعة الحماس الأولى، وكأن الأمر أشبه بنزهة جسدية قصيرة.
في البداية، بدا كل شيء سهلًا، بل حتى شعرت بنوعٍ من الثقة الزائدة. خمسة... عشرة... خمسة عشر... عشرون... الأرقام تتوالى بسرعة. عضلاتي ما زالت تستجيب، وصدري يرتفع ويهبط بإيقاع متزن، ونفَسي منضبط.
لكن بعد التمرينة العشرين... بدأ كل شيء يتغيّر.
أحسست بجسدي كأنه بدأ ينهار رويدًا رويدًا. شعور ثقيل كجبل بدأ يستقر على ظهري. بدأ العرق يتصبّب من جبيني بغزارة، كأن أحدهم فتح صنبورًا في رأسي. الهواء حولي صار أكثر حرارة، أشبه بغرفة مغلقة لا نوافذ فيها ولا نسمات. الرطوبة تلتف حول جلدي كالأفعى، خانقة، خانقة جدًا.
نظرت بجانبي إلى كايرو، كان مثلي تمامًا، يكافح، يتألم، يتصبب عرقًا. عيناه شبه مغلقتين، ووجهه شاحب كمن يسير على حافة فقدان الوعي.
أردت أن أستريح. أن أتوقف فقط لبضع ثوانٍ... مجرد لحظة واحدة أستعيد فيها قوتي. لكنني كنت أعلم... أعلم أن أي توقف يعني أن نبدأ من جديد. أن يعود العد إلى الصفر، ويعود الألم مضاعفًا. لا! مستحيل أن أسمح لنفسي بتكرار هذا العذاب من أوله!
أربعون... وصلت إلى الأربعين، وكأنني عبرت صحراء قاحلة نصفها شوك ونصفها جمر. ذراعاي ترتجفان، وعضلات صدري تنكمش كأنها تعلن العصيان. ظهري يؤلمني، وكتفاي يصرخان. كل شبر في جسدي يطالب بالراحة، بالرحمة، بأي شيء سوى الاستمرار.
وصاحب العمل... ما زال واقفًا هناك. لا يتحرك. لا يقول شيئًا. فقط يراقبنا بصمت قاتل، يزيد من وطأة التمرين أكثر من أي وزن.
وصلت للتمرينة الستين، ثم الخامسة والستين، والجو حولي كالعذاب. الهواء ثقيل لا يُستساغ، كأنني أستنشق رملًا لا أكسجينًا. بدأت أفكّر... هل حقًا يستحق الأمر؟ ألا يمكنني فقط أن أستريح وأعيد المحاولة لاحقًا؟ ما الضرر؟ لن أموت إن بدأت من جديد... أليس كذلك؟
وكدت... نعم، كدت أن أستسلم. بدأت أبطئ، وركبتي تهتزّان. ولكن، عندها فقط... جاء صوته، صوت صاحب العمل.
"إذًا... هل ستستسلم بالفعل؟ يا لك من ضعيف."
كلماته كانت كالصفعة على وجهي. لا، بل كالسيف الذي مزّق آخر ذرة كبرياء في داخلي. ضعيف؟! أنا؟!
لا! لن أسمح له أن يقول ذلك مجددًا.
استجمعت ما تبقّى من طاقتي. جذبت الهواء إلى رئتيّ كمن يغوص عميقًا في البحر. وعُدت للضغط، تمرينة بعد تمرينة، كل واحدة منها كأنني أقتلع صخرة من جبل بيدين عاريتين.
سبعون... ثمانون... تسعون...
كل عضلة في جسدي تصرخ، ترتجف، تئن، ولكنني رفضت الاستسلام. نظرت مجددًا إلى كايرو، كان على وشك الانهيار، وجهه مصفَرّ، ويداه ترتجفان بقوة.
تمتمت له بصوت مبحوح متقطّع:
"ه... هيا يا كايرو... ك... كدنا ننتهي... لا تستسلم الآن..."
لكنه لم يرد. كان صامتًا كالحجارة، يبدو أنه بلغ حده الأقصى. لكنه مع ذلك، استمر. بصمتٍ مؤلم.
خمسة وتسعون...
كأنها قمة جبل. كل تمرينة بعدها كانت معجزة.
ستة وتسعون...
أنفاسي تتقطع كأنني ألهث من سباق ماراثوني.
سبعة وتسعون... ثمانية وتسعون...
رأسي يدور، وقلبي ينبض بعنف، لا أعلم إن كنت سأتقيأ أو أبكي.
تسعة وتسعون...
واحدة فقط... واحدة فحسب... أرجوك، جسدي، فقط واحدة!
مـــئـــــة!
صرخت بها داخلي، ثم انهرت. سقطت على الأرض كما يسقط جندي أنهى معركة عمره، جسدي مفرود على البلاط البارد كدمية مهترئة، ووجهي ملتصق بالأرض المغبرة. الزفير خرج من فمي وكأنني كنت أتنفّس للمرة الأولى منذ قرون.
تمتمت بصوت متقطع مليء بالفرح، والمرارة، والانكسار:
"وأخيرًا... لقد انتهيت... هاهاها... نجوت!"
بعد بضع ثوانٍ، سمعت صوت ارتطام آخر، فالتفتُّ بصعوبة، كان كايرو قد رمى جسده هو الآخر على الأرض، عيناه نصف مغلقتين، وأنفاسه متقطّعة مثلي تمامًا.
مرّت لحظة قصيرة، ثم قال صاحب العمل، بنبرة باردة لكن فيها شيء من الفخر:
"تهانينا... لقد انتهى عقابكما."
رغم بساطة كلماته، شعرت أنها أجمل جملة سمعتها في حياتي. لقد انتهى كل شيء...
أخيرًا... لقد انتهينا.