انتهى العذاب أخيرًا.

كنت مستلقيًا على الأرض كجسد مفرغ من كل طاقة، كأنني قذفت من قاع العذاب إلى بلاطٍ بارد لم يعرف الرحمة. الألم كان ينتشر في عضلاتي كالنار في هشيمٍ يابس، وكل نفسٍ ألتقطه كان يبدو وكأنه يكلّفني عامًا من حياتي. شعرت بأن صدري سينفجر، ويداي... يدان؟ لا، لم تعودا جزءًا من جسدي، بل قطعتان من الخشب لا تستجيبان لأوامري.

وفوق هذا السكون المتهالك، جاء صوت صاحب العمل كالسيف، هادئًا ولكن قاطعًا:

"تستطيعان المغادرة الآن، لقد انتهى العقاب."

رفعت رأسي بصعوبة، كمن يسحب الجبل من فوقه ليطل برأسه، وقلت بصوت متقطّع، ممزوج بلهاثٍ ووجع:

"م...مهلاً... هااا... ا...انتظر قليلاً... هااا... ل...لديّ بعض الأسئلة التي أريد أن أسألك إياها..."

صمت، ثم نظر إليّ بنظراته الجامدة:

"ماذا هناك؟"

حاولت أن أستجمع أنفاسي مجددًا، وأقول دون أن أختنق بكلماتي:

"لِمَ... لِمَ لم يقم النبيل فاليس بقول إنه يعرف الحقيقة كاملة بعد أن ذهبنا إليه فحسب؟"

بقي صامتًا للحظة، كأنه يعيد صياغة جوابه في ذهنه، ثم قال بهدوء:

"هو أراد اختباركما."

حدقت فيه لثوانٍ، كأنني لم أسمع جيدًا، ثم كررت:

"اختبارنا؟"

هزّ رأسه بالإيجاب وأضاف:

"نعم، لقد كان يريد أن يرى ما إن كنتما ستقولان له الحقيقة من تلقاء أنفسكما، أم ستستمران في الكذب. لقد أعطاكما الفرصة... لكنكما أضعتماها."

بقيت محدقًا فيه وأنا أشعر بأن شيئًا ما ينهار داخلي ببطء، كأن الحقيقة هذه أثقل من قدرتي على الفهم، أو ربما لأنني كنت أعلمها في قرارة نفسي، ورفضت الاعتراف بها.

"إذاً... لو عدنا إليه وقلنا له الحقيقة، هل كان سيسامحنا؟"

قال صاحب العمل بنبرة خافتة:

"على الأرجح... نعم."

تجمدت في مكاني. موجة من الندم انسكبت على صدري فجأة، مثل ماء بارد فوق جرح مفتوح. لماذا لم أفكر بذلك؟ لماذا أوهمت نفسي أن النبيل فاليس شخصٌ قاسٍ لا يرحم؟ لقد بدا دومًا صارمًا، لكن لم يكن هناك ما يدل على أنه غير عادل. حتى كايرو... نعم، كايرو قالها، قال إن علينا أن نذهب ونعترف بالحقيقة.

لكنني... أنا من دفن تلك الفكرة، أنا من رفضها، أنا من أشرك كايرو في هذا الكذب، كأنني جررته خلف أوهامي الخاصة... لقد ظلمت النبيل فاليس، وظلمت نفسي، بل وخذلت زميلي أيضًا.

وقطع كايرو صمتي وهمسي الداخلي، وهو يقول بسخطٍ خفيف:

"أرأيت؟! ماذا قلت لك؟! لو أننا ذهبنا وقلنا الحقيقة للنبيل فاليس، لما حدث أيٌّ من هذا!"

لم أستطع الرد. لم يكن هناك ما يمكن قوله. الكلمات لا معنى لها في هذه اللحظة. كنت أستحق اللوم.

ثم قال صاحب العمل بنبرةٍ جافة:

"هل هذا هو السؤال؟ إذاً، سأذهب الآن."

لكنني رفعت رأسي قليلًا، وشعرت بحرقة في حلقي، وقلت:

"مهلاً، انتظر!"

توقف، ونظر إليّ من جديد، وسأل:

"هل لديك سؤال آخر؟"

"نعم..." قلت، وأنا أضغط على الكلمات، كأنها تمر من بين ألم المفاصل والعروق المتشنجة:

"وهذا السؤال ظلّ عالقًا في ذهني منذ سمعت القصة... لماذا رفضت عرض النبيل فاليس بإعطاء كلٍّ منّا خمسين ألف دولار كمكافأة؟!"

رفع كايرو حاجبيه، ثم انضم إليّ وقال بنبرة لا تخلو من التوبيخ:

"صحيح! لماذا فعلت ذلك؟! أكنت تفكر بعقلية زهد؟! نحن خسرنا ثروة!"

توقّف صاحب العمل، وبقي صامتًا لثوانٍ، كأنّه يزن الإجابة في ميزانٍ لا نراه، ثم قال:

"لا أظن أنكما ستفهمان السبب..."

قلت بإصرار:

"فقط... فقط أخبرنا. دعنا نُجرّب أن نفهم."

تنهد قليلًا، ثم أجاب بصوت هادئ، أشبه بتفسير أبٍ لصغاره:

"القيام بالحراسة عمل بسيط، لا يستحق مبلغًا كبيرًا كهذا... ما أعنيه هو أنني إن قبلت عرضه، ووافقت على أن نأخذ خمسين ألف دولار كمكافأة، فإننا سندفع ثمنها لاحقًا... قد لا يكون الآن، ولكن اليوم الذي سندفع فيه ثمن قبولنا لهذا المال سيأتي لا محالة."

صمتَ بعد ذلك، كمن أنهى كل ما أراد قوله.

أما كايرو، فبدا عليه التردد. نظراته كانت تقول إنه لم يقتنع، لكنه لم يردّ. ربما لأن التعب كان قد بلغ منه مبلغه، أو لأنه أدرك أن الجدال في هذه اللحظة لن يغيّر شيئًا.

أما أنا، فهززت رأسي كمن وافق على الإجابة... لكن في داخلي، كانت الأفكار لا تهدأ.

النبيل فاليس عرض المال بإرادته، برغبته. لم نطلبه، لم نساوم عليه، ولم نخدعه لنأخذه... فما الضرر إن قبلنا؟ أليس في الحياة لحظات تأتي فيها الهدايا فجأة، جوائز لا تشبه المجهود المبذول؟ أليس من الطبيعي أن نكافأ أحيانًا فوق توقعاتنا؟ هل هذا... خطأ؟

ربما كان يقصد شيئًا آخر... ربما لم يكن الأمر متعلقًا بالمال فحسب، بل بالنية، بالمنطق، بموازين داخلية لا أفهمها بعد.

لكن مع ذلك... لم أستطع طرد تلك الفكرة من رأسي:

خمسون ألف دولار... طارت.

---

ومن ثم قال صاحب العمل، وهو يدير ظهره لنا:

"إذاً... هل هذه جميع الأسئلة؟"

أومأت برأسي بخفوت، وقلت بصوتٍ واهن:

"نعم... انتهت أسئلتي."

أومأ هو الآخر مع إبتسامة باهتة وقال:

"حسنًا... سأعود إلى مناوبتي الآن."

ثم بدأ يبتعد بخطوات ثابتة، خالية من أي تردد أو ندم. راقبته بعينيّ المتعبتين وهو يبتعد، حتى ابتلعته الزاوية في نهاية الممر واختفى كما لو لم يكن موجودًا قبل لحظات.

تنفست بعمق ثم حاولت أن أرفع ظهري لأجلس، لكن...

"أغغغههه..."

كان الألم قاسيًا، وكأن عضلاتي تنتقم مني على ما فعلته بها. ارتددت إلى الأرض مستلقيًا مجددًا، وزفرت من شدّة الألم.

همست بين أنفاسي:

"آخ... عضلاتي كلها تؤلمني... لدرجة لا تُصَدّق..."

سمعت صوتًا متعبًا إلى جانبي، كان كايرو، يردّ بنبرة مبحوحة تشبه صوت من خرج للتو من المعركة:

"لست وحدك من يتألم هنا..."

تأوهت ثم تمتمت وأنا أغمض عيني:

"اصمت... أريد بعض السكينة."

لكنه ردّ فورًا:

"أنت الذي يجب عليك أن تصمت..."

كتمت غيظي بصعوبة. في أي وقت آخر، كنت سأرد عليه بردٍ لاذع، ولكن الآن؟ الآن جسدي أكثر إيلامًا من أن يحتمل حتى غضبًا. أغمضت عيني وأخذت نفسًا عميقًا...

زفير... شهيق...

زفير... شهيق...

كرّرتها عدة مرات حتى شعرت بأن رأسي بدأ يطفو بعيدًا، وكأنني أغوص في سُحب بيضاء ناعمة، سحب لا تعرف الألم، ولا تحمل فوقها كايرو...

مرّ الوقت، لا أعرف كم دام، ولكن فجأة سمعت صوت كايرو يقول:

"أنا سأذهب وأرتاح في غرفة الحُرّاس. ألن تأتي؟"

تجاهلته. لم أرد. لم أرغب أن أعود إلى جدالات أخرى، ولا أن أُفسِد لحظة السلام الداخلية التي بدأت تنسدل كستارة ناعمة على جسدي المتعب.

تابع بنبرة غير مبالية:

"إذاً... لتبقَ هنا. أنا ذاهب."

ثم سمعته ينهض، وتلاشت خطواته شيئًا فشيئًا... حتى اختفى.

عدت أستلقي بهدوء. لم أعد أرغب في شيء سوى أن أغمض عيني وأن أستسلم لهذا التعب النبيل. النوم كان يسحبني بلطف، بلا مقاومة. لم أكن أريد الأحلام، فقط الفراغ.

لكن فجأة، صوتٌ قريب قطع هذا الهدوء:

"هاي... هاي، هل أنت بخير؟"

فتحت عيني ببطء، واحتجت إلى ثانية أو اثنتين لأفهم أنني لست أحلم. التفتّ قليلًا، فرأيت وجه سيريون يطلّ عليّ بقلق خفيف.

تمتمت وأنا أقاوم ثقل جفوني:

"نعم... أنا بخير... ما الخطب؟"

قال بهدوء:

"الغروب قد حلّ بالفعل. صاحب العمل طلب مني أن أوقظك، قال إن مناوبتك قد بدأت."

فُجعت فجأة، وقمت بسرعة دون تفكير... لكن ظهري كان له رأي آخر.

"آخخخ... ظهري!!"

تجمدت في مكاني، أنين خافت خرج مني دون إرادة، وقلت متألمًا:

"آخ... آخ... كان يجب أن أقوم بهدوء..."

نظرت إلى سيريون مجددًا، كان يضع يده على فمه ويحاول جاهدًا ألّا ينفجر ضاحكًا، عيناه تبرق ببريق ساخر.

قلت له متعبًا، ولكن بنصف ابتسامة:

"هاها، لا بأس... يمكنك الضحك إن أردت..."

لكنه هزّ رأسه فورًا ونفى وهو يتمالك نفسه:

"ماذا؟ أنا لم أضحك عليك، أنت قد أسأت الفهم."

رفعت حاجبيّ وأنا أنظر له بسخرية ناعسة:

"نعم، نعم، بالطبع... لم تضحك."

ثم نهضت ببطء، وكأنني أرفع الجبال عن عظامي، وتجنبت أي حركة مفاجئة كي لا يتشنج جسدي من جديد.

شكرت سيريون بصوت خافت على إيقاظه لي، ثم خطوت نحو الطابق الثاني.

كل خطوة كانت تذكرني بالعقاب. بثقل الجسد، بوجع الروح. وبينما كنت أجرّ قدميّ في الممر الهادئ، بدأت أستعيد ذكرياتي عن اللحظة المحرجة تلك... نمت وسط الطابق الأول!

كم شخص مرّ ورآني نائمًا هناك؟ كم شخص تساءل عما إن كنتُ حارسًا حقاً أم مجرد كيس نفايات بشري ملقى في الممر؟! لم أكن أنوي النوم هناك، حقاً! فقط أردتُ أن أستعيد عافيتي... لكن جسدي خذلني، واستسلم للراحة.

آه... ما فائدة الندم الآن؟

تنهدت وقلت لنفسي: فقط انسَ الأمر... إنه ليس موضوعًا كبيرًا.

وهكذا، بينما كنت غارقًا في أفكاري الممزوجة بالإحراج والتعب، وجدت نفسي أصل إلى الطابق الثاني.

رفعت رأسي إلى السقف، كان الليل قد حلّ بالفعل.

أنزلت جسدي ببطء وجثوت على الدرج، أريح ظهري المتشنج من عناء الطريق، وأغمضت عينيّ للحظة.

إذاً... لقد حانت مناوبتي الرابعة... والأخيرة.

2025/08/06 · 17 مشاهدة · 1283 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026