بدأت مناوبتي الأخيرة.
كان الليل قد بسط عباءته فوق المكان، ونثرت النجوم خيوطها على السماء كما لو أنها تراقبني بصمتٍ. الهواء ساكن، يحمل شيئًا من البرودة، والهدوء من حولي أشبه بصمت نهاية عرضٍ مسرحيّ دام أيامًا.
جلست على الدرج في الطابق الثاني، ظهري ما زال يئن من آثار العقاب، لكنّ الوجع الآن بدا مختلفًا... أكثر وداعة، أقلّ حدّة، كأنّ الجسد نفسه استسلم لحقيقة أن هذه الليلة ستكون الأخيرة.
مرت الدقائق، وربما الساعات، أو ما بدا كذلك. وبدأت الأفكار تتسلل إلى رأسي كعادتها في كل لحظة صمت. هذه هي المناوبة الأخيرة لي، وغدًا... سنغادر.
رغم أن وجودي هنا لم يتجاوز أربعة أيام، إلا أن المكان تمكن بطريقةٍ ما من ترك بصمته في داخلي. لن أرى الطباخ مجددًا، ذلك الرجل الذي لا يتحدث كثيرًا ولكنّ صمته يحمل دفئًا خفيًا. ولا روشين... تلك التي كانت تتحدث بعينين أكثر مما تتحدث بشفتيها. حتى النبيل فاليس... ذلك الرجل الذي لم أتمكن قط من قراءته تمامًا، والذي شعرت نحوه بمزيج مربك من الاحترام والخوف.
هل سنلتقي مجددًا؟ ربما. لكن، ما هي فرصة حدوث ذلك حقًا؟ الحياة لا تعود بالقصص إلى بداياتها إلا نادرًا، والوداعات الصامتة غالبًا ما تكون الأخيرة.
تنفّست بعمق، وابتسمت ابتسامة خفيفة لا أعلم لِمَ خرجت. على الرغم من الرعب، والتعب، والملل... إلا أنني استمتعت.
فجأة، قاطع تلك اللحظة التأملية شيء دنيويّ جدًا، شيء بسيط لكن لا يُقاوم... حلقي الجاف.
شعرت بجفاف يمتد من بلعومي حتى صدري، وكأن حلقي أصبح قطعة قماش نُسيت تحت شمس الصيف. احتجت إلى الماء بشدة، لكنه لم يكن فقط عطشًا جسديًا... كان عطشًا للاستمرار، للبقاء في لحظة أمان خالية من التفكير.
لكن... ماذا لو حدث شيء في غيابي؟ فكرت. لا أستطيع أن أترك مكاني، حتى ولو لبضع لحظات. هذا هو موقعي، وأنا مسؤول عنه.
لكنّ الجفاف ازداد، وصوت آخر في عقلي بدأ يتحدث... هيا، فقط اذهب واشرب بعض الماء، لن يستغرق الأمر أكثر من ثوانٍ معدودة. هل تظن أن حادثًا سيقع في تلك الثواني القليلة بالذات؟
حاولت أن أقاوم، أن أتمسك بالانضباط، لكن العقل والعطش كانا أقوى من كل تلك الاعتبارات الواهية. همست لنفسي:
"عقلي محق... من المستحيل أن يحدث شيء في غيابي."
وقفت عن الدرج ببطء، كأنني أخطو فوق قرار ثقيل. توجهت نحو باب المطبخ الذي بالطابق الثاني، فتحت الباب بحذر، وكما توقعت تمامًا، لم يكن هناك أحد.
الهدوء ما زال يسيطر على كل شيء، كأن البيت نفسه نائم. توجهت إلى الصنبور، فتحته، وارتشفت من الماء البارد كأنني كنت تائهًا في صحراء. أحسست بالحياة تعود إلى داخلي، دفعة دفعة، مع كل رشفة.
أغلقت الصنبور وعدت أدراجي، وكل شيء كما تركته. لا أحد في الممرات، لا شيء تحرك، لا صوت غريب، لا إنذار. مجرد صمتٌ ناعم.
ابتسمت بخفة، وقلت في داخلي: ماذا قلت لك؟ من المستحيل أن يحدث شيء فجأة في هذه اللحظة بالذات.
ثم توقفت فجأة، ورفعت حاجبيّ بدهشة خفيفة:
"مهلاً... لماذا أتحدث مع عقلي؟!"
أطلقت زفيرًا مرهقًا وضحكة باهتة، ثم تمتمت:
"لا بد أنني بدأت أجنّ حقًا..."
عدت إلى موقعي، وجلست مجددًا على الدرج كما كنت.
ربما لم يحدث شيء خارجي... لكن في الداخل، كان هناك الكثير مما يتغير.
---
مرت الثواني ببطء، والدقائق كأنها تمدّدت إلى ساعات، حتى كدت أشعر أن الزمن ذاته يتآمر عليّ. بدأ النعاس يتسلّل إلى عينيّ خلسة، ذلك النوع من النعاس الذي لا يأتي فجأة، بل يتسلّل بخفة، كتسلّل لصّ بارع. كانت جفوني ثقيلة، وعضلاتي مرهقة، وآثار العقاب لا تزال تئنّ في أنحاء جسدي... شعرت بحاجة ماسّة لأن أغمض عينيّ، أن أريح رأسي ولو لدقائق، لكنني قاومت.
"هذه المناوبة الأخيرة، على الأقل... يجب أن أؤديها كما يجب." قلت لنفسي بتصميمٍ خافت.
وفجأة...
"بوووووووووووم!!!"
دوّى الصوت كما لو أن قنبلة قد سقطت على القصر. انفجار مفاجئ، عنيف، هزّ الأرض من تحتي، جعل قلبي يقفز داخل صدري وارتجف جسدي كأنني تلقيت صدمة كهربائية.
تصلّبت مكاني من شدّة الصدمة، وعقلي يحاول اللحاق بما حدث. ما هذا؟! ما الذي حدث للتو؟!
جاء الصوت من أعلى... من الطابق الثالث.
قبل أن أتمكّن من تحريك عضلة واحدة، انفتح باب غرفة النبيل فاليس بعنف، وخرج منها النبيل بنفسه. كانت ملامحه مشدودة، ونظراته حادّة، وفي عينيه توتر لم أره من قبل.
سألني مباشرة بنبرة حادة:
"لماذا حدث صوت انفجار؟!"
تلعثمت، وقلت بصوتٍ مرتجف:
"أنا... أنا أيضًا لا أعلم... لماذا—"
لكنني لم أتمّ جملتي، إذ قاطعني صوت مألوف خلفي:
"أيها النبيل فاليس! بسرعة، اختبئ فورًا! الصوت جاء من الطابق الثالث، لا بد أن المغتالين حاولوا التسلل من هناك!"
كان ذلك صوت كالستير، يركض باتجاهنا، وخلفه كايرو الذي بدا عليه الذعر.
وفورًا، بدأت أصوات أقدام متسارعة تقترب من الدرج. التفتُّ لأرى صاحب العمل، يتبعه نوكس وماركوس وسيريون وزايروس. جميعهم بدوا متوترين، وكل منهم يضع يده على سلاحه كما لو أن لحظة المواجهة وشيكة.
صرخ صاحب العمل بصوت لا يقبل النقاش:
"أيها النبيل فاليس، ابقَ هنا واختبئ! سأذهب لأتفقّد ما الذي حدث."
ثم استدار بسرعة، وقال بلهجة عسكرية صارمة:
"زايروس! نوكس! ماركوس! أنتم الثلاثة، اتبعوني فورًا. أما البقية، ابقوا هنا واحموا النبيل!"
لم ينتظر الرد، بل اندفع مسرعًا نحو الطابق الثالث، وتبعه الثلاثة الآخرون بخطوات حذرة ومتسارعة.
وقفت مصدومًا، أتابع ما يحدث وكأنني أشاهد مشهدًا سينمائيًا لا أستطيع التفاعل معه. لم أكن أرى وجوههم بوضوح، لكن خطواتهم الثقيلة ولهجتهم المتوترة قالت كل شيء.
ما الذي يجري؟!
شعرت بالرهبة تتسلّل إلى قلبي، يديّ بدأت بالارتعاش، وجسدي تجمّد في مكاني. عقلي حاول تفسير الموقف، لكن كلّ الاحتمالات كانت مرعبة.
انفجار... في الطابق الثالث؟!
هل هم المغتالون؟! هل تمكّنوا من التسلل؟!
صرخ ماركوس بصوت مرتفع وهو يختفي من على الدرج:
"لا تتهاونوا! لا نعلم ما قد يحدث! احموا النبيل فاليس بكل ما لديكم من قوة!"
تسلّل البرد إلى عظامي. عن أي "قوة" يتحدث؟! أنا بالكاد أستطيع القتال ضد شخص عادي، جسدي منهك، وروحي قلقة، فكيف لي أن أتصدى لمغتالين ذوي قدرات خارقة؟!
حاولت أن أهدّئ نفسي، وأقنع عقلي أن ربما الانفجار كان مجرد حادث... ربما مجرد انفجار أنبوب، أو شيء بسيط. لا داعي للتخمين، فربما كل هذا القلق غير ضروري...
لكن قلبي لم يقتنع.
ثم قال سيريون بصوت هادئ ولكن حازم:
"أيها النبيل فاليس، من الأفضل أن ندخل غرفتك. في حال حدث أي هجوم، سيكون من الصعب الدفاع في هذا الممر الضيق."
أومأ النبيل فاليس على مضض، وقال بصوت منخفض:
"حسناً... لندخل."
دخل النبيل الغرفة أولاً، وقد بدا عليه التوتر رغم محاولته الحفاظ على هدوئه. تبعه سيريون، بدا هادئًا ومتزنًا، يده كانت قريبة من سيفه. تلاه كايرو وكالستير، وكلاهما في حالة من التأهب، أعينهما تمسح الغرفة سريعًا.
وأخيرًا، تبعتهم أنا... مترددًا، خائفًا، لكن لا خيار لي سوى الدخول معهم.
دخلت الغرفة، وأغلقت الباب خلفي بهدوء، محاولًا أن لا يُسمع صوت ارتجاف يدي على المقبض.
من هنا، سننتظر... ونعرف الحقيقة.
هل كان ذلك مجرد انفجار عرضي؟ أم أن الكابوس قد عاد... من جديد؟