أغلقتُ الباب خلفي بهدوء، وكأنّي أحاول أن أترك الضجيج خارجًا، رغم أن الضجيج الحقيقي كان داخلي. استدرت ببطء، ناظراً إلى أرجاء الغرفة التي دخلتها الآن للمرة الأولى عن قرب.

كانت غرفة النبيل فاليس كبيرة، فسيحة، تشعّ بالأناقة الهادئة التي لا تحتاج إلى كلمات لتعلن عن فخامتها. سرير ضخم مغطى بأغطية حريرية بلون أزرق داكن، يعلوه تاجٌ خشبي منحوتٌ بعناية، يتدلّى منه ستار شفاف كأنّه ضباب القمر. السجاد تحته بدا كقطعة من السماء المطرّزة، نقشاته الشرقية تذكّرني بالأساطير القديمة التي كانت تُروى في الأسواق. الستائر تتماوج كأمواج بحر صامت، ونقوش الجدران تحكي حكايات نبيلة في صمت.

رأيت هذه الغرفة سابقًا يوم وصولي، لكنّ الوقوف فيها الآن، وسط هذا التوتر، جعلها تبدو وكأنها مكان آخر... أكثر حياة، وأكثر ثقلاً.

وكالعادة، لم أشعر بالغيرة.

... حسنًا، شعرت بالغيرة.

أيّ إنسان عاقل لا يتمنى امتلاك غرفة مثل هذه؟! جزء مني أراد أن يتمدد فوق ذلك السرير ولو لثانية واحدة فقط. لكن هذا ليس الوقت المناسب للأحلام الصغيرة، فالتوتر لا يزال متربصًا في الأجواء كذئب جائع.

سرعان ما انتقلتُ إلى الحائط الجانبي، واقفًا بجانب سيريون، وكايرو، وكالستير. جميعنا كنا نشكّل صفًّا أمام النبيل فاليس، الذي جلس على كرسي خشبيّ فخم ذي مساند منحوتة، يحتضن ابنة أخته روشين بين ذراعيه.

كانت روشين شاحبة، عيناها متسعتان، ويداها الصغيرتان تتشبثان بيده كما لو أنها تتمسك بالحياة ذاتها. حاول النبيل أن يبدو هادئًا، رغم أن عينيه كانتا تفضحان قلقًا دفينًا، فوضع يده على رأسها بلطف، وقال بصوت خافت:

"لا بأس، كل شيء سيكون بخير."

رغم أن كلماته بدت مطمئنة، إلا أن وقعها في الغرفة كان كمن يحاول طمأنة سفينة وهي على وشك الاصطدام بجبل جليدي.

قال سيريون، بنبرة واثقة وهادئة:

"لا تقلق، أيها النبيل فاليس، سوف نحميك بكل ما لدينا من قوة."

ثم التفت إلينا، نظرته كانت حادة، لكنها لا تخلو من رفق رفيق السلاح:

"أليس كذلك، يا رفاق؟"

أجبنا بصوت واحد، وإن كان متفاوتًا في درجات الثبات:

"نعم... بالتأكيد."

أنا أيضًا قلتها، رغم أن صوتي بدا وكأنه خرج من شخص آخر غيري. داخلي كان يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.

إن تطلب الأمر حياتي، فأنا...

لم أملك الوقت للتفكير أكثر، إذ قاطع أفكاري صوت خطوات قادمة من الخارج... خطوات بطيئة، ثقيلة، وكأنّ من يقترب يحمل معه شيئًا مظلمًا.

ارتجف شيء في داخلي.

هل يمكن أن يكون المغتالون قد هزموا الآخرين؟! هل انتهى كل شيء بهذه السرعة؟! مستحيل... لا يمكن...

همس سيريون بهدوء لكن بنبرة صارمة:

"لتستعدّوا جميعًا."

أخرج سيفه في حركة باردة ومحسوبة، كما لو أن ذراعه اعتادت هذا الفعل منذ زمن. على الفور تبعه البقية. كالستير أخرج سيفه أيضًا، ببطء شديد، عيناه تراقبان الباب كأنّه يدرسه لأعدائه حتى قبل أن يراهم. أما كايرو، فكان التوتر ظاهرًا عليه بشدة، عيناه تلتفتان بيننا وبين الباب في ارتباك.

كنت في المؤخرة، خلف الجميع تقريبًا، لكنّ النبيل فاليس كان خلفنا مباشرة، جالسًا، وروشين بين ذراعيه، تهمس بشيء لم نسمعه.

أخرجتُ سيفي أنا الآخر، قبضتي عليه كانت مرتجفة. شعرت بكفّي يتعرّق، والحديد يبرد جلدي أكثر مما توقعت. الخوف تسرّب إلى كل خلية في جسدي، كما لو أنّه دم جديد يضخّ في عروقي.

الخطوات تقترب.

أصبحت أقرب... وأوضح.

شيء ما في إيقاعها لم يكن مطمئنًا، كانت واثقة، لا تُخفي نفسها، لا تُسرع... بل تتقدّم كما لو أنّها تعرف أن لا شيء سيوقفها.

أحدهم خلف الباب.

صوت أنفاسي بدأ يرتفع رغمًا عني. قلبي يخفق كأنه يريد الخروج من صدري والهرب. وكل ما كنت أسمعه هو ارتعاش صوت الهواء وهو يمرّ بجانب سيوفنا المستعدة.

مرّت ثانية.

ثم ثانية أخرى.

وكل لحظة كانت كأنّها سكين يغوص أعمق في صدري.

هل هذا هو العدو؟

هل نحن على وشك المواجهة؟

أم أنّ خلف هذا الباب... شيء أسوأ؟

---

وها هو الباب يُفتح ببطء... ببطء قاتل.

شعرتُ بأن يدي قد تخونني وتُسقِط السيف من قبضتي المرتجفة، والعرق كان ينحدر من جبيني مثل قطرات المطر الأولى قبل العاصفة. قلبي كان يقرع صدري بعنف، كل نبضة وكأنها على وشك أن تنفجر.

سيريون، الذي وقف بقربي، رفع سيفه ببطء وثبات، كانت عينه لا ترمش، تتابع حركة الباب كما لو كان صيّادًا يراقب فريسة مجهولة، أو ربما فريسة تراقب الصياد... لم أعد أعلم من منا هو الفريسة.

انفتح الباب أخيرًا... وانكشفت الحقيقة.

لكنها لم تكن كما تخيلناها، لا أشلاء، ولا سيوف موجهة نحونا، بل ظهر وجه مألوف.

كان صاحب العمل هو من يقف عند العتبة، وجهه جاد كعادته، لكنه لم يكن متعبًا كما توقعت. خلفه كان يقف لوكسيان، وتيروس، لكن منظرهم... كان صادمًا.

تيروس بدا كمن خرج للتو من عراك مع وحش غاضب، جروح واضحة في وجهه، وعرَقات دماء على ياقة قميصه الداكن. أما لوكسيان، فقد كانت كفه مغطاة بكدمات داكنة، وملابسه تمزقت من مواضع عدّة، كأنه خاض قتالًا استمر ساعات. حتى شعره، كان فوضويًا وكأنه خاض إعصارًا.

تقدّموا إلى الداخل، وما إن أفسحوا المجال خلفهم، حتى اتسعت عيناي من المفاجأة.

وراءهم، ملقيان على الأرض، كان هناك رجلان مقيدان بحبل سميك، ومغمى عليهما، جسداهما مغطّيان بالخدوش والجروح، ووجههما مبلل بالعرق والدم. الأول، كان يملك شعراً بنياً وندبة طويلة تزيّن عينه اليسرى، بينما الثاني كان بشعرٍ أخضر داكن، وجهه شاحب وكأن الحياة فُرغت منه.

كان هذا مشهداً يجمّد الدم في العروق.

اقترب سيريون بخطوات هادئة، لكن نبرة صوته كانت ممتزجة بين القلق والفضول حين قال:

"ما الذي حدث في الطابق الثالث؟"

أجاب صاحب العمل بصوت واثق، وأشار بيده إلى الأسيرين الممددين:

"كما توقّعنا... المغتالون حاولوا التسلل من الطابق الثالث. وعندما وصلت، كان لوكسيان وتيروس يقاتلان هذين الإثنين. لحسن الحظ، وصلت في الوقت المناسب وساعدتهما، وتمكّنا من إسقاطهما."

كان يتحدّث وكأنّ الأمر مجرد مهمة يومية، لكنّ نظرة التعب في عينيه تقول عكس ذلك.

سأل سيريون مجددًا، وقد عاد القلق إلى صوته:

"وأين ماركوس ونوكس وزايروس؟"

أجاب صاحب العمل دون أن يغيّر نبرته:

"تركتهم فوق... للاحتياط. لا أحد يعلم إن كان هناك المزيد من المغتالين. قد يكون هؤلاء اثنين فقط من مجموعة أكبر."

ارتجف شيء في داخلي من هذه الفكرة... فكرة أن الخطر ربما لم ينتهِ.

ثم التفت صاحب العمل إلى النبيل فاليس، وقال بنبرة رسمية، ولكن ودودة:

"هل أنت بخير، أيها النبيل فاليس؟"

رفع النبيل رأسه، وعيناه ما زالتا تتابعان الأسيرين، ثم أومأ بهدوء وقال:

"نعم... أنا بخير. أشكرك على حمايتنا."

ابتسم صاحب العمل، ابتسامة قصيرة، مهنية، وقال:

"لا حاجة للشكر. هذه مهمتي، وواجبي."

ثم نظر مرة أخرى إلى الأسيرين الممددين، قبل أن يقول:

"والآن... ما الذي تنوي فعله مع هذين الاثنين؟"

ساد الصمت للحظة.

كان النبيل فاليس يحدّق في الأسيرين كما لو أنه يحاول أن يرى ما وراء الجراح، ما وراء أجسادهم المنهكة. ثم قال بصوت منخفض، لكن حاسم:

"سوف آخذهما معي إلى العاصمة. هناك، سأضعهما في السجن."

شعرت بذهولي يتفجّر في داخلي.

سجن؟!

عاصمة؟!

سؤالان ارتطما بعقلي في لحظة واحدة، وكأن أحدهم رماهما بحجرين دفعة واحدة.

هل يوجد سجن هنا؟ في هذا العالم؟!

وهناك عاصمة وقوانين؟ وسجون؟ ومدارس؟!

هذا العالم الذي ظننته فوضوياً...يملك محاكم وسجون؟!

تذكّرت أنني في عالم خيالي، لكنّي نسيت - أو ربما تجاهلت - أن حتى هذا العالم له نظامه الخاص. لكن رغم كل دهشتي، تماسكت، وابتلعت أسئلتي، فلم يكن هذا وقتها.

راقبت النبيل فاليس وهو يقف من كرسيه، حاملاً روشين الصغيرة التي بدت أكثر هدوءًا الآن، وكأن احتضان عمّها قد أزال بعضًا من خوفها. نظرتُ إليهم، ثم إلى سيوفنا المرفوعة التي بدأنا نخفضها، ثم إلى الرجلين الممددين.

كانت الغرفة هادئة، لكنها لم تكن آمنة.

الخطر تراجع... لكنه لم يختفِ.

...

وقفتُ في مكاني لا أُحرك ساكنًا. ما بين قلبي الذي بدأ يستعيد إيقاعه الطبيعي، وعقلي الذي يحاول أن يفهم ما حدث وما يجب أن يحدث... شعرتُ بالضياع. لا أعلم ما ينبغي عليّ فعله بعد كل هذا التوتر.

عندها، التفت صاحب العمل إلى لوكسيان وتيروس، ونظر إليهما نظرة صارمة لكنها مفعمة بالاحترام، ثم قال بنبرة آمرة متزنة:

"أنتما الاثنان، اذهبا الآن واعتنيا بجراحكما. لقد قدّمتما أداءً ممتازًا، وحان وقت الراحة."

أومأ الاثنان برأسيهما بصمت، دون أن ينبسا بكلمة واحدة. بدا عليهما الإرهاق البالغ، حتى التعب لم يعد يُطاق عندهما. تحرّكا بخطى ثقيلة نحو الباب، ثم غادرا الغرفة.

أطلقتُ تنهيدة خفيفة... لا أعرف إن كانت ارتياحًا أم إجهادًا.

نظرت حولي لأتأمّل رفاقي.

كايرو ما زال واقفًا في زاويته، وجهه شاحب وعيناه متسعتان، وكأن كل عضلة في جسده لا تزال مشدودة تنتظر كارثة جديدة.

أما كالستير، فقد كان يقف ثابتًا كالصخر، تعبير وجهه لم يتغيّر، ولكن عينيه كانتا تلمعان بترقّب، وكأن عقله يعمل بصمت لتحليل ما جرى.

أما أنا... فقد زال عني بعض التوتر، لكن ظلّ شيء في أعماقي ينبّهني، شيء غامض، قلق خفيّ لم يغادرني بعد.

اقترب صاحب العمل من النبيل فاليس وقال له بنبرة هادئة، وكأنه يحاول أن يُطمئنه:

"سنتركك الآن ونعود لمناوباتنا، وسأتكفّل أنا بأمر المغتالين بنفسي حتى يوم غد."

أومأ النبيل فاليس بهدوء، لا تزال روشين بين ذراعيه، قد هدأت لكنها لم تفلت يده.

ثم استدار صاحب العمل وبدأ يخطو خارج الغرفة.

لكن... وقبل أن يغادر بالكامل، لفت انتباهي أمر غريب.

المغتال ذو الشعر البني... رمش!

هل رأيتُ ما رأيتُ فعلاً؟ أم أنه مجرد خداع من الإرهاق والتوتر؟

حاولت أن أقنع نفسي أنها مجرد حركة لا إرادية من جسد متعب، لكن شيئًا بداخلي لم يطمئن.

وقبل أن أستطيع التفكير أكثر، سمعت خطوات سيريون وكالستير وهما يغادران خلف صاحب العمل. كنت على وشك اللحاق بهما، قدميّ بدأتا بالتحرك، لكنني قبل أن أتوجه نحو الباب، نظرتُ نظرة أخيرة إلى المغتالين... وفجأة، حدث ما كنت أخشاه.

المغتال ذو الشعر البني قد فتح عينه!

كان يختلس النظر نحو النبيل فاليس، وعينه مليئة بالكراهية. ليس هذا فقط، بل لاحظت يده تتحرك خلف ظهره، يحرّك أصابعه بصعوبة، وكأنه يبحث عن شيء... أو يحرّك خيطًا خفيًّا.

إنه يقطع الحبل!

صرخت بكل قوتي، وكأن الصوت خرج من أعماق قلبي لا من حنجرتي:

"النبيل فاليس في خطر!!"

التفت الجميع نحوي في لحظة، ملامحهم مصدومة، أعينهم متوسّعة، ولم يُتح لأحد منهم أن يطرح أي سؤال.

ففي اللحظة التالية، تمكّن المغتال من تحرير يده، قفز بسرعة مذهلة تفوق أي توقع، وكأن الألم والجراح التي على جسده لم تكن سوى خدعة!

اندفع نحو النبيل فاليس، عينيه تلمعان بجنون، وفي يده سكين صغيرة حادّة استخرجها من مكانٍ ما خفيّ. كان الهدف واضحًا: قلب النبيل فاليس.

تجمّدتُ في مكاني.

تحرّك!

أوقفه!

افعل أي شيء!

لكن قدماي لم تتحرّكا. كأن الأرض جذبتني، كأن الهواء ثقل فوقي، كأن خوفي كبّلني بالسلاسل.

وفي اللحظة الحاسمة، جاء صوت كايرو عاليًا، مملوءًا بالفزع والذكاء في آنٍ واحد:

"الدرع المرئي!! تفعيل!"

وفي جزء من الثانية، ظهر درعٌ سحريّ شفاف حول النبيل فاليس، بريقه خافت لكنه كان ثابتًا كالجدار.

وصل المغتال، ورفع سكينه وطعن بكل قوّته... لكن السكين لم تخترق شيئًا.

تحطّمت.

انفجرت القطعة المعدنية تحت وطأة اصطدامها بالدرع، وتناثرت الشظايا في الهواء، والمغتال بدوره ترنّح للحظة، مذهولًا من فشل محاولته.

لكن لم يُمنح ثانيةً إضافية.

وفي ومضة، اندفع صاحب العمل من عند الباب، ويده مرفوعة، ثم هبط بها بقوة لا تُصدّق على رأس المغتال.

ضربة واحدة... كانت كافية.

سقط المغتال أرضًا، فاقدًا للوعي، بلا حراك.

ساد صمت ثقيل، قبل أن أُطلق تنهيدة عميقة... شعرت أنني أستعيد نفسي من الغرق.

لقد انتهى الأمر... أو هكذا بدا.

2025/08/08 · 27 مشاهدة · 1705 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026