كان الأمر ليكون كارثيًا بحق… لو لم يتدخل كايرو في اللحظة الأخيرة ويُفعّل الدرع الخاص به حول النبيل فاليس. تلك الثواني المعدودة التي فصلتنا عن الموت كانت كفيلة بتغيير مجرى كل شيء.
تساؤل صغير بدأ يهمس في داخلي، تساؤل خجول كطفلٍ يطرق باب الإدراك للمرة الأولى:
هل صرختي ساعدت أيضًا؟
هل كان لصوتي المرتعش، حين صرخت بأن النبيل في خطر، أثر في إنقاذه؟
ربما… مجرد احتمال جعل شيئًا دافئًا يسري في صدري.
لكنني لم أستطع الاسترسال في التفكير، إذ قاطعني صوت صاحب العمل، حازمًا لكنّه مائل للاعتذار، موجّهًا حديثه للنبيل فاليس الذي لا يزال يحتضن روشين بين ذراعيه:
"أيها النبيل، أرجو أن تقبل اعتذاري الصادق عمّا حدث قبل قليل. لقد كان خطأً جسيمًا أن أترك أحدهم دون تأكد تام من تقييده... سأحرص على ألا يتكرر هذا مطلقًا."
رفع النبيل نظره إليه، وصوته بدا هادئًا على غير المتوقع، وكأنه قد تجاوز لحظة الخطر بالفعل:
"لا بأس... لا داعي للاعتذار. فقط خذ هذين المغتالين، وضعهما في القبو خارج القلعة. سأطلب من رئيس الخدم أن يتولى أمرهما حتى الصباح."
أومأ صاحب العمل برأسه إشارةً للطاعة، ثم اقترب من أحد المغتالين – ذلك ذو الشعر البني والندبة الطويلة على عينه – وانحنى ليرفعه على كتفه. رغم بُنية الرجل الثقيلة، رفعه صاحب العمل بسهولة ملحوظة، كأن جسده تعوّد على حمل الأوزان... أو القتلى.
التفت بعدها إلى سيريون، وقال بنبرة هادئة:
"هل يمكنك أن تحمل الآخر؟"
أجابه سيريون بلا تردد، وقد تحرك بالفعل نحو المغتال الثاني:
"بالطبع، أستطيع."
انحنى بدوره، ورفع الرجل الذي لا يزال فاقدًا للوعي، لكن ملامحه المتشنجة كانت تشير إلى أنه ما زال يشكّل خطرًا محتملًا.
بينما كانا يستعدان للخروج، التفت صاحب العمل إلى كايرو، نظرةُ تقديرٍ في عينيه، وصوت يحمل اعترافًا ضمنيًا بالفضل:
"أحسنتَ صنعًا، كايرو."
رد كايرو، بوقارٍ متواضع، كمن لا يسعى خلف الثناء:
"لم أفعل سوى واجبي."
لكن المفاجأة لم تكن في ثناء كايرو، بل فيما قاله بعد ذلك، وهو يشير نحوي بإصبعه، ونظرته تتجه إليّ بكل وضوح:
"في الواقع، بسبب صراخه في اللحظة المناسبة، أدركت بسرعة ما كان المغتال يخطط له. لقد نبهنا جميعًا بصراخه... وهذا ما ساعدني لأُفَّعِلَ الدرع بسرعة."
شعرت بجسدي ينتفض خفيفًا، كأن تيارًا كهربائيًا ناعمًا مرّ عبر عمودي الفقري.
أنا؟!
هل قال إنني السبب الرئيسي في إنقاذ النبيل فاليس؟
هل فعلتُ أخيرًا شيئًا يُحتسب لي؟ شيئًا… مفيدًا؟
تسلّلت ابتسامة إلى وجهي دون استئذان. لم أستطع كبحها. كانت فوضوية، صغيرة، خجلة… لكنها كانت حقيقية.
وهنا، وجَّهَ صاحب العمل نظرهُ نحوي مباشرة، تلك النظرة الحادة التي عادة ما تُربكني، لكنها في هذه اللحظة حملت شيئًا مختلفًا، شيئًا دافئًا... أشبه بإقرار علني:
"أنت أيضًا، أحسنت العمل."
كادت قدماي تتقدمان تلقائيًا من شدة المفاجأة.
أنا؟
أنا أُمدَح؟
لم يكن من السهل علي تصديق ذلك، لكنه حدث.
ضحكتُ داخليًا، وربما خارجيًا أيضًا، ثم حاولت أن أتظاهر بالتواضع – كما يفعل الأبطال في القصص حين يُشكرون – فقلت بصوتٍ منخفضٍ بعض الشيء:
"لا... لا، ذلك لم يكن سوى واجبي فقط، لا أكثر."
أومأ صاحب العمل برأسه، ثم أشار إلى كايرو وكالستير، ثم إليّ:
"أنتم الثلاثة، عودوا الآن إلى مواقعكم، النبيل فاليس بحاجة إلى الراحة."
نظرنا إحتراماً للنبيل فاليس بصمتٍ عسكريّ مهيب، ثم بدأنا في مغادرة الغرفة خلف صاحب العمل.
فتح الباب، وخرج أولًا، يتبعه سيريون وهو يحمل المغتال، ثم أنا، ثم كايرو وكالستير.
خرجت من الغرفة، وأغلقت الباب خلفي بهدوء، وكأنّي أُغلق فصلًا جديدًا من هذا الليل الطويل.
وقفت لحظة أمامه، أستمع إلى وقع خطواتهم على الدرج الحجريّ وهم ينزلون، يتناقص صداها تدريجيًا حتى اختفوا عن نظري.
لكن أنا بقيت هناك، لحظة إضافية. أنظر إلى الباب المغلق، وأفكر...
أنقذتُ أحدهم.
أنا… فعلتُ شيئًا.
حتى وإن كان بسيطًا.
ربما، فقط ربما… بدأت أشعر أن لي مكانًا بين هؤلاء.
---
عدت إلى موقعي المعتاد عند أسفل الدرج، حيث اعتدت أن أجلس طوال مناوباتي الليليّة المرهقة. جلستُ بهدوء، مستندًا إلى الحائط الحجريّ البارد، وأطلقت زفرة طويلة امتزج فيها التعب مع الارتياح ومع شيء لا أستطيع وصفه بدقة… ربما فخر خافت، أو بقايا خوف لم يبرد بعد.
أغمضت عيني للحظة، ثم فتحتها، ونظرت أمامي في السكون شبه التام.
"أغههه…"
تنهدتُ مجددًا، وكأنّي أُخرج التعب من صدري زفرةً بعد أخرى.
"حتى بعد كل هذا الذي حدث، المناوبة تبقى متعبة للغاية. متى ستنتهي؟ متى سيأتي الغد؟"
كان الليل لا يزال طويلًا، والسكون الذي يعم المكان بعد العاصفة يترك في النفس شعورًا غريبًا، كأنّه الهدوء الذي يسبق عاصفة أخرى، أو لعله السكون الصادق بعد زوبعة نجونا منها بأعجوبة.
وبينما أنا مستسلم لذلك الهدوء، بدأت أسترجع ما حدث قبل قليل وكأن ذهني يعيد المشهد على شاشة خفية لا تتوقف. الإنفجار العنيف في الطابق الثالث، صدى دويه لا يزال عالقًا في أذني، لهاث الآخرين وهم يركضون لفهم ما يحدث، ثم عودة صاحب العمل مع لوكسيان وتيروس... وهما في حالة لا تُطمئن.
تيروس، بوجهه المضرج بالجروح، ولوكسيان بيده المتورّمة وكأنها صُدمت بجدار من الحديد، وملابسه الملطّخة بالغبار والدماء.
ثم... تذكّرت ذلك المشهد المفاجئ، المرعب... المغتال ذو الشعر البني حين نهض فجأة بعد أن ظننا أنه فقد وعيه، وهو يركض نحو النبيل فاليس بخفّة مفترس، والسكين اللامعة تلمع في يده تحت ضوء المصابيح.
وتذكّرت، بأدق التفاصيل، كيف تجمدتُ في مكاني، وكيف تملكني الرعب، وكيف لم أتمكن من التحرك، لكني صرخت... تلك الصرخة العفويّة المرتعشة، التي خرجت من قلبي قبل أن تخرج من فمي، وكانت كافية لتنقذ حياة رجل.
ابتسمت... لم أدرِ ما إن كانت ابتسامة غرورٍ أم ابتسامة فخر، لكنّها كانت ابتسامة خالصة، صادقة، خرجت من أعماقي.
هاهاهاها، لقد مدحني صاحب العمل!
لم أصدق ذلك حتى الآن، لا زلت أسترجع كلماته.
"أحسنت العمل"... أنا؟!
قالها لي حقًا! لم تكن مزحة، ولم تكن من باب المجاملة.
شعرت أنني وللمرة الأولى منذ قدومي إلى هذا العالم الغريب، قد تركت أثرًا، قد فعلتُ شيئاً مفيداً ولو ضئيلًا. لم أكن مجرد شخص زائد، أو مراقب صامت، بل كنت سببًا – ولو صغيرًا – في إنقاذ حياة شخص مهم.
لكن… رغم سعادتي، لم يغادرني القلق.
هل من المعقول ألا يكون هناك مغتالون آخرون؟
هذا السؤال ظل يتردد في ذهني كصدى لا ينتهي. ماذا لو كان هناك من لا يزال مختبئًا في الظل؟ ينتظر لحظة مماثلة؟
ثم عاد تفكيري إلى ما حدث في الطابق الثالث... لا أحد حدّثني بالتفصيل عمّا جرى هناك. صحيح أن تيروس ولوكسيان قد ظهرا مصابين، ولكنهم لم يشرحوا بالتفصيل عما حدث بالضبط.
وفي خضم هذه الأسئلة، برزت فجأة ذكرى غريبة، ذكرى كلمات النبيل حين قال إنه سيأخذ المغتالين إلى "العاصمة".
العاصمة؟
تجمدت تلك الكلمة في ذهني، وبدأت تسحب خلفها سيلًا من الأسئلة.
هل توجد "عاصمة" حقيقية في هذا العالم؟!
وهل هناك حكومة؟ ونظام؟ وقوانين؟ وسجون؟!
لقد كنت أظن أن هذا العالم الخيالي أشبه بفوضى مفتوحة، بلا قوانين ولا ترتيب، مجرد غابات وقلعات ووحوش وأشخاص غامضين.
لكن إن كانت هناك "عاصمة"، فلا بد إذًا من وجود مدن أخرى... وربما قارات؟ وربما حضارات متطورة؟!
وفجأة جاء إلى ذهني شيء وقلت بصوتٍ خافت:
"تكنولوجيا؟"
هل يُعقل أن توجد تقنيات هناك؟ إنترنت؟
هل… أملك بصيص أمل في الوصول إلى وسيلة للتواصل مع عائلتي؟! هل أستطيع – يومًا ما – إرسال رسالة إلى أمي؟ أن أقول لها إنني بخير؟ أنني على قيد الحياة، في عالم آخر لا يشبه الأرض؟!
ازدادت الأسئلة… تضخّمت، وتكاثرت، وبدأت تتزاحم في رأسي كما تفعل قطرات المطر حين تهطل فجأة على أرضٍ عطشى.
لم أكن أعلم شيئًا.
كم أنا جاهل بهذا العالم!
كل يوم أكتشف أن هناك طبقة جديدة تحته، سرًا أعمق، حقيقة أكبر.
هذا العالم… ليس مجرد مغامرة، بل متاهة من الأسرار.
لكن، ورغم كل هذه الأسئلة، وكل هذا التوق لمعرفة المزيد… لم أكن أملك أي إجابة.
كل ما يمكنني فعله هو الانتظار…
والترقب.
ولعل الغد يحمل معه بعض الأجوبة.
أو… مغامرة جديدة.
...
تنهدت من جديد، ومن ثم نظرتُ إلى السقف الحجريّ فوقي.
"عندما يحين الغد... سأسأل تيروس ولوكسيان عمّا حدث معهما بالضبط."
الفضول يكاد يقتلني، كأنّ هناك نارًا تشتعل في صدري، تبحث عن وقود جديد من المعلومات.
تخيلت وجه تيروس الجاد وهو يروي التفاصيل، ثم تصوّرت ضحكة لوكسيان الساخرة وهو يسخر من أسئلتي أو يعلّق بتعليق ساخر على لهفتي، وربما يقول:
هل أصبحتَ فجأة مهتمًا بالشؤون القتالية؟ أم أنك تفكر في أن تصير بطلًا؟
حسنًا... حتى إن سخر، فذلك لا يهمّني.
أريد فقط أن أعرف.
أن أفهم.
وأيضًا… عليّ أن أسأل كايرو عن كيفية إستطاعته تفعيل درعه بتلك السرعة.
ذلك الدرع… كان نقيًا كالكريستال، شفافًا لكنّ طاقته كانت واضحة للعيان. لم أستطع أن أفهم كيف استدعاه بتلك السرعة.
لا أعلم ...ولكنني سأسألهم.
فأنا… شخص فضوليّ بالفطرة.
كانت تلك الحقيقة التي لم أعد أستطيع إنكارها.
أسئلتي لا تنتهي.
وعقلي لا يكفّ عن طرح الاحتمالات، وتحليل النظرات، والتقاط التفاصيل الصغيرة.
وبينما كنت غارقًا في أفكاري، شيء غريب حدث…
مرّ الوقت.
نعم، مرّ!
ولأول مرة منذ بدأت مناوبتي في هذا الطابق البارد، شعرت أنّ الزمن لم يكن يتثاقل، بل انساب بسلاسة كما لو أنّ الساعات طارت دون أن أشعر بها.
تلك الليلة المليئة بالتوتر والخطر والدهشة جعلت عقارب الساعة تلهو في الخفاء.
وفجأة… جاء ضوء الفجر.
كان خافتًا، لطيفًا، دافئًا بطريقة ما، كأنّه يربت على كتفي.
وقفتُ بتثاقل، شعرت بأنّ قدميّ أثقل مما توقعت، وكل مفصل من مفاصلي يئن من التعب، والنعاس يسدل جفنيّ كما لو أن هناك حبلًا غير مرئيّ يشدّ رأسي نحو الأسفل.
خطوت نحو الدرج ببطء.
كل درجة أنزلها كنت أشعر بها في ظهري وساقيّ، حتى وصلت إلى الطابق الأرضيّ، وتوجهت مباشرة إلى غرفة الحراس.
دفعتُ الباب بخشونة من شدّة التعب، ولم أكلف نفسي عناء النظر من حولي أو التأكد إن كان هناك أحد.
كل ما رأيته أمامي هو السرير… ذلك السرير الخشبي البسيط الذي بدا وكأنّه قطعة من الكعك في تلك اللحظة.
استلقيت عليه دفعة واحدة، دون أن أخلع حذائي، أو أعدّل وضع جسدي.
وفور أن لامس رأسي الوسادة الخشنة، انطفأ كل شيء.
غفوت.
غفوت كما لم أغفُ من قبل، غفوة عميقة، ثقيلة، لا أحلام فيها ولا كوابيس… فقط فراغ هادئ.
فراغ يستحقّه من قاتل الخوف، ونجا من سكين مغتال، ونال كلمات مدح كانت كالحلم.