كنتُ غارقًا في نومٍ عميق، نوم من النوع الذي لا يمنحك أحلامًا، بل يأخذك إلى الراحة، كأنك مستلقٍ فوق غيمة دافئة، لا وزن لها ولا نهاية. اختفى كل شيء، ضجيج الأفكار، التوتر، حتى صوت أنفاسي شعرت كأنه توقف عن إزعاجي. كنتُ نائمًا كمن صارع العالم ثم استسلم أخيرًا إلى حضن الراحة.
لكنّ ذلك السلام لم يدم طويلًا...
"هاي، أنت. استيقظ."
جاء الصوت غريبًا، غريبًا لأنه اخترق الصمت الذي كنت أسبح فيه. تمتمت بلا وعي، دون أن أفتح عينَي حتى:
"خمس دقائق فقط… أرجوك."
لكن الصوت عاد، أقوى هذه المرّة، وبنبرة تنذر بأنّ التأجيل لم يعد خيارًا:
"الساعة الآن هي الواحدة صباحًا."
كلمات قليلة، لكنها اخترقت جفنيّ المغلقين كطلقة باردة.
"واحدة صباحًا…؟"
ترددت الكلمات في عقلي النصف نائم، ثم...
"ماذا؟!"
نهضت من السرير وكأنّ الأرض التهمت لحظات الراحة القليلة التي كنت أتمسك بها. أدرتُ رأسي لأجد مصدر الصوت، وإذا به زايروس، واقفًا أمامي، ذراعاه متشابكتان، ونظرته مليئة بالفضول.
قال بهدوء:
"لقد طلب مني الآخرون أن أوقظك. النبيل فاليس يريد أن نجتمع جميعًا في الطابق الأول."
ثم نظر إليّ بنظرة طويلة لم أفهم معناها، قبل أن يضيف بنبرة شبه جادة، شبه ساخرة:
"أنصحك أن تغسل وجهك وشعرك قبل أن تذهب… صدقني، ستحتاج ذلك."
ثم استدار بهدوء وغادر الغرفة دون أن ينتظر ردّي.
وقفت في مكاني لحظةً، أفرك عينيّ، لا لشيء، بل لمحاولة استيعاب ما يجري. لم يكن هناك حلم. لا، هذا حقيقي. لكن...
"لماذا نظر إليّ بتلك الطريقة؟"
توجهت إلى الحمام المجاور لغرفة الحراس، متثاقل الخطوات، وأضأت المصباح، ثم نظرت إلى المرآة.
وهنا كانت الصدمة.
وجهي كان يبدو كوجه شخص خرج لتوّه من عاصفة ترابية. شعري منتفش بطريقة عشوائية، كأنّ عفريتًا عبث به أثناء نومي، ووجهي لامعٌ من آثار العرق والتعب، وبقع الظل تحت عيني جعلتني أبدو كالمتسول الذي لم ينم منذ أسبوع.
"يا للحرج..."
تمتمتُ بتنهيدة خجولة، ثم بدأت بسرعة أغسل وجهي، وأعيد ترتيب شعري بما استطعت، مستخدمًا الماء البارد علّه يوقظني كما يوقظ حياةً جديدة. لم يكن مظهري الأفضل حتى بعد كل ذلك، لكنّه على الأقل أصبح مقبولًا... أو هكذا أقنعت نفسي.
ارتديت سترتي بسرعة، وتوجهت نحو منتصف الطابق الأول.
وصلت إلى هناك لأجد الجميع مصطفين بشكلٍ منظّم وسط القاعة الرئيسية، تحت ضوء المصابيح التي علّقت على الجدران الحجرية. لم يكن هناك كلام، فقط صمتٌ مشبع بالتوقّع. وقفت بجانب زايروس، الذي أومأ لي بصمت دون تعليق هذه المرة، وكأنّه تقبّل مظهري المحسن.
في المقدّمة، وقف صاحب العمل – أندرو – كالعادة بثباته المعروف، ويداه خلف ظهره، كأنه قطعة من القلعة نفسها. لحظات قليلة، ثم بدأ وقع خطوات من الأعلى يتردد على الدرج الحجريّ، فرفعنا رؤوسنا.
كان النبيل فاليس قادمًا من الطابق الثاني، بخطواتٍ هادئة، مرتبة، ينزل السلم بخفّة من اعتاد القيادة. وعلى يساره، كانت روشين – إبنة أخته – تمشي بخطواتٍ واثقة، وعلى وجهها ابتسامة حماس تكاد تُعدي كل من يراها.
توقف النبيل أمامنا، نظر إلينا جميعًا، بعينيه الزرقاوين اللتين تشي بأنّ ما سيقوله يحمل وزنًا خاصًا.
قال بصوتٍ هادئ، لكن واضح ومباشر:
"اليوم هو اليوم الذي ستغادرون فيه، وهو أيضًا اليوم الذي سأمنحكم فيه مكافأتكم."
سادت لحظة صمت قصيرة بعد كلماته، قبل أن يضيف بنبرةٍ أكثر دفئًا:
"رغم أنكم قضيتم هنا أيامًا قليلة فقط، إلا أنكم أدّيتم واجبكم على أكمل وجه… أحسنتم العمل."
لا أعرف إن كان ما شعرتُ به في تلك اللحظة فخرًا خالصًا أم مزيجًا من الارتياح والتقدير، لكنّ القلب استجاب. تلك الكلمات، "أحسنتم العمل"، من فم نبيل بحجم فاليس، كانت تحمل وقعًا خاصًا. كأنّه يعترف ضمنًا أنّ وجودنا كان فارقًا.
ثم التفت إلى صاحب العمل، وقال:
"لقد أحسنت يا أندرو في اختيارك لهؤلاء الحراس."
أومأ أندرو برأسه، وأجاب بصوتٍ هادئ:
"إنه واجبي."
ابتسم النبيل ابتسامة صغيرة، بالكاد تُرى، ثم قال أخيرًا، بنبرة تجمع الجدية والترقب:
"والآن… حان وقت منح كلٍ منكم مكافأته."
---
ومن ثم فرقع النبيل فاليس بإصبعيه بخفة، فصدر صوت طفيف كأنّه إشارة خفية مدروسة، وفورًا جاء أحد الخدم بخطواتٍ هادئة يحمل بين يديه حقيبة داكنة اللون، مصنوعة من جلد فاخر يبدو أنه أُعد خصيصًا لهذه المناسبة.
وقف الخادم إلى جانب النبيل، ثم خطا بخطواتٍ دقيقة نحو الصف الطويل الذي شكّلناه، وفتح الحقيبة أمام أوّل من يقف... لوكسيان.
نظرتُ إليه بفضول، أبحث في ملامحه عن أي أثر للدهشة أو الترقب، لكن لوكسيان، كعادته، كان ثابتًا. لم يتغيّر تعبير وجهه قيد أنملة. ببروده وغروره المعتاد، مدّ يده إلى داخل الحقيبة وسحب منها كيسًا متوسط الحجم، بدا ثقيلًا قليلًا، تتدلى أطرافه المعدنية بفعل النقود الورقية داخله. على الأرجح كان يحوي الألف دولار. ألقاه في يده الأخرى بلا مبالاة، كأنّه استلم قطعة خبز من دكان في الحيّ.
تلاه كالستير، الذي لم يكن مختلفًا عنه كثيرًا. نظر بسرعة إلى الحقيبة، أخذ الكيس دون كلمة أو تعبير، ثم عاد إلى مكانه بنفس الصمت الصارم الذي اعتاد أن يحيط نفسه به. بدا كأنّه لا يضع قيمة حقيقية للأمر، أو ربما لا يريد أن يُظهرها.
بعده جاء تيروس وماركوس، وهنا ظهرت أولى التعابير الحقيقية...
استلما كيسيهما بفضول واضح، وما إن فتحاه حتى اتسعت أعينهما دفعة واحدة، وتدلى فمهما قليلًا من الصدمة. لكنّهما لم يقولا شيئًا. أغلقا الكيسين بسرعة ووقفا صامتين، يحاولان التظاهر بالهدوء بينما ملامحهما فضحت ما يجول في خاطرهما.
ثم أتى دور نوكس. استلم الكيس ببطء، ومن ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لم تدم طويلًا، ابتسامة أقرب إلى الرضا المحدود لا الفرح. وكأنّه يقول في نفسه: أفضل من لا شيء.
بعده جاء سيريون، الذي كان هادئًا كعادته. لا ابتسامة، لا صدمة، لا تعبير. فقط أومأ للخادم بخفة، أخذ الكيس، وتراجع خطوة إلى الوراء بثبات عسكري بارد.
كايرو كان التالي، وما إن اقترب الخادم منه حتى شعرت بتغيرٍ طفيف في ملامحه. صحيح أنّه حافظ على رباطة جأشه، لكنّ نظرته الخافتة، وتنهيدته القصيرة التي بالكاد سُمعت، أوحت لي بشيء... لم يكن سعيدًا، ولا حتى راضيًا. وأظنّ أنني أعرف السبب. هو الوحيد – إلى جانبي – من يعلم أن المبلغ الأصلي كان خمسين ألف دولار، لا ألفًا. ولا بدّ أنّه مثلي، ما زال لا يصدق كيف تبخر ذلك الرقم الكبير.
ثم وصل الدور إلى زايروس... الذي ما إن استلم كيسه، وفتح الرباط العلوي، حتى تجمد لحظة، فتح فمه دهشة، ثم أغلقه سريعًا وهو يبتسم ابتسامة مغرورة، كأنّه يحاول أن يخفي مفاجأته داخل قناعٍ من الثقة الزائدة.
وأخيرًا... جاء دوري.
اقترب مني الخادم، وأعطاني الكيس بنفس الحركات المكررة التي اعتادها خلال الدقائق الماضية. كان الكيس أثقل قليلًا مما ظننت، لكنني فتحت الرباط فورًا ونظرت داخله.
كما توقعت.
أوراق نقدية مرتبة بعناية، ومبلغها، كما توقعت أيضًا، هو ألف دولار. تنهدت ببطء وأنا أغلق الكيس وأعيده إلى جيبي. لا بأس. صحيح أنني حصلت على المال، ولكن لم يكن هذا هو الرقم الذي كنت أحلم به. كنت قد شاهدت حياتي كلها تتغير بخمسين ألف دولار، ولكن الآن...
لا، لا...لا يجب أن أطمع. الطمع شيء سيء...
رفعت بصري بهدوء ونظرت إلى من حولي. رغم ملامحهم المتفاوتة ومحاولاتهم لإخفاء ردود أفعالهم، كنت أرى الارتياح يطفو على وجوههم واحدًا تلو الآخر. كانوا سعداء، على طريقتهم.
لكنني فكرت للحظة: ماذا لو علموا أن المبلغ الأصلي كان خمسين ألف دولار؟
رفعت حاجبي قليلًا ونظرت نحو كايرو، وكأنني أقول له بعيني: لو علموا بالحقيقة، لرأينا وجوهًا مختلفة تمامًا.
فهمني كايرو فورًا، ورد عليّ بنظرة مشابهة، نظرة مختلطة بين السخرية والخذلان، وكأنّ عينيه قالتا: ما زلت لا أصدق أن خمسين ألف دولار... طارت.
ابتسمت ابتسامة ساخرة قصيرة، لكن قبل أن أجيب بنظرة، قطع صوت النبيل فاليس سيل أفكاري، وهو يقول بصوتٍ واضح:
"إذاً، بما أن الجميع قد استلموا مكافآتهم... فقد حان وقت الوداع."
صمت للحظة، ناظرًا إلينا واحدًا تلو الآخر بنظرةٍ هادئة، لكن عميقة. ثم أضاف:
"أتمنى لكم التوفيق فيما سيأتي... وكما قلت أحسنتم
العمل."
كلماته هذه جعلتني أشعر بالفخر...ولكن في نفس الوقت جعلتني أشعر بالحزن لأن وقت الفراق قد حان بالفعل.