ساد صمتٌ ثقيل في القاعة الكبيرة، ليس صمت الارتباك أو الحيرة، بل صمت الاحترام والتقدير. وقفنا جميعًا في صفٍّ منظم، وأعيننا تتبع النبيل فاليس الذي ما زال واقفًا أمامنا، شامخًا بهيبته المعهودة، كأنه جزءٌ من جدران القلعة ذاتها.
ثم التفت بعينيه الزرقاوين نحو صاحب العمل، أندرو، وقال بصوتٍ منخفض ولكن حازم:
"أندرو... أخبرهم ما هي مهمتهم الأخيرة قبل أن يرحلوا."
اكتفى أندرو بإيماءة قصيرة. لا كلمات، فقط تلك الحركة البسيطة التي كانت كافية لفهم الأمر. استدار النبيل بعدها، وغادر بهدوء مع ابنة أخته روشين، صاعدًا السلم الحجري المؤدي إلى الطابق الثاني، بينما تبعت خطواتهما صوت خافت من الاحتكاك الناعم بين أحذيتهما والأرضية الصلبة.
بقي أندرو واقفًا أمامنا لحظةً قبل أن يتقدم خطوة للأمام، ينظر إلينا بعينيه الجادتين، ثم قال بصوته المتزن:
"قبل أن ترحلوا... هناك مهمة أخيرة عليكم القيام بها."
ساد صمتٌ جديد، لكن هذه المرة كان صمت ترقّب.
توقف برهة وكأنّه يمنحنا وقتًا لنستعد لما سيقوله، ثم تابع:
"النبيل فاليس سيغادر هذه القلعة في الساعة الثالثة بعد الظهر، أي بعد ساعتين من الآن. وحتى يحين ذلك الوقت، ستكون مهمتكم الأخيرة هي حراسته. لا أحد يعلم ما إذا كان الخطر قد يظهر فجأة... ولا نريد أن نأخذ أي مخاطرة."
ارتفعت رؤوس البعض بتركيز، بينما أومأ الآخرون بهدوء.
ثم أضاف بصوت أكثر مرونة:
"يمكنكم الذهاب الآن، اقضوا وقتكم في أي شيء حتى يحين الموعد... استرخوا، تناولوا الطعام، تحدثوا... لكن إن لاحظ أحدكم أي أمرٍ غير معتاد، فأبلغوني على الفور. مفهوم؟"
أومأنا جميعًا بالإيجاب. كانت المهمة بسيطة في ظاهرها، لكنها لم تخلُ من التوتر. حراسة نبيل بحجم فاليس، ولو لساعتين فقط، ليست بالأمر الذي يمكن الاستهانة به.
بعد ذلك، بدأ الجمع يتفرّق. بعض الحراس اتجهوا نحو غرفة الحراس في الطابق الأول، على الأرجح للحصول على قسط من الراحة أو لمجرد تبادل الأحاديث. آخرون صعدوا إلى الطابق الثالث، حيث يمكن رؤية أفق الغابة من هناك. ومن توجهوا إلى الطابق الثاني، كانوا على الأرجح ينوون زيارة المطبخ، إذ لم يكن هناك ما هو أكثر إغراءً بعد يوم طويل من الراتب... سوى الطعام.
أما أنا، فبقيت في مكاني لحظةً، حتى لاحظت أن كايرو كان يستعد للمغادرة هو الآخر. استدار بخطاه الهادئة باتجاه الدرج، لكنني أسرعت نحوه وقلت:
"هاي، كايرو... انتظر لحظة."
التفت إليّ بهدوء وسأل:
"ما الأمر؟"
تقدّمت نحوه خطوتين، وقلت:
"هناك شيء ظلّ يشغل تفكيري منذ الليلة الماضية... عندما استخدمتَ درعك المرئي لحماية النبيل فاليس. كيف استطعت أن تفعّله بتلك السرعة؟ لم يكن هناك وقت حتى لتفكر."
رفع حاجبه قليلًا، وكأنّه لم يتوقع سؤالي، ثم قال بابتسامة خفيفة:
"آه... الأمر بسيط نوعًا ما. حين أؤشر على شخص ما وأقول 'الدرع المرئي، تفعيل'... يتم تفعيله فورًا على ذلك الشخص."
أشار بإصبعه للأمام وهو يقلد حركته تلك، ثم أضاف:
"لا حاجة لتكرار الترتيب أو التفكير الطويل... كل ما يتطلبه الأمر هو التوجيه والنطق."
وقفت صامتًا لوهلة، أتأمل بساطة الأمر من جهة، وروعة هذه القدرة من جهة أخرى. كم من الأرواح يمكن إنقاذها في لحظة لو امتلك أحدهم مثل هذه القدرة...
"يا لها من قدرة مذهلة..." تمتمت بصوتٍ خافت.
ابتسم كايرو ابتسامة صغيرة، كأنه شعر بالرضا من كلمتي، وقال بنبرة هادئة:
"حسنًا... أظن أنك محق. أحيانًا أنسى كم هي مفيدة."
ثم أمال رأسه قليلًا وسأل:
"هل هناك شيء آخر أردت معرفته؟"
هززت رأسي مبتسمًا:
"لا، لا شيء آخر. فقط... فضول بسيط."
ضحك بهدوء، ثم قال:
"إذًا، أنا سأذهب إلى المطبخ."
ولوّح لي بخفة قبل أن يستدير ويبدأ في الصعود، متوجهًا – على الأرجح – حيث الطعام وبعض الراحة.
تركتني تلك المحادثة أفكر. ليس فقط في قدرة كايرو، ولكن في تفاصيل كثيرة، عن النبيل فاليس، وعن المهمة الأخيرة، وعن تلك الساعتين اللتين تفصلاننا عن نهاية كل شيء...
أو ربما... عن بدايته.
---
بقيت واقفًا في مكاني للحظة قصيرة، أتأمل المكان الذي بدا أكثر هدوءًا من المعتاد. تنفست بعمق، ثم قررت أن أستغل الساعتين المتبقيتين بشيء بسيط يقتل الوقت. وهكذا، وجهت قدمي نحو غرفة الحراس.
دفعت الباب الخشبي ودخلت، فوقع بصري مباشرة على تيروس ولوكسيان، كانا جالسين على الطاولة القديمة الدائرية في منتصف الغرفة، يبدوان مستغرقين في لعب الورق. أوراق ملوّنة مبعثرة بينهما، وأعينهما متوقدة بالحماس.
ما إن لمحاني حتى رفع تيروس بصره وقال مبتسمًا:
"أوه، مرحبًا! هل تود الانضمام إلينا؟"
أومأت برأسي موافقًا، وابتسمت بخفة، ثم سحبت كرسيًّا خشبيًا قريبًا وجلست بجانبهما.
بدأ تيروس يشرح اللعبة بطريقة مبسطة، قائلاً:
"القواعد بسيطة جدًا. لدينا هنا ستون ورقة، كل واحدٍ منّا يأخذ عشر أوراق، ويتبقى ثلاثون ورقة في الوسط، نستخدمها لاحقًا للاحتياط أو لإعادة التوزيع."
كان يتحدث بنبرة من يعرف جيدًا ما يفعله، بينما لوكسيان كان منشغلاً بترتيب الأوراق أمامه، يختلس نظرات قصيرة ليُبقي نفسه على اطلاع بمجريات الحديث.
ثم تابع تيروس شارحًا بتفصيل أكبر:
"الأوراق تحتوي على خمسة عشر شكلاً مختلفًا: كعك، كرسي، خبز، بيتزا، تفاحة، بطاطا، طاولة، مرآة، حجر، مقص، سكين، فلفل، قميص، عشب، ونار. أشكال متنوعة وغريبة، لكن هذا ما يجعل اللعبة ممتعة."
أخذت لحظة لأتأمل الأشكال المرسومة على الأوراق، كانت مرسومة بطريقة فكاهية إلى حد ما، وألوانها زاهية تجعل من اللعبة تبدو طفولية رغم تعقيدها الظاهري.
"فهمت الأشكال،" قلت، "لكن كيف نلعب فعليًا؟"
أجاب تيروس بسرعة، كأنه توقع هذا السؤال:
"في بداية كل جولة، كل واحد منّا يسحب ورقتين من مجموعته ويُجري دمجًا بينهما. مثلًا... إذا سحبت بطاقة بطاطا وأخرى نار، تستطيع دمجهما لتنتج شيئًا جديدًا: البطاطا المحروقة."
ضحكت قليلاً من بساطة الفكرة وقلت:
"حسنًا، وما فائدة البطاطا المحروقة؟"
قال وهو يلوّح بإحدى الأوراق:
"إذا كان خصمك يمتلك شيئًا أضعف من البطاطا المحروقة، فإنك تفوز في تلك الجولة، ويضطر هو إلى التخلص من بطاقته المدموجة. اللعبة تدور حول الإبداع في الدمج ومعرفة قوة ما تصنعه."
تابعت بسؤالي التالي:
"وماذا لو وضع كلانا نفس البطاقتين؟ بطاطا ونار مثلاً؟"
قال تيروس بهدوء:
"إذا كانت الأوراق المُدمجة متطابقة، فهذه تُعد جولة تعادل، ويجب عليكما التخلص من البطاقتين فورًا."
أومأت برأسي محاولًا استيعاب الأمر، ثم خطر ببالي شيء آخر، فقلت:
"وماذا لو كانت لديّ بطاقتان متشابهتان؟ مثلاً بطاطا وبطاطا؟ ماذا يحدث إن دمجتهما؟"
ضحك تيروس وأجاب:
"حينها ستحصل على بطاطا مضاعفة القوة. الأمر يعتمد على المنطق... هل تعتقد أن بطاطا وبطاطا أضعف من بطاطا محروقة؟"
تدخل لوكسيان هذه المرة، قائلًا بنبرة هادئة:
"الأمر بسيط، فقط تخيل السيناريو. أيهما أقوى لو تقابلا؟ البطاطا المحروقة أم البطاطا المضاعفة؟ البطاطا المضاعفة بالتأكيد. القوة تعتمد على الفكرة وراء الدمج."
أضفت بسؤال آخر وأنا أشعر أن اللعبة أكثر تعقيدًا مما بدت عليه في البداية:
"وكيف نحدد الفائز؟ متى تنتهي اللعبة؟"
قال تيروس وهو يرتب بعض الأوراق بمهارة:
"الفائز هو آخر شخص يتبقى معه أوراق. بمجرد أن يخسر أحد اللاعبين جميع بطاقاته، يخرج من اللعبة. الهدف ببساطة هو الحفاظ على أكبر عدد ممكن من بطاقاتك، مع استخدام أفضل دمج ممكن لهزيمة خصمك."
كان حديثهما مشوقًا، وشرحهما واضحًا رغم كل التفاصيل، فأومأت وقلت:
"أعتقد أنني فهمت أغلب القواعد الآن... تبدو ممتعة."
ثم وضعت كفي على الطاولة وابتسمت قائلاً:
"لنبدأ."