لكن، وقبل أن يبدأ تيروس بتوزيع الأوراق، رفع يده قليلاً كمن يتذكّر أمرًا مهمًا، وقال بنبرة جادّة هذه المرّة:

"مهلًا، هناك أشياء أخرى عليك أن تعرفها قبل أن نبدأ اللعب."

نظرت إليه باهتمام وقلت:

"وما هي؟"

أجاب وهو يميل إلى الوراء في كرسيه ويشبك يديه خلف رأسه، وقد بدا وكأنه يستمتع بإلقاء القواعد:

"إذا فزتَ على خصمك في الجولة، فإن خصمك يُجبر على التخلص من البطاقتين اللتين استخدمهما في الدمج، بينما الفائز في الجولة يتخلص من بطاقة واحدة فقط."

هززت رأسي ببطء، متأملًا العدالة في تلك القاعدة، ثم قلت:

"هذا يبدو عادلًا."

ابتسم تيروس، وكأنه سعيد بأن الأمور تسير بسلاسة، ثم تابع:

"أما بالنسبة للبطاقات الثلاثين الاحتياطية... فهي ليست مجرد بطاقات إضافية، بل تُعدّ بمثابة فرصة ثانية. عندما يتعادل لاعبان في الجولة، يجب عليهما التخلص من البطاقتين المتعادلتين، ثم يسحب كلٌّ منهما بطاقتين جديدتين من كومة الاحتياط."

نظرت إلى كومة الأوراق التي وُضعت جانبًا في منتصف الطاولة، ولاحظت كيف أن بعض الأوراق كانت لا تزال في غلافها الزجاجي الرقيق، وكأنها لم تُلمس من قبل. بدا وكأن اللعبة أُعدّت بعناية، رغم بساطتها الظاهرة.

قلت بهدوء:

"فهمت. من الجيد أن هناك احتياطًا في حال التعادل."

ثم مال رأسي قليلاً وأنا أسأل بفضول:

"لكن... ما اسم هذه اللعبة؟ لم تخبراني بعد."

أجاب لوكسيان بصوت رتيب، دون أن يرفع عينيه عن أوراقه:

"اسمها فورميز."

قالها وكأن الاسم لا يحمل أي أهمية، لكن تيروس كان أكثر حماسًا منه، فتابع الحديث وهو يحرك يده في الهواء وكأنه يروي قصة:

"إنها لعبة شاعت مؤخرًا بسرعة غريبة. الكثير من الناس صاروا يلعبونها لقتل الوقت، في أحد الأيام، بينما كنت أعمل، سمعت بعض الناس يتحدثون عنها... كانوا يضحكون ويتحدّثون عن 'بطاطا محترقة' و'تفاحة مقطوعة' و'كرسي ناري'... لم أفهم شيئًا، لكن بدا أنهم يستمتعون جدًا."

ضحك قليلًا ثم أضاف:

"اشتريت اللعبة بعدها بدافع الفضول. أردت أن أفهم لماذا هذه الضجة حولها... وعندما جرّبتها، أدركت أنّها تستحق كل ذلك الإعجاب."

ابتسم وهو يربّت على علبة البطاقات الخشبية وكأنها كنز صغير، ثم أردف:

"لهذا السبب أحضرتها معي إلى هنا. وبينما كنا نحرس الطابق الثالث أنا ولوكسيان، وكان الملل ينهشنا، اقترحت عليه أن نلعبها... ووافق، رغم تذمره المعتاد."

هنا تنحنح لوكسيان قليلًا وتحدث بصوت متهكّم:

"أنا لا أعتبرها ممتعة جدًا كما يفعل هو. ألعبها فقط عندما أشعر بالملل الشديد. وإن لم أكن أشعر بالملل، لما لمستها أصلاً."

ثم أدار وجهه إلى الجانب قليلًا ورفع حاجبه وكأنه يتحداني أن أجرؤ على السخرية من ذوقه.

ضحكت بصوت خافت، وقلت:

"تبدو ممتعة، حتى لو لم تعجبك يا لوكسيان."

ردّ دون أن ينظر إليّ:

"أنا فقط لا أتحمس لأشياء تافهة."

ابتسم تيروس وقال بلهجة أخف:

"على أي حال... هل نبدأ اللعبة الآن؟"

نظرت إليهما، ثم إلى الأوراق التي بدأت تُرتب بعناية، وقلت بابتسامة تحدٍ خفيفة:

"لنبدأ."

...

بدأ تيروس بتوزيع الأوراق بدقة، كانت الأوراق جميعها بلون واحد، لون رمادي مائل إلى الأبيض، وبنقوش بسيطة، كي لا يتمكّن أحدنا من التمييز بينها أو الغش. كلٌّ منا أخذ عشر أوراق ووضعها أمامه، في ترتيب مرتب، كما يفعل المحترفون رغم بساطة الأمر.

نظرت إلى أوراقي للمرة الأولى، أستعرضها بصمت وبشيء من الحذر، وكأنها قطعٌ من لغز معقد لا أملك مفتاحه بعد. كانت البطاقات التي وقعت بين يدي هي:

تفاحة، بطاطا، كرسي، مقص، نار، خبز، كعك، كرسي آخر، قميص، وعشب.

عدد من الأشكال المألوفة، وبعضها لا يبدو أنه يصلح للدمج... أو ربما لا أفهم طريقة التفكير بعد.

رغم أنها مجرد لعبة، شعرت في داخلي بحماس غريب يتسلل إليّ، كما لو كنتُ على أعتاب معركة رمزية. إنها المرة الأولى التي ألعب فيها فورميز، ولكن شيئًا ما في بساطة قواعدها وسخافة مكوناتها أيقظ في داخلي رغبة قديمة للتحدي... شيء لم أشعر به منذ زمن.

قطع أفكاري صوت لوكسيان، جاء ساخرًا على عادته:

"إذاً، ماذا تنتظران؟ لتضعا البطاقتين!"

رفعت رأسي ونظرت إليه، كان جالسًا بوضعية مائلة وكأنّه على وشك النوم، ومع ذلك كان يُمسك أوراقه كما يُمسك أحدهم أسرار حرب. نظرت إلى أوراقي مرة أخرى، حاولت التفكير في مزيج منطقي أو حتى عشوائي، وفي النهاية قررت أن أدمج المقص مع النار. بدا لي ذلك اختيارًا جيدًا... ربما يُكوِّن شيئًا مثل "مقصّ حار".

وضعت بطاقتيّ أمامي، بهدوء وثقة جزئية. سرعان ما فعل الآخران الشيء نفسه، ثم قلبنا الأوراق في لحظة واحدة.

نظرنا إلى النتائج:

بطاقتا تيروس: فلفل + نار

بطاقتا لوكسيان: حجر + مقص

بطاقتاي: مقص + نار

قال تيروس بنبرة نصف رسمية:

"إذاً، النتائج هي: مقص حار، فلفل زائد الحرارة، ومقص متحجر..."

أسند ظهره إلى الكرسي، ثم نظر إلينا وقال:

"الآن... لو تقاتلت هذه الأشياء، من برأيكم سيفوز؟ وكونوا صادقين... بدون مجاملات أو غش."

ضحك لوكسيان ساخرًا، وقال:

"حسنًا... أول ما يمكننا الاتفاق عليه، هو أن فلفلك زائد الحرارة سيكون أول الخاسرين. هذا مؤكد."

لم يُظهر تيروس أي انزعاج، بل أومأ برأسه ببطء وقال:

"صحيح، الفلفل سيُقَص من المقص الحار أو المقص المتحجر، لذا يُقصى من الجولة..."

ثم أضاف بعد لحظة صمت:

"لكن لا تنسَ أن مقصك المتحجر ليس مضمون الفوز. فالمقص الحار يمكنه أن يذيب الحجر، فيتغلب عليه."

ضحك لوكسيان وقال بسخرية أكثر حدة:

"ومن قال لك إن النار تغلب الحجر؟ مقصي المتحجر سيكسر المقص الحار بسهولة قبل أن يحاول أن يذيبه."

بدأ الجدال يتصاعد بينهما، بدا أنهما سيستمران في تبادل الحجج إلى ما لا نهاية، فقررت التدخل:

"أمم... أظن أن المقص المتحجر سيفوز."

التفتا إليّ معًا، وتحدث تيروس أولاً:

"ولِمَ ذلك؟"

قلت موضحًا:

"أنتم من الأرض، أليس كذلك؟"

أجابا معًا:

"نعم."

ثم قال لوكسيان مستنكرًا:

"لكن ما علاقة ذلك بالفائز في الجولة؟"

قلت بثقة أكبر:

"لأنكم تعلمون كما أعلم، أن النار تستطيع إذابة أشياء كثيرة، لكن الحجارة تبقى واحدة من المواد التي يصعب إذابتها، خصوصًا إن كانت قاسية. وبالتالي من المنطقي أن يكون المقص الحجري هو الفائز."

ارتسمت ابتسامة انتصار على وجه لوكسيان، وقال:

"أليس كذلك؟! هذا هو المنطق الذي أتحدث عنه!"

أما تيروس فبدا مترددًا قليلًا، ثم قال بتنهيدة:

"إذا كنا نفكر بالمنطق الواقعي، فصحيح... المقص المتحجر هو الفائز."

قال لوكسيان بفرح وغرور واضح:

"هاهاها! أنا الأفضل! هيا أنتما الاثنان، تخلّصا من بطاقتيكما."

نظرت إلى تيروس، فرأيته يبذل جهدًا واضحًا ليبقى هادئًا. ربما كان يحاول أن يذكّر نفسه بأنها مجرد لعبة... أو ربما كان يغلي من الداخل ولا يريد أن يُظهر ذلك.

أما أنا فلم أكن غاضبًا، في النهاية هي جولة واحدة، ولكن ما أزعجني حقًا هو الغرور الذي طغى على نبرة لوكسيان، وكأنه فاز في معركة حقيقية.

سحب كل واحد منا بطاقتيه، ثم وضعناهما جانبًا. أما لوكسيان فقد تخلّص من ورقة واحدة فقط من البطاقتين، لكن دون أن يظهر لنا ما كانت، على الأرجح حتى لا نعرف محتوى مجموعته. حركة ماكرة... لكنها متوقعة منه.

وبهذا... انتهت الجولة الأولى.

والآن، بدأت الجولة الثانية.

2025/08/10 · 16 مشاهدة · 1032 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026