95 - مَن قال أن الورق لا يقاتل

بدأت الجولة الثانية، وكان لوكسيان لا يزال يحتفظ بتفوقه الواضح. لم يُخفِ غروره، بل كان يتصرف وكأنّه في نزال رسمي وليس مجرد لعبة تُلعب لتمضية الوقت.

تنهّدتُ بهدوء، ثم أعدت نظري إلى بطاقاتي، التي تقلّص عددها إلى ثمانية بعد خسارة الجولة الأولى. نظرت لبطاقاتي التي كانت كالتالي:

تفاحة، بطاطا، كرسي، خبز، كعك، كرسي آخر، قميص، وعشب.

وقفتُ لحظة متردّدًا. لم أكن واثقًا من تركيبات هذه الجولة. لم تبدُ أي من بطاقاتي خارقة أو ذات طابع هجومي. بدا كل شيء ضعيفًا... تفاحة؟ قميص؟ عشب؟ ماذا سأفعل بكل هذا؟

لكنني قررت ألا أُهدر الوقت في التفكير كثيرًا. ففي النهاية، هذه اللعبة تقوم على الحدس بقدر ما تعتمد على المنطق.

نظرت إلى الورقتين المتشابهتين أمامي... كرسي وكرسي.

ابتسمت لنفسي ابتسامة خفيفة، ثم سحبت الورقتين ووضعتهما على الطاولة.

"كرسي مزدوج"، قلت في داخلي.

ربما يكون قويًا بما يكفي... أو على الأقل أكثر ثباتًا من تفاحة محمّصة أو طاولة عليها عشب.

لاحظت أن تيروس ولوكسيان قاما باختيار بطاقاتهما أيضًا، ثم قال لوكسيان بنبرة من لا يبالي:

"لتقلبوا الأوراق."

قلبنا الأوراق في اللحظة نفسها، وظهر ما يلي:

بطاقتا تيروس: طاولة + عشب

بطاقتا لوكسيان: كعك + تفاحة

بطاقتاي: كرسي + كرسي

ساد صمت قصير في الغرفة، ثم قال تيروس وهو يميل للأمام بنبرة تحليلية:

"حسنًا... إذًا لدينا طاولة عشبية، كعكة تفاح، وكرسي مزدوج."

توقف للحظة، يحاول رسم الصورة في ذهنه، ثم تابع بنغمة خفيفة:

"مَن برأيكم سيفوز؟"

قال لوكسيان، وهو يسند ذقنه على راحة يده ويفكر بصوتٍ مسموع:

"لنُخضِعها للمنطق... كعكة التفاح، رغم أنها شهية، لا أظنّها ستنجو طويلًا في قتال. يعني... قد تُلتهم قبل أن تبدأ الهجوم حتى."

ضحك تيروس بخفة وقال:

"اعتراف جميل بخسارة بطاقتك."

ردّ لوكسيان متهكمًا:

"أنا لا أخسر... أنا فقط أقدّر الواقع."

ثم أومأ تيروس برأسه نحو البطاقتين المتبقيتين وقال:

"الآن بقي لدينا كرسي مزدوج وطاولة عشبية... وهذا صعب بعض الشيء."

رفعت حاجبيّ وسألت:

"أيّهما أقوى؟ طاولة فوقها عشب؟ أم كرسي مضاعف؟"

فكر تيروس قليلًا، ثم قال ببطء:

"في الحقيقة... أعتقد أن الكرسي المزدوج هو الفائز."

نظرت إليه باستغراب، فتابع موضحًا:

"الطاولة العشبية تبدو غير مستقرة... العشب ليس شيئًا صلبًا أو مفيدًا هجوميًا، وقد يجعل الطاولة زلقة أو حتى غير صالحة للاستعمال. أمّا الكرسي المزدوج، فهو يعبر عن الثبات والتوازن، وربما القوة أيضاً، خاصة إن وُضع في موقع دفاعي. كرسيان مدمجان يعني مساحة أكبر للدعم والاستقرار... ومواجهة الطاولة العشبية؟ لا أظن أن الأخيرة ستصمد أمام ثقل الكرسي المزدوج."

توقفتُ للحظة، ثم قلت:

"إذًا... أنا الفائز؟"

ابتسم تيروس ابتسامة خفيفة وأومأ:

"نعم، يبدو أنك ربحت هذه الجولة."

قالها دون حسد، بينما ظل لوكسيان صامتًا، وكأنه يحاول تقبّل الأمر رغم كبريائه. لم يُعلق، ولم ينظر إليّ مباشرة، لكنه تخلّص من بطاقتيه بخفّة وألقاهما في كومة البطاقات المستبعدة.

أما تيروس، ففعل الشيء ذاته بهدوء.

الآن دوري في اختيار البطاقة التي سأتخلص منها... الكرسي أم الكرسي الآخر؟

نظرت إلى الورقتين أمامي، كلاهما يحمل صورة الكرسي المرسوم بنفس الظلال الرمادية والخطوط البسيطة. من الناحية العملية، هما متطابقان. لكنني شعرت بشيء غريب من التردد.

"أيهما أتخلص منه؟" سألت نفسي.

ثم ضحكت بخفة... وكأن أحدهما أهم من الآخر.

في النهاية، سحبت إحدى الورقتين وتركت الأخرى، ثم وضعتها فوق كومة الأوراق المستبعدة. شعرت بشيء صغير من الرضا. ربما ليس لأنني فزت، بل لأنني أثبت لنفسي أنني لست أضعف من الآخرين... حتى لو كانت اللعبة تافهة.

قال تيروس وهو يعيد ترتيب بعض الأوراق:

"حسنًا... جولة ممتعة. والآن... الجولة الثالثة."

وهكذا... بدأت المعركة التالية.

...

بدأت الجولة الثالثة، وقد بدأ التعب البسيط يتسلل إلى أذهاننا، ولكن شيئًا من التحدّي الصامت كان ما يزال يتصاعد بيننا كدخان خفيف في غرفة مغلقة.

نظرتُ إلى الأوراق المتبقية أمامي، وعددها الآن سبعة فقط. راجعتها واحدة تلو الأخرى:

تفاحة، بطاطا، خبز، كعك، قميص، عشب، وكرسي.

حدّقت فيها للحظات.

تفاحة؟ بطاطا؟ قميص؟ كعك؟

كلها تبدو وكأنها خرجت من سلّة فطور في صباحٍ كسول أكثر من كونها أدوات في لعبة صراع.

همست لنفسي ساخرًا:

"أظنّني... سأخسر في هذه الجولة."

شعور طفيف بالإحباط تسلل إليّ. لم أكن أملك ورقة واحدة تمنحني الثقة، أو حتى مجرد فكرة دمج مثيرة. وبصراحة؟ لم أشعر أن رأسي قادر على التفكير بتركيبة منطقية في هذه اللحظة.

زفرت تنهيدة قصيرة، وأغمضت عينيّ للحظة، كمن يسلم نفسه لقدر غير معروف، ثم مددتُ يدي عشوائيًا وسحبت ورقتين من أمامي دون أن أنظر إليهما.

لنرَ ما الذي سيفعله الحظ في هذه الجولة...

ثم وضعت البطاقتين وجهًا للأسفل على الطاولة، دون أن أعلم ما هما.

لوّح لوكسيان بيده وكأنه يشعر بالملل، ثم قال:

"لننهِ الجولة بسرعة... أشعر أن البطاقات بدأت تفقد نكهتها."

قالها وهو يضع بطاقتيه أمامه برشاقة مدروسة، كأنّه يُجري حركة استعراضية في مسرح فنون القتال.

أما تيروس، فوضع بطاقتيه بهدوء وتأمّل، يرافقه ذلك التركيز المعتاد في عينيه... وكأنه يقرأ في كل ورقة رواية سرية لا يعرفها سواه.

تبادلت نظرة قصيرة مع تيروس ثم لوكسيان، وأومأ تيروس أخيرًا وقال:

"لنقلب الأوراق."

توقّف قلبي لحظة. كنتُ لا أزال لا أعلم ما هما الورقتان اللتان اخترتهما. ولكن الفضول كاد يلتهمني للمعرفة.

مددتُ يدي وقلّبت الورقتين اللتين اخترتهما دون وعي...

بطاطا + قميص.

حدّقت فيهما، مصدومًا نوعًا ما.

بطاطا... وقميص؟!

أي مزيج غريب هذا؟!

شعرت بحاجة لأن أضحك.

هل هذا هو قدري؟ أن أهاجم أعدائي ببطاطا ترتدي قميصًا؟

لكن لم يكن هناك وقت للندم.

أعاد تيروس قراءة النتائج بصوتٍ شبه رسمي، كما لو كان يعلن نتائج تصويت في مجلس النبلاء:

"البطاقات هي:

أنا: مرآة + تفاحة

لوكسيان: حجر + نار

أنت: بطاطا + قميص"

ثم قال ساخرًا وهو يرفع حاجبه:

"جميل... قميص يرتدي بطاطا ضد مرآة تفاح وحجر ناري. يا لها من معركة."

ضحك لوكسيان ضحكة قصيرة ساخرة، ثم قال:

"حسنًا، دعونا نحلل هذه الكارثة."

لكن قبل أن يُكمل، رفع تيروس يده وقال:

"دعونا لا نسخر، بل نحكم بموضوعية."

ثم وضع كوعه على الطاولة وأسند ذقنه، وقال:

"مرآة التفاح؟ فاكهة منعكسة، ربما لها قدرة على صد الهجمات... لكن في النهاية تظل فاكهة.

حجر ناري؟ هنا يبدو الأمر أكثر خطورة... حجر مشبع بالنار؟ قد يكون انفجاريًا.

أما البطاطا ذات القميص... فهي؟"

توقّف قليلًا، ثم انفجر بالضحك:

" أنا لم أتخيل شيئًا كهذا في حياتي."

ضحكتُ معهم، وقلت:

"ربما يمكنها أن تصمد في الشتاء؟"

قال لوكسيان بسخرية:

"أو ربما... تذهب إلى مقابلة عمل."

تابع تيروس ضاحكًا:

"حسنًا، رغم متعة الفكرة... أظن أن الحجر الناري سيفوز هذه الجولة."

أومأت برأسي، غير مستاء، بل مستمتع بسخافة الأمر كله.

"أتفق معكما. حجرك الناري يا لوكسيان هذا... سحقني."

قال لوكسيان، وهو يميل للوراء منتشيًا بانتصار جديد:

"طبعًا. القوة دائمًا لي."

تخلّصت من بطاقتيّ دون أي تردد، وقلبي مرتاح، فقد خضت الجولة كما لو كنت ألعب النرد.

أما لوكسيان، فقد سحب ورقة واحدة ووضعها جانبًا دون أن يكشفها كعادته.

وتيروس، الذي خسر بدوره، تخلّص من ورقتيه بهدوء.

وهكذا، انتهت جولة الحظ الأعمى.

وها نحن نستعد للجولة الرابعة... وقد بدأت الأمور تزداد سخونة، رغم سخافتها الظاهرة.

2025/08/11 · 32 مشاهدة · 1057 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026