96 - هدوء الورق...وصخب النفوس

بدأت الجولة الرابعة، وكانت الأوراق أمامي تتقلص كما تتقلص الخيارات في عقل رجل يواجه أزمة مصيرية.

نظرت إليها مطولاً... خمس بطاقات فقط: تفاحة، خبز، كعك، عشب، وكرسي.

زفرتُ بهدوء، وقلت في داخلي: "سوف أخسر بلا أي شك..."

ورغم تفاهة البطاقات، كان عليّ أن أختار اثنتين. نظرتُ إليها كمن يتوسّل بأن تظهر ورقة قوية فجأة، ولكن...لا إجابات، فقط احتمالات.

أعدت النظر سريعًا. الكرسي بدا الورقة الوحيدة التي توحي بالقوة... أو على الأقل بالثبات. ولكن، مع من أدمجه؟

تفاحة؟ تبدو فاكهة مسالمة أكثر من اللازم.

الخبز؟ لا فائدة، سيكون مجرد مقعد قابل للأكل.

الكعك؟ هاهاها... "كرسي كعكي"، صورة مضحكة، لكن لا أظنها ترعب أحدًا.

لم يتبقّ سوى العشب... وهو أضعفهم جميعًا، لكن ربما... ربما يمكنني جعله يضيف شيئًا من الطبيعة على القوة الصناعية للكرسي؟ كأن يكون كرسيًا مموّهًا؟ كرسيًا حيويًا؟

قبل أن أتمكن من اتخاذ القرار بالكامل، قطع أفكاري صوت لوكسيان بنبرته المعتادة المتأففة:

"هيا... ما الذي يؤخركم هكذا؟"

رفعت نظري، لأراه قد وضع بطاقتيه أمامه، وبدأ يطرق بأصابعه على الطاولة كأنّه ينتظرنا منذ قرون.

أجبت بهدوء داخلي:

"حسنًا... لا مجال للتردد أكثر."

أخذت بطاقتيّ، ووضعت الكرسي والعشب جنبًا إلى جنب، أمامي.

تيروس كذلك حسم أمره، فوضع بطاقتيه على الطاولة بهدوء، كما يفعل في كل جولة.

قال لوكسيان وهو ينظر إلينا بنصف ابتسامة:

"هل انتهيتم؟ لنقلب البطاقات إذن."

قلبنا البطاقات في اللحظة نفسها، وكشفت الأوراق عن نفسها وكأنّها مسرحية تبدأ فصولها أخيرًا.

بطاقتا تيروس: سكين + فلفل

بطاقتا لوكسيان: بيتزا + خبز

بطاقتاي: كرسي + عشب

حدّقت في الأوراق، ثم رمشت ببُطء وأنا أقاوم انفجار ضحك داخلي.

سكين فلفل؟!

وبيتزا خبز؟!

وكرسي عشبي؟!

بدا وكأننا في مباراة طهي على ظهر كرسي في حقل مفتوح.

تيروس نظر إلى البطاقات جميعها، ثم قال بصوت متوازن:

"إذًا النتائج هي: سكين الفلفل، بيتزا الخبز، والكرسي العشبي..."

توقف لحظة، ثم أضاف وهو يميل للأمام:

"والسؤال هو: من سيفوز من بين هؤلاء؟"

ابتسم لوكسيان بكسل وقال ساخرًا:

"ممم... لا أعتقد أن كرسيًا مغطّى بالعشب سيقاوم كثيرًا. ربما سيصبح مأوى للجراد، أو يتحول إلى حطب في فصل الشتاء."

ضحكتُ بخفّة، واعترفت:

"أعلم أنه ليس مرعبًا جدًا... لكن على الأقل يبدو مريحًا."

ثم قلت بنبرة استكشافية:

"أما بيتزا الخبز... تبدو شهية، ولكن لا أراها تقاتل أكثر من دقيقتين قبل أن يأكلها أحدهم."

تيروس ضحك ضحكة خافتة وقال:

"بيتزا خبز؟ إنها مجرد نسخة ثقيلة من فطيرة... لذيذة؟ نعم. قوية؟ لا أظن."

ثم مسح فمه بإصبعه الوهمي وأردف:

"الآن... سكين الفلفل... هنا الأمر مختلف."

توقفنا جميعًا للحظة، وبدأت معالم الجدية ترتسم على وجهه، ثم تابع:

"فكروا فيها، إنها سكين، أي أداة قطع وهجوم، لكنها مدموجة مع الفلفل، مادة حارة لاذعة. مزيج حسي وعدواني... قد تكون هذه السكين ليست حادة فحسب، بل حارقة أيضًا."

قال لوكسيان، وقد بدأ يرى المنطق في الأمر:

"حسناً سأعترف بالأمر، فلفل حاد؟ تخيّل أن تجرحك تلك السكين، ثم تبدأ حرارة الفلفل في اختراق الجرح... إنها مؤلمة مرتين."

أضفتُ مستسلمًا، لكن بإعجاب صادق:

"بل ثلاث مرات، مرة عند الجرح، ومرة عند الحرق، ومرة عند التفكير في الأمر لاحقًا."

ضحكنا جميعًا، ثم قال تيروس وقد شبك يديه:

"إذن... يبدو أن الفائز هو سكين الفلفل."

أومأنا بالموافقة.

ومن ثم قال لوكسيان:

"سأفوز في الجولة القادمة."

قلت بتهكم:

"كرسي مغطّى بالعشب كان ليملك معنى، لو كنّا نلعب لعبة 'الحديقة الخارقة'."

ضحك تيروس بصوت خافت، ثم قال:

"لننهي الجولة إذًا."

---

تخلّصت من بطاقتيّ دون تردد، مطبقًا قاعدة الخاسر التي لا ترحم. لم تكن تلك الجولة في صالحي، وهذا أمرٌ بات من المعتاد مؤخرًا.

لوكسيان فعل المثل، وبنفس ذلك الأسلوب البارد المتغطرس، ألقى ببطاقتيه جانبًا وكأنهما أوراق لا تليق بمستواه. أما تيروس، فقد احتفظ بورقة واحدة فقط، كونه الفائز في الجولة السابقة.

لم تمضِ سوى لحظات حتى أعلن تيروس، بصوته الجاد والقصير:

"الجولة الخامسة... لنبدأ."

نظرت إلى أوراقي، ولم أحتج لوقت طويل لأدرك أنها أسوأ تشكيلة حصلت عليها منذ بداية اللعبة.

ثلاث بطاقات فقط: تفاحة، خبز، وكعك.

وقفتُ لحظة أحدّق بها كما ينظر المحكوم بالإعدام إلى سكين الجلّاد.

قلت لنفسي متهكمًا:

"تبدو وكأنها مجموعة طعام لفطور هادئ في مقهى، لا سلاح لجولة قتال..."

تنهدتُ ببطء، ثم رفعت نظري نحو الآخرين. بدا كلٌّ منهما في حالة تركيز، لكن لوكسيان كالعادة كان يتظاهر باللامبالاة.

وضعتُ بطاقتيّ، وفعل الاثنان الشيء ذاته. تبادلنا النظرات القصيرة ثم أومأ تيروس قائلاً:

"لنقلبها."

وفي اللحظة نفسها، كُشفت الأوراق.

بطاقتا تيروس: قميص + تفاح

بطاقتا لوكسيان: مرآة + طاولة

بطاقتاي: خبز + كعك

فأكمل تيروس وقال:

"إذاً النتائج هي: قميص يرتدي تفاح، مرآة فوقها طاولة، وكعك خبز."

ساد صمتٌ صغير... صمتٌ بدا في بدايته مريبًا، لكنه سرعان ما انهار تحت ضحكة مدوّية أطلقها لوكسيان:

"هاهاهاهاها! قميص يرتدي تفاح؟! كيف حدث هذا؟!"

احمرّ وجه تيروس قليلاً، ثم قال بانزعاج واضح:

"أقصد تفاحة ترتدي قميصاً، لقد كان مجرد خطأ لفظي."

لكن لوكسيان، وكعادته، لم يُفوّت فرصة للسخرية:

"يبدو أن التفاحة التي ترتدي قميصًا هي صديقة البطاطا التي كانت ترتدي قميصًا أيضًا، أتذكرانها؟ يا لهما من صديقتان رائعتان! ذاهبتان سويًا لمقابلة العمل... هاهاهاها!"

نظرت إلى تيروس، وقد بدت ملامحه أكثر انزعاجًا من أي وقت مضى، لكنه تمالك أعصابه بطريقة جديرة بالاحترام.

قال بصوت خافت وهو يتنفس بعمق:

"كله بسبب البطاقات السيئة التي ظهرت لي."

ضحك لوكسيان من جديد وقال باستهزاء:

"بالطبع، البطاقات... دائماً البطاقات."

ساد صمت مفاجئ في الغرفة، وكأن الهواء نفسه تراجع خطوة إلى الوراء منتظرًا ما سيأتي.

قطع ذلك الصمت صوت تيروس، الذي قال بنبرة جدية:

"على أية حال... من برأيكم سيفوز في هذه الجولة؟"

نظرت إلى الأوراق بتمعّن.

قميص على تفاحة؟ لا صلابة، لا معنى هجومي.

كعك وخبز؟ مزيج هش يمكن تدميره بركلة.

ثم قلت بهدوء، ورغبة في الاعتراف الصادق:

"رغم أنني لا أريد الإقرار بذلك... أظن أن الطاولة التي فوقها مرآة ستفوز."

رفع تيروس حاجبه وسأل:

"ولِمَ ذلك؟"

أجبته:

"تفاحة ترتدي قميصًا؟ إنها ليست سوى فاكهة بملابس، لا قوة ولا صلابة. كعكة وخبز؟ هشاشة مضاعفة، سيتفتتان من أول صدمة. لكن الطاولة والمرآة؟ قد تبدوان غريبتين، لكن الطاولة قاعدة صلبة، والمرآة قد تعكس الهجوم أو تشتت الخصم... على الأقل فكريًا. ليست قوة كبيرة، لكنها أكثر استقرارًا من بقية التركيبات."

تنهد تيروس ببطء، ثم قال:

"...أنت محق."

ثم أضاف وهو ينظر إلى لوكسيان بنظرة طويلة:

"أنا لا أعلم كيف يستمر هذا الشخص في التغلب علينا... مع أنه لا يبدو عليه ذلك الذكاء."

في لحظة، توقّف الزمن.

التفت لوكسيان ببطء، وقد اختفى كل أثر للضحك من وجهه، واستبدله بتلك النظرة الجامدة التي تسبق العاصفة.

قال بنبرة منخفضة... لكنها تحمل صدى تهديد حقيقي:

"ماذا؟ ما الذي تعنيه؟ أتقصد أنني غبي؟"

ردّ تيروس ببرود مفاجئ:

"وماذا إن كنتَ كذلك؟"

ارتفعت يد لوكسيان فجأة، وضرب الطاولة بقوة جعلت الأوراق تتطاير في الهواء، بعضها سقط على الأرض، وبعضها انقلب في منتصف الهواء وهبط مقلوبًا.

وقف بحدة، صوته يعلو بغضب:

"أعد ما قلته... لم أسمعك جيدًا."

لكن تيروس لم يتراجع، بل قال بنفس النبرة:

"قلتُ، وماذا إن كنتَ كذلك؟"

في لحظة، مسك لوكسيان بياقة قميص تيروس، ورفع نبرته ساخرًا:

"أنظروا من يتحدث! تيروس الغبي، الذي فاز بجولة واحدة فقط! بينما أنا فزت بثلاث جولات، ثم يجرؤ على تسميتي غبيًا؟!"

قام تيروس من مكانه، ونظر إليه مباشرة، وقال بوضوح:

"نعم، أنت غبي. فوزك لم يكن سوى ضربة حظ متكررة. لا منطق، لا حكمة. فقط حظ."

شدّ لوكسيان قبضته أكثر، وكاد أن يدفعه للخلف، لكن...

تدخلتُ فوراً.

وقفت بينهما، ووضعت يدي على صدريهما، ثم صرخت بصوت أعلى مما اعتدت:

"مهلاً! مهلاً يا رفاق! لماذا كل هذه الفوضى؟! نحن نتشاجر بسبب لعبة! مجرد لعبة!"

قال لوكسيان بانفعال، وهو يشير نحو تيروس:

"هو من بدأ أولاً!"

ردّ تيروس بنبرة دفاعية:

"أنا فقط قلت الحقيقة!"

صرخ لوكسيان مجددًا:

"بل قلت الكذب!"

شعرت أن المشهد خرج عن السيطرة.

عيونهما اشتعلتا. الأصوات ارتفعت. الجو امتلأ بشحنات توتر محسوسة. الغرفة الصغيرة التي كنا نجلس فيها أصبحت وكأنها ساحة قتال حقيقية.

وبينما كنت أبحث عن الكلمات التي يمكن أن توقف هذا الانهيار... لم أجد شيئًا.

شيئًا فشيئًا... تراجعت.

نظرت إليهما مرة أخيرة، ثم استدرت وخرجت من الغرفة بخطى سريعة.

لم أكن جبانًا... لكنني لم أرد أن أرى النهاية.

ربما كنتُ أتمنى لو أن لدي القوة لإيقافهما... لكنني لم أكن أملك سوى صوتهما وهما يتشاجران خلفي.

أغلقت الباب خلفي، وقلت في داخلي:

"حسنًا... ليس وكأنه سيحصل شيء خطير، صحيح؟"

لكن قلبي... لم يكن واثقًا تمامًا من ذلك.

2025/08/12 · 17 مشاهدة · 1279 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026