ما إن خرجتُ من الغرفة وأغلقت الباب خلفي حتى شعرتُ بذلك الفراغ المألوف يعود من جديد... لا، ليس الفراغ الغريب، بل فراغٌ من نوع مختلف تمامًا... فراغ المعدة.
أطلق بطني صوتًا خافتًا لكنه كان واضحًا بما يكفي ليقول: "حان وقت الطعام."
زفرتُ قليلًا، ثم تمتمت:
"أجل... لنأخذ استراحة من التوتر، على الأقل حتى تفرغ المعركة التي تدور هناك من دخانها."
وصلت أمام الباب الخشبي الكبير، دفعته بهدوء، ودخلت.
استقبلني الطباخ بابتسامة بسيطة وهو يقول:
"أهلاً بك."
ابتسمتُ وأومأتُ رأسي بخفة.
كانت رائحة الطعام تملأ المكان بشكل يدعو للسكينة، مزيج من الشوربة الدافئة، وتوابل خفيفة، ورائحة خبز طازج كأنّها تسعى لمواساتي بعد ما حدث.
نظرتُ نحو الطاولة الخشبية الطويلة، فرأيت زايروس وسيريون جالسَين بهدوء، يتناولان الطعام بصمت يشبه كثيرًا طباعهما.
اقتربت منهما، وسحبت كرسيًا وجلست بجوارهما.
قال زايروس وهو يرفع عينه قليلًا:
"انضممت إلينا في الوقت المناسب."
ردّ عليه سيريون بصوته الهادئ المعتاد:
"نادرًا ما يكون الطعام سيئًا هنا."
قلتُ وأنا أستعد لتناول أول لقمة:
"حسنًا... هذا بالضبط ما أحتاج إليه الآن."
لم تمضِ لحظات حتى وضع الطباخ أمامي طبقًا من الشوربة الدافئة التي بدا وكأنها صُنِعَت خصيصًا لهذا الوقت من اليوم. بخارها كان يتصاعد برقة، وكأنّه يدعوني لتجربة دفئها.
بدأتُ بالأكل بصمت، وكانت أول ملعقة تحمل من النكهة ما يكفي لتنسي المرء ما مر به قبل دقائق.
وبينما كنت أتناول الطعام، قطعتُ الصمت بيننا وسألت:
"هاي، لدي سؤال..."
لم يرفع سيريون عينيه عن طبقه، واكتفى بالقول بهدوء:
"تفضل."
قلت بينما أحرّك الملعقة في الشوربة:
"متى انتقلتما إلى هذا العالم؟"
أجاب زايروس بنبرة مباشرة:
"انتقلتُ منذ أربعة أشهر."
ثم أضاف سيريون دون تردد:
"وأنا منذ خمسة."
هززتُ رأسي ببطء، ثم تابعتُ:
"إذاً... هل تعرفان شيئًا عن العاصمة؟ أعني العاصمة التي ذكرها النبيل فاليس في حديثه؟"
هذه المرة، رفع سيريون رأسه ونظر إليّ باهتمام لأول مرة منذ بداية المحادثة، وقال:
"لا... أتعلم أنت شيئًا عنها؟"
رفعت حاجبي وقلت بسخرية خفيفة:
"لو كنتُ أعلم لما سألت، أليس كذلك؟"
ضحك زايروس بصوت خافت وقال:
"سمعت بعض الشائعات عنها."
نظرنا إليه أنا وسيريون في آن واحد، فقال متابعًا:
"البعض يقول إن العاصمة تقع في الشرق، وأن الرحلة إليها تستغرق عشرة أيام إذا كنت تستخدم عربة، و خمسة عشر يومًا إذا قررت المشي."
ثم أضاف بعد برهة:
"اسمها ستورن، أو على الأقل هذا ما سمعته."
قال سيريون وهو يضع شوكته جانبًا:
"هل تعلم أين تقع تحديدًا؟"
هزّ زايروس كتفيه وقال:
"لا، كل شيء مجرد كلام سمعته في النزل أو في السوق. لا أحد ممن قابلتهم ذهب إليها فعليًا."
ثم أكمل بعد لحظة من التفكير:
"لكن أغلبهم يتحدث عنها وكأنّها عالم آخر... قالوا إنها نظيفة للغاية، لا تشبه القرى التي نعيش فيها. هناك متاجر عملاقة، وأطعمة فاخرة، وناس من طبقات راقية... كل شيء يبدو مختلفًا هناك."
تمتمتُ وأنا أحدّق في طبق الشوربة:
"هل بها حكومة؟"
هزّ زايروس رأسه وقال بتردد:
"لم أسمع شيئًا مؤكدًا بهذا الخصوص... لكن، إن كان هناك سجن، فلا بد من وجود نظام أو جهة تديره. ربما حكومة... أو هيئة أمنية؟ لا أعلم."
ساد صمت قصير بيننا، كانت الملاعق فيه هي الوحيدة التي تصدر أصواتًا، وكأنّها تكمل الحديث بدلًا عنّا.
...
بعد أن أنهيتُ طعامي، وضعت الملعقة برفق جانب الطبق، ثم مسحتُ فمي بطرف كمّي بهدوء. رفعت نظري إلى زايروس وسيريون وأومأت لهما بتحية خفيفة، ثم التفتُّ نحو الطباخ وقلت بابتسامة:
"شكرًا لك، كان الطعام لذيذًا."
أومأ الرجل لي بإيماءة قصيرة وقد ارتسمت على وجهه تعابير الرضا، فغادرتُ المطبخ بهدوء، أتنفس هواءً دافئًا مشبعًا برائحة الحساء والتوابل.
لم يكن هناك شيءٌ محدد أفعله بعد ذلك. لا عمل، ولا جولة تدريب، ولا حتى فضول يدفعني للبحث عن شيء. شعرتُ بذلك الفراغ الغريب، كأن اليوم قرر أن يكون بسيطًا بشكل غريب.
وقفت في الردهة للحظة، أنظر إلى السقف الخشبي وأتأمل في صوت الريح الخفيف القادم من الأعلى. ثم قررت أن أتوجه إلى الطابق الثالث... لا أعلم لماذا، لكن بدا لي أنه المكان الوحيد الذي لم يُستهلك بعد هذا اليوم.
صعدت الدرجات ببطء، وكل خطوة كانت تصدر صريرًا خفيفًا تحت قدمي. وعندما وصلت، فتحت باب الطابق الثالث، فاستقبلني نسيم عليل... بارد قليلًا، لكنه منعش، وكأنّه حمل معه لمسة من الحرية.
كنت أتنشق الهواء بهدوء، حتى سمعت صوتًا مألوفًا خلفي:
"ما الذي تفعله هنا؟"
التفتّ فوجدت ماركوس واقفًا خلف الباب، وقد ارتسمت على وجهه نظرة ودودة ممزوجة ببعض الفضول.
أجبته بصوت خافت:
"لا شيء خاص... فقط شعرت أن لا شيء هناك لأفعله في الأسفل، فجئت إلى هنا."
أومأ برأسه بإيجاز، ثم قال:
"هل تود الانضمام إلينا؟"
رفعت حاجبيّ قليلًا وقلت:
"إليكم؟"
أشار بإبهامه خلفه، فنظرت، لأرى نوكس وكايرو جالسَين على الأرض يتبادلان الحديث. جوّهم بدا غير رسمي تمامًا، وأقرب لما يُمكن تسميته بـ"استراحة المقاتلين".
ثم أضاف ماركوس مبتسمًا:
"كنا على وشك أن نبدأ لعبة 'التحدي والحقيقة'... يبدو أنك أتيت في التوقيت المناسب تمامًا."
لم أفكر كثيرًا، بل قلت تلقائيًا:
"سأنضم إليكم."
سِرنا معًا باتجاههما. جلس نوكس متربعًا، بينما كان كايرو يتكئ على يده اليمنى بنصف لامبالاة.
بادر كايرو بالكلام ما إن رآني أقترب:
"أراك كثيرًا في الآونة الأخيرة..."
نظرت إليه شزرًا ورددت بسخرية خفيفة:
"ليس وكأنني أريد ذلك."
ضحك بخفة، وأردف نوكس وهو ينظر إليّ بعينين لامعتين:
"هل ستشاركنا إذًا؟"
أومأت برأسي وأنا أقول:
"نعم، اللعبة تبدو ممتعة."
جلسنا جميعًا على الأرض، على شكل دائرة غير منتظمة قليلًا، لكن كافية لتجمعنا وجهًا لوجه.
أخذ نوكس زمام المبادرة، وقال بصوت هادئ:
"حسنًا... بما أن الجميع هنا، فسأشرح القواعد."
توقف للحظة ليتأكد من أن الجميع يصغي، ثم أكمل بنبرة شبه رسمية:
"اللعبة بسيطة. سنبدأ بشخص عشوائي، يختار شخصًا آخر ويسأله: 'تحدي أم حقيقة؟' فيختار الشخص ما يفضّله... إما يقول الحقيقة، أو ينفّذ التحدي مهما كان."
رفع إصبعه كأنه يلوّح بتحذير غير مباشر، وأضاف:
"لا يُسمح بالكذب، ولا يُسمح برفض التحدي بعد اختياره. التراجع يعني... عقوبة."
قال كايرو وهو يبتسم:
"وأظن أن نوكس متحمس للعقوبات أكثر من اللعبة نفسها."
ضحك ماركوس وقال:
"كالعادة."
ابتسمتُ بخفة وأنا أتابعهم، ثم سألت:
"ومن سيبدأ؟"