98 - لعبة ليست مجرد لعبة

ساد صمت خفيف بيننا، كأن الجميع ينتظر إشارة ما، حتى قال نوكس وهو يفرقع أصابعه باسترخاء:

"سنقرّر من سيبدأ أولًا عن طريق لعبة 'حجرة، ورقة، مقص'. الفائز هو من سيختار الضحية الأولى."

أومأنا جميعًا برؤوسنا، كنوع من الموافقة الهادئة، وقد بدت في أعيننا تلك اللمعة الطفولية التي تسبق الألعاب غير المتوقعة.

قال نوكس مبتسمًا:

"إذاً... هيا لنبدأ."

رفعنا أيادينا في الهواء، وقلنا بصوت واحد، أقرب إلى الهتاف:

"حجرة، ورقة، مقص!"

رأيتُ أنني وماركوس اخترنا "الحجرة"، بينما اختار نوكس "المقص"، وكايرو "الورقة". حدّقنا في أيدينا للحظة، ثم رفع كايرو يده ملوحًا بابتسامة ساخرة وقال:

"تعادل غريب... علينا أن نعيدها."

ضحكنا بخفة، ثم كررنا الحركة:

"حجرة، ورقة، مقص!"

مرة أخرى اخترتُ "الحجرة" — لا أدري لماذا، لكن بدا لي أنها الخيار الآمن.

نوكس اختار الحجرة أيضًا، وكذلك كايرو.

أما ماركوس، فقد فتح يده بهدوء ليكشف عن "ورقة".

قال نوكس وهو يومئ برأسه وكأنّه يُسلّم بالنتيجة:

"ماركوس فاز... الورقة تغلب الحجر."

نظرنا جميعًا إلى ماركوس، الذي بدت عليه لمحة من الحماسة الطفولية، فهزّ رأسه مؤكدًا:

"حسنًا، يبدو أنني سأكون أول من يختار."

وهكذا، انطلقت اللعبة.

لم تمر سوى بضع ثوانٍ من الصمت المترقب، حتى قال ماركوس بصوتٍ يحمل نغمة انتقاءٍ مدروس:

"سأختار..."

سكت قليلًا، كأنّه يستمتع بتعليق الأسماء في الهواء، ثم أكمل بابتسامة:

"سأختار نوكس."

التفتنا جميعًا نحو نوكس الذي ظل صامتًا للحظة، قبل أن يتنهد وكأنّه كان يتوقّع ذلك.

قال كايرو ساخرًا:

"يبدو أن الضحية الأولى وقعت، حظًا موفقًا يا نوكس."

ضحكتُ بخفة وقلت:

"لا تقلق يا نوكس، إنها مجرد لعبة."

رمقني بنظرة جانبية وابتسم:

"هذا ما يجب أن أقوله لك، فأنت تبدو متوترًا أكثر مني... رغم أنني أنا من تم اختياره."

رفعت حاجبيّ وتظاهرت بالدهشة:

"هاهاها، ما الذي تقصده؟ هذه مجرد ابتسامة دفاعية لا أكثر."

لكن ماركوس قاطعنا وقال:

"على أية حال، لنبدأ... نوكس، اختر: تحدي أم حقيقة؟"

توقّف نوكس لبرهة وهو ينظر إلى الأرض، ثم رفع رأسه وقال بثقة:

"سأختار الحقيقة."

وبهذا، بدأ الترقب الجديد: ماذا سيكون سؤال ماركوس؟ هل سيتعلق بشيء شخصي؟ أم شيء له علاقة بالماضي؟ أم مجرد سؤال سخيف لجعل الجو أخف؟

كل الاحتمالات كانت مطروحة، وكل الأعين الآن على ماركوس.

كان من الواضح أنّ هذه اللحظة، رغم بساطتها، تخفي تحتها الكثير من القصص التي لم تُروَ بعد.

---

ساد صمت قصير بيننا بعد أن أعلن نوكس اختياره "للحقيقة"، وكأن الجميع قد تحوّل إلى تمثال ينتظر الكلمة التالية.

نظر ماركوس نحوه بابتسامة خفيفة، ثم قال بصوت هادئ لكنه واضح:

"سؤالي هو... ما كان شعورك عندما انتقلت إلى هذا العالم؟"

لثوانٍ، لم يرد نوكس. فقط ظل ساكنًا، ينظر إلى الأرض وكأنّه يبحث عن الكلمات داخل غبار الذكرى.

وأخيرًا، تكلم:

"في الحقيقة... عندما انتقلت إلى هذا العالم، ظننت أنني في حلم، لا أكثر. شعرتُ أنني سأستيقظ في أي لحظة، ولهذا لم أعطِ الأمر أي اهتمام."

رفع عينيه ببطء، يحدق في نقطة غير مرئية فوق رؤوسنا، وأضاف بنبرة أكثر بطئًا، وكأن كلماته تُستخرج من بئر عميق:

"ولكن... حين مرّت الأيام ولم أستيقظ... عرفتُ أنني لم أكن أحلم. وأن ما يحدث حقيقي... بالكامل."

ساد الصمت ثانية، لكن هذه المرة لم يكن مريحًا، بل كان ثقيلًا، كأن الهواء ذاته توقف ليستمع لما سيُقال بعد ذلك.

نوكس عضّ شفته السفلى للحظة، ثم قال بصوت خافت يكاد يُسمع:

"لا أعرف كيف شعرت تمامًا وقتها... لكني أظن... أنني كنت قلقًا على أختي."

شهقتُ في داخلي دون أن أُظهر ذلك. لديه أخت؟! لم يخبرنا أحدٌ من قبل.

لكن نوكس قطع شرودي بنبرة حزينة خافتة:

"لم أهتم حقًا بشأن انتقالي إلى هذا العالم... لم أكن خائفًا من الوحوش، ولا من الجوع، ولا من الوحدة... لكنني كنت قلقًا عليها."

خفض رأسه، وأكمل:

"كنت أتساءل: هل هي بخير؟ أين هي الآن؟ هل تأكل جيدًا؟ هل تنام جيدًا؟ هل تبكي؟... هل تحزن بسببي؟"

كلماته لم تكن درامية، لم تكن محاولة لاستدرار العطف... بل كانت صادقة. صادقة لدرجة أننا لم نتمكن من الرد فورًا.

ساد صمت غريب في المكان، نوع من الهدوء الذي لا يشبه ذلك الذي يسبق الضحك، بل يشبه كثيرًا صمت الجنازات.

لكن كايرو، كعادته، قرر أن يُغير الجو بسرعة، فقال بابتسامة مصطنعة وهو يرفع حاجبيه:

"هاهاها، يا رفاق... لما هذا الحزن؟ أعني... لا داعي لأخذ الأمر بجدية. إنها مجرد لعبة، تذكروا ذلك!"

ابتسم نوكس بخفة وقال:

"كايرو محق، لا داعي لأن تشعروا بالشفقة تجاهي."

قبل أن أتمالك نفسي، قفزت الكلمات من فمي بسرعة:

"نحن لا نشعر بالشفقة عليك! أعني... نحن فقط نشعر بالحزن... لا أكثر."

تلعثمت قليلًا في نهايتها، وكأنّي لم أكن واثقًا من مشاعري، أو ربما كنت خائفًا من البوح بها.

ابتسم نوكس مجددًا، هذه المرة بابتسامة خفيفة صادقة، ثم قال:

"شكرًا... أنا أقدر ذلك."

عمّنا صمتٌ جديد، لكنه لم يكن ثقيلًا هذه المرة... بل كان أشبه براحة ما بعد الاعتراف، لحظة صدق لا تُقابل بالكلمات، بل بالسكينة.

ثم، وكأنّه أعاد ترتيب المشهد في رأسه، قال نوكس وهو يصفق يديه بخفة:

"على أية حال، انتهى دور ماركوس، وحان وقت اللاعب التالي. دعونا نكمل... الشخص الذي على يمين ماركوس هو التالي."

استدرتُ ببطء لأتأكد، وإذا بي أجد نفسي أنا على يمينه.

تسارعت نبضاتي قليلًا. لم أكن قد استعددت بعد لهذا الدور... لكن لا مفر.

ابتسم ماركوس وهو ينظر إليّ ويقول:

"يبدو أن الدور لك الآن."

تساءلت في داخلي: من سأختار؟ وما الذي سأقوله؟

لكن قبل كل شيء، كان عليّ أن أواجه حقيقة أنني الآن في وسط اللعبة... ولم أعد مجرد مراقب.

...

صمتُّ لبرهة، أغمضت عينيّ وأخذت نفسًا عميقًا، أحاول من خلاله ترتيب أفكاري المتناثرة، بينما شعرتُ بأنّ جميع الأنظار قد التفتت إليّ، تنتظر قراري بصبرٍ مصطنع.

فتحت عيني ببطء، ونظرت إلى من حولي... عينا نوكس ما زالتا تحملان بقايا من الحزن الذي عبّر عنه قبل دقائق، بينما بدا ماركوس هادئًا، يراقب الموقف بعينين فضوليتين، أما كايرو فكان يتثاءب بخفة، كأن الأمر لا يعنيه كثيرًا.

نظرت إليهم واحدًا تلو الآخر... ثم استقرّ بصري أخيرًا على كايرو.

رفعت يدي وأشرت نحوه بلا تردد.

لم أكن أملك دافعًا عميقًا لاختياره، سوى أنه الشخص الوحيد في الدائرة الذي لم يشارك بعد. شعرت أنه من العدل أن يُدعى الآن.

ابتسم ماركوس وقال بنبرة ساخرة:

"يبدو أن الضحية الثانية هو أنت يا كايرو."

ابتسم كايرو بدوره وقال وهو يعدّل جلسته:

"أفضل من كوني فقط مراقبًا... على الأقل سأُسهم بشيء في هذه الجلسة المريبة."

ابتسمتُ وأنا أقول بنبرة شبه رسمية:

"إذاً، كايرو... ماذا تختار؟ تحدي أم حقيقة؟"

رفع حاجبًا، ثم قال بثقة:

"سأختار التحدي، لنرى ماذا ستفعل."

توقفت قليلًا أفكر. أردت تحديًا لا يكون سهلًا، لكنه ليس تعذيبًا أيضًا... شيء يحرك الأجواء ولا يُفسدها. مرّت في ذهني عشرات الأفكار خلال ثوانٍ، بعضها سخيف، وبعضها مستحيل التنفيذ... حتى خطرت لي فكرة بدت مناسبة من حيث الطرافة والاختبار.

رفعت إصبعي وكأنني أعلن قرارًا مصيريًا وقلت:

"لتقم بثلاثين تمرينة ضغط."

اتسعت عينا كايرو، وانقلبت ملامحه فجأة من التسلية إلى الانزعاج، وقال بنبرة تحمل خليطًا من الاستياء والمرارة:

"لقد اخترت هذه لأنك تعلم أنني أصبحت أكره التمرينات بعد العقوبة التي أمرنا بها النبيل فاليس..."

حاولتُ التظاهر بالبراءة، ورفعت حاجبي ببطء وأنا أقول بنبرة ماكرة:

"ما الذي تعنيه؟ هل تقول أنك سترفض التحدي... وتكون جبانًا؟"

ارتجف فكه للحظة، ثم ضحك بخفة خبيثة وقال:

"حسنًا... هكذا ستلعب إذًا؟... انتظر حتى يحين دوري."

ابتلعت ريقي بهدوء، وشعرتُ بوخز خفيف من الندم يتسلل إلى داخلي. هل ارتكبت خطأ؟

الجو بدأ يسخن، وشيء ما في نظرات كايرو أخبرني أنني فتحت بابًا لا ينبغي أن يُفتح.

وقف كايرو ببطء، نفض الغبار عن يديه وكأنّه يتجه إلى ساحة معركة، ثم انخفض إلى الأرض وأخذ وضعية التمرين.

قال ماركوس بحماس وهو يصفق بخفة:

"هيا يا بطل! أرِنا ما لديك."

انضم نوكس إلى التشجيع أيضًا، قائلاً بسخرية خفيفة:

"ربما نحتاج إلى ساعة رملية للعدّ، ما رأيك؟"

بدأ كايرو العدّ بصوت مرتفع قليلًا، كل عدّة كانت مصحوبة بزفرة قوية، كأنّه يفرغ فيها كل ضيقه، ليس من التمرين فحسب، بل مني أنا تحديدًا.

خمسة... عشرة... خمسة عشر...

بدأ عرقه يتصبب، ووجهه يحمرّ شيئًا فشيئًا.

عند التمرينة العشرين، توقف لثوانٍ، ثم نظر إليّ وعيناه تشعّان بالحقد ، وقال بنبرة لاهثة:

"سترى العذاب... ها... عندما يحين دوري... ها."

ضحك نوكس ضحكة خفيفة وهو يقول:

"الانتقام قادم."

أما أنا... فقد ابتلعت ريقي مجددًا، وبدأت ألوم نفسي سرًّا.

ما الذي فعلتُه؟

بدأت أتصور أن كايرو عندما يحين دوره سيأمرني بمئة تمرينة ضغط، أو ربما سيطلب مني أن أركض في أرجاء القلعة عشر مرات، أو...ربما أسوأ!

تمتمتُ في داخلي:

"تبًا... لم يكن يجب عليّ أن أعطيه هذا التحدي... أنا لن أختار التحدي أبدًا عندما يحين دوره... أبداً!"

وفي هذه اللحظة، استكمل كايرو التمرينة الثلاثين وهو ينهض متثاقلاً، يلتقط أنفاسه بينما يبتسم ابتسامة المنتصر الذي ينتظر انتقامه القادم بلهفة.

جلس مجددًا في مكانه، ونظر إليّ وقال بنبرة هادئة لكنها مملوءة بالوعيد:

"دوري قادم...قريباً"

أدركت حينها أنني ما كان عليّ أن أعطيه ذلك التحدي.

2025/08/13 · 13 مشاهدة · 1358 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026