جلسنا جميعًا من جديد، نكوّن دائرة غير منتظمة بعض الشيء، وكأنها انعكاس لفوضى مشاعرنا الداخلية التي بدأت تتراكم خلف ضحكاتنا الخفيفة وتحدياتنا الطفولية. الأرض من تحتنا كانت باردة قليلًا، والحجارة الصغيرة تحت الأقدام تضغط على الجلد، لكن أحدًا لم يشتكِ، كأن الجلسة نفسها كانت تمنحنا نوعًا من التماسك والدفء.

مرر ماركوس نظراته علينا واحدًا تلو الآخر، ثم قال بنبرة هادئة:

"حسنًا... يبدو أن الدور الآن على نوكس."

التفتت الأنظار إليه. كان يجلس واضعًا ذراعيه فوق ركبتيه، وعيناه نصف مغمضتين كعادته، يوحي دومًا بأنه غير مهتم، لكننا عرفنا الآن أن خلف ذلك الوجه الهادئ، تختبئ مشاعر لم يتوقعها أي شخص.

رفع نوكس رأسه قليلًا، وفرقع أصابعه بخفة قبل أن يقول:

"إذًا... سأختار..."

توقفت أنفاسي للحظة. جزء مني كان يأمل ألا يختارني.

ثم رفع إصبعه ببطء، وأشار نحوي مباشرة، قائلاً:

"سأختارك أنت."

شعرت بقلبي يقفز في صدري.

"أنا؟!" خرجت مني الكلمة تلقائيًا، بصوت يكاد يكون أقرب إلى الهمس المتفاجئ منه إلى التساؤل الحقيقي.

ضحك كايرو بخفة، وقال بسخرية واضحة:

"يبدو أن نوكس قرر أن ينتقم لأجلي. حظًا موفقًا، يا صاحبي."

نظرت إلى نوكس، الذي لم يبدُ عليه أي نية حقيقية للانتقام، بل فقط ابتسامة هادئة لا يمكن قراءة معناها.

قال بنبرة عادية، وكأن الموضوع لا يتعدّى كونه جزءًا من الروتين:

"إذاً... ماذا ستختار؟ الحقيقة؟ أم التحدي؟"

صمتُّ. نظرات الجميع كانت عليّ الآن، أترقب كلمتي التالية.

لماذا أشعر وكأن هذا أكثر من مجرد لعبة؟

في داخلي، بدأت أستعرض الخيارات كأنني أقف أمام مفترق طرق حقيقي.

التحدي؟ لا... ليس مع نوكس. ليس بعد تلك الإجابة التي أطلقها قبل دقائق، والتي كشفت لنا جانبًا خفيًا من روحه.

ثم تذكّرت كايرو.

نعم، كايرو لن يرحمني بالتأكيد. نظرته الأخيرة كانت تحمل تهديدًا واضحًا، ومن المؤكد أن عقله بدأ يخطط لشيء قاسٍ.

أما ماركوس... فهو الوحيد الذي بدا لي مأمون الجانب. كان طيب القلب، دائم الابتسامة، ومزاحه بريء، لا يحمل سوى نية التسلية. هو الشخص الوحيد الذي شعرت أنني قد أختار التحدي معه مطمئنًا.

لكن الآن... أنا في مرمى نوكس.

أخذت نفسًا عميقًا، وكأنني أتهيأ للاعتراف أمام محكمة غير مرئية، ثم قلت بهدوء:

"أختار الحقيقة."

أومأ نوكس برأسه بهدوء، ثم سألني، دون أن يرفع صوته أو يغيّر نبرته:

"إذاً... ماذا تريد أن تفعل بعد أن انتقلت إلى هذا العالم؟"

لم أكن مستعداً لهذا السؤال.

تجمد لساني للحظة. توقعت أي شيء... أي شيء إلا سؤالاً كهذا. شيء في صدري انكمش، وكأن السؤال حفر طريقه نحو أعمق نقطة داخلي.

نظرت إلى الأرض، ثم رفعت بصري نحو السماء.

وبعد صمت قصير، أجبت:

"أنا... أريد أن أجمع مبلغًا كبيرًا من المال."

توقفت لوهلة، ثم أكملت بصوت أخفض:

"مبلغ يكفي لستة أشهر من دون عمل... فقط حتى أتمكن من التنفس بحرية."

نظرت نحو نوكس، ثم نحو الآخرين. لم يقاطعني أحد. فقط الإنصات.

تابعت:

"وبعدها... سأبدأ رحلتي."

بلعت ريقي، وأنا أشعر بكلماتي تزداد ثقلًا:

"سأبحث عن عائلتي."

ارتجف صوتي قليلًا، ثم واصلت، متجاوزًا توتري:

"سأحاول أن أعرف أين هم... إن كانوا في هذا العالم أم لا. سأجوب الأرض، وأسأل كل من أراه، فقط لأجد أثرًا... أي شيء يدل عليهم."

عمّ الصمت، لكنه لم يكن خانقًا. كان صمتًا يشبه حضنًا غير مرئي، نوع من التفهم العميق الذي لا يحتاج إلى تعليقات.

قال ماركوس أخيرًا، محاولًا أن يخفف من ثقل الأجواء، بصوته الهادئ المعتاد:

"هدف رائع... أنا أيضًا أريد أن أجمع المال وأبحث عن أخي الكبير."

التفت نحوه باندهاش لم أستطع إخفاءه:

"أنت لديك أخ كبير؟!"

ضحك ماركوس بخجل، وفرك عنقه بكفه كما يفعل حين يشعر بالحرج:

"هاهاها... نعم، لدي أخ أكبر مني. لم أره منذ أن وصلت إلى هنا."

وقبل أن أتمكن من الرد، قال كايرو بنبرة فيها شيء من المزاح المغلف بالمرارة:

"ما هذا؟ يبدو أنكم جميعًا لديكم أشخاص تبحثون عنهم..."

نظرت إليه، بعينين تحملان تساؤلًا حقيقيًا:

"أليس لديك شخص تبحث عنه أنت أيضًا؟"

توقف للحظة. شيء في وجهه تغيّر. لم يكن يمزح هذه المرة.

كان صامتًا... عينيه تتفاديا نظراتنا. ثم قال بصوت خافت:

"...انسَ الأمر."

ثم رفع رأسه وابتسم تلك الابتسامة الماكرة التي يخفي خلفها الكثير:

"على أية حال... أليس دوري الآن؟"

كان انتقاله السريع من الصمت إلى السخرية محاولة مكشوفة للهروب، لكننا لم نضغط عليه.

كلٌّ منا، على ما يبدو، يملك شيئًا يخفيه.

---

قال نوكس بنبرة هادئة، بينما كان ينظر نحو كايرو:

"نعم... إنه دورك الآن يا كايرو."

تحركت الأنظار جميعها نحو كايرو، الذي لم يُجب مباشرة. كان ينظر أمامه، شاردًا للحظة، وكأنه يُراجع الأسماء واحدًا تلو الآخر في ذهنه. كنت أشعر بتوتر خفيف يتسلل إلى داخلي، رغم محاولتي التظاهر بالهدوء.

أغغ... إذا اختارني فسأقول الحقيقة، فحسب.

هكذا قلت لنفسي. لم أكن مستعدًا لمغامرة غير محسوبة. كايرو معروفٌ بتقلباته المزاجية المفاجئة، وإن رغب بالانتقام، فلن يتردد لحظة. كنت أتأمل بصمت، منتظرًا اختياره، بينما تنفسي بدأ يثقل شيئًا فشيئًا.

لكن ما حدث، لم يكن كما توقعت.

بهدوء، رفع كايرو إصبعه، وأشار به إلى الشخص الجالس على يمينه، قائلًا:

"أنا أختارك يا ماركوس."

ارتخت أنفاسي أخيرًا. حسنًا... هذا جيد. على الأقل لم يخترني.

ضحك ماركوس بخفة، ومرر يده في شعره البني المائل للأشقر وهو يقول بنغمة خفيفة:

"هاها، يبدو أنني أنا الضحية هذه المرة."

ابتسمتُ لا إراديًا، حتى وإن كان توتر الجو لا يسمح بالكثير من الضحك.

قال كايرو بنبرة تحمل مزيجًا من التسلية والتحدي:

"اختر، التحدي أم الحقيقة؟"

ردّ ماركوس دون تفكير طويل:

"سأختار الحقيقة."

هنا، تقلصت شفتا كايرو في ابتسامة سخرية، وقال وهو ينظر نحونا جميعًا:

"لماذا جميعكم جبناء هكذا وتختارون الحقيقة فقط؟"

كلماته كانت مثل شرارة سقطت في حوض صغير من الغرور غير المستقر. وبدون وعي، قفز صوتي مدافعًا عن نفسي:

"أنا لست جبانًا!"

وفور أن نطقت بها، أدركت...

تباً، لقد وقعت في الفخ.

بينما بقي ماركوس ونوكس ساكنين، لم يتأثرا بتعليق كايرو على الإطلاق، كنت أنا الوحيد الذي فقد توازنه واندفع، وكأنني طفل يسهل استفزازه بكلمة.

رمقني كايرو بنظرة جانبية، وقال بابتسامة لئيمة وهو يهز رأسه:

"آه، حقًا؟ إذاً أثبت لي ذلك... عندما يختارك أحدهم لاحقًا."

لم أجب. لا ينبغي أن أزيد الطين بلة. سكوتي الآن أذكى من الرد.

أجل، لا يجب أن أقع في تلك الحيلة السخيفة... وما إن يختارني أحدهم وأختار التحدي، فسأندم بعدها بلا أدنى شك.

التفت كايرو مجددًا نحو ماركوس، وعاد إلى دوره الأساسي، متقمصًا شخصية المقدم، وسأل بنبرة أكثر جدية، وإن بقي فيها بعض الخفة:

"إذاً يا ماركوس... سؤالي هو: ما هو أكثر موقف مُحرج مررتَ به في حياتك؟"

وفي تلك اللحظة...

شعرتُ بتغيّر في الأجواء، شيء ما لم يكن على ما يرام.

ازدادت الرياح برودة فجأة، كأن الهواء قرر أن يصغي معنا إلى القصة القادمة. الأشجار المجاورة لنا اهتزت بأصوات خفيفة، والسماء بدت أغمق، رغم ثباتها. اختفت ابتسامة ماركوس في ثانية، وتحول وجهه من المرح إلى الجمود.

عمّ الصمت. لم يكن صمتًا لطيفًا.

كان صمتًا ثقيلًا، صمتًا يجعل المرء يشعر بأن شيئًا مهمًا على وشك أن يُقال... أو أن يُكشف.

نظر كايرو نحو ماركوس بقلق خفيف بدأ يتسلل إلى ملامحه، وكأنّه شعر بأن السؤال تجاوز حدود اللعبة، دون أن يقصد.

نوكس أغلق عينيه، وأمال رأسه قليلًا، كأنه قرر ألا يتدخل، أو ربما أراد أن يحمي نفسه من رؤية ما قد يحدث.

أما أنا... فحدّقت في ماركوس بصمت، وقلبي بدأ يخفق بوتيرة غير مفهومة.

لماذا كل سؤال في هذه اللعبة ينتهي عند منطقة حساسة؟

أعني... فقط انظر إلى وجهه... هذا وحده كافٍ لنفهم أن السؤال كان خاطئًا.

مرت عدة ثوانٍ، لكنها بدت وكأنها دقائق كاملة، ونحن ننتظر... ننتظر أن ينطق ماركوس بأي شيء.

كان يجلس ساكنًا، يديه على ركبتيه، عينيه مُثبتتين في نقطة غير مرئية أمامه. بدا وكأنه لا يرانا أصلًا. كأنّ عقله غادر الدائرة تمامًا، وسافر إلى زمن آخر، إلى لحظة يريد أن ينساها، لكنها ظلت تلاحقه.

وهكذا...مرت الثواني ونحن بإنتظار إجابة ماركوس.

2025/08/14 · 94 مشاهدة · 1190 كلمة
Toleen Jaber
نادي الروايات - 2026