لم يكن الصباح في المدينة عادياً، بل بدا كأنه يحمل شيئاً خفياً يتسلل بين الضوء والظلال. كانت الشمس تزحف ببطء على واجهات الأبنية، تنعكس على النوافذ كأنها تطرقها لتوقظ ما بداخلها من أسرار. في الطابق السابع من مبنى قديم، وقف ريان أمام المرآة، يحدق في صورته طويلاً دون أن يبتسم. لم يكن يرى وجهه فقط، بل كان يرى طبقاتٍ من نفسه، وجوهاً متعددة اعتاد ارتداءها حتى لم يعد يعرف أيها حقيقي. تنهد ببطء وهمس: "كم من الوجوه سأرتدي اليوم؟" ثم التقط معطفه وغادر، كأنه يهرب من الإجابة.

في المقهى القريب من الجامعة، كانت ليلى تجلس بصمت، تدير ملعقتها في فنجان القهوة دون أن تشرب. كان القلق واضحاً في عينيها، رغم محاولتها التظاهر بالهدوء. جلست نورا أمامها تراقبها بابتسامة خفيفة، وقالت بنبرة شبه ساخرة إن كانت تفكر فيه مجدداً. لم تنكر ليلى ذلك، بل اعترفت بصوت منخفض أنها تشعر أن هناك شيئاً لا تعرفه عن ريان، شيئاً يتجاوز مجرد تأخره المتكرر. ضحكت نورا وقالت إن كل الرجال يخفون شيئاً، لكن الفرق يكمن في حجم الكذبة، ولم تكمل جملتها حتى ظهر ريان عند باب المقهى، وكأنه جاء ليؤكد كلامها أو ينفيه.

دخل بخطوات هادئة، وعلى وجهه تلك الابتسامة التي كانت كفيلة بإخماد أي شك قبل أن يتحول إلى سؤال. اقترب من ليلى واعتذر عن تأخره، فنظرت إليه مطولاً قبل أن تسأله أين كان. تردد لثوانٍ قصيرة، لكنها لم تمر دون أن تترك أثراً، ثم قال إنه كان يبحث عن هدية لها. كان الجواب بسيطاً ومريحاً، وربما أكثر مما ينبغي. لم تعرف إن كان صادقاً أم لا، لكنها شعرت برغبة في تصديقه، وكأن قلبها اختار الراحة على الحقيقة.

في جهة أخرى من المدينة، كانت سارة تقف في شرفتها، تمسك هاتفها وتتأمل رسالة لم تفتحها بعد. بقيت تنظر إليها طويلاً، كأنها تعرف محتواها مسبقاً، لكنها تخشى الاعتراف بذلك. أخيراً فتحتها، فظهرت عبارة قصيرة: "أشتاق إليك." ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن بريئة بقدر ما كانت واعية. تمتمت لنفسها أنه لا يشتاق حقاً، بل يشتاق إليها فقط عندما يبتعد عن الأخرى. أغلقت الهاتف بعد ذلك، وكأنها تحاول إغلاق شعور لا يمكن إسكاته.

عاد ريان إلى شقته مع حلول المساء، وكانت الظلمة تملأ المكان قبل أن يضيء الأنوار. خلع معطفه وألقاه بإهمال، ثم جلس في صمت ثقيل. لم يكن التعب هو ما أثقله، بل تلك الحياة المزدوجة التي بدأ يشعر بثقلها. اهتز هاتفه فجأة، فقطع سكون الغرفة. ظهرت ثلاث رسائل متتالية؛ الأولى من ليلى تقول إنها اشتاقت إليه، والثانية من سارة تسأله متى سيلتقيان، أما الثالثة فكانت من رقم مجهول، تحمل جملة قصيرة أربكته: "لا تظن أنني لا أعرف." تجمدت ملامحه، وشعر بشيء بارد يتسلل إلى صدره. لم يكن الخوف جديداً عليه، لكنه هذه المرة بدا مختلفاً، أكثر قرباً وخطورة.

لم يكن ريان مجرد شاب يعيش قصة حب معقدة، بل كان يعيش بين عوالم متداخلة، كل واحدة منها تظن أنها الحقيقة الوحيدة في حياته. كانت ليلى تمثل له هدوءاً لم يعرفه من قبل، شيئاً يشبه الاستقرار الذي طالما تهرب منه. أما سارة، فكانت النقيض تماماً، ناراً مشتعلة لا يستطيع الابتعاد عنها مهما حاول. وبين هذا وذاك، كانت هناك خيوط أخرى غير مرئية، تتشكل بصمت، وتنتظر اللحظة المناسبة لتشدّ كل شيء نحو الانهيار.

في تلك الليلة، لم تكن ليلى وحدها من فكرت فيه، ولم تكن سارة الوحيدة التي انتظرته. كان هناك شعور مشترك يتردد بين ثلاث قلوب، رغم تباعدها، كأنها متصلة بخيط واحد لا يُرى. ليلى همست لنفسها أنها تثق به لكنها خائفة، وسارة ابتسمت بثقة وهي تؤمن أنه لها حتى لو لم يعترف، بينما كان هناك صوت آخر، لم يظهر بعد، يراقب بصمت ويستعد لكشف الحقيقة.

في صباح اليوم التالي، دخل ريان إلى الجامعة وهو يحاول أن يبدو طبيعياً، لكنه توقف فجأة عندما رأى ليلى تقف أمامه. لم يكن الأمر غريباً، لكن ما جعل قلبه يضطرب هو الفتاة التي كانت تقف بجانبها. نظر إليها بذهول، وكأن الزمن عاد به إلى لحظة نسيها عمداً. نطق باسمها دون وعي، بينما ابتسمت هي وقالت إنها اشتاقت إليه وسألته إن كان قد نسيها. التفتت ليلى نحوهما بصدمة واضحة، وسألته عن هويتها، لكن الكلمات لم تخرج من فمه. ساد صمت ثقيل، لم يكن مجرد لحظة ارتباك، بل كان بداية تصدعٍ حقيقي، بداية لانكشاف كل ما حاول إخفاءه.

في تلك اللحظة، أدرك ريان أن الأمور لم تعد تحت سيطرته، وأن اللعبة التي ظن أنه يديرها بحذر بدأت تتحول إلى شيء أكبر منه، شيء لن يستطيع الهروب منه هذه المرة.

2026/04/02 · 1 مشاهدة · 689 كلمة
ahmed ikhrazne
نادي الروايات - 2026