"ليست كل الخطوات تقودنا إلى حيث نريد، بعضها خُلق ليعيدنا إلى أقدارٍ حاولنا جاهدين نسيانها."
تكسَّرَتْ أحلامُ الصيفِ الورديةُ على صخرةِ المَلَلِ الرتيبِ. ها هي ذي العطلة التي انتظرَها قلبي بلهفةٍ، تستقبلُني ببدايةٍ باهتةٍ، تركتْني فيها 'واندر' و'إيڤ' وحيدةً أصارعُ الفراغ، بينما أستلقي بوضعيةٍ مقلوبةٍ فوقَ الأريكة، يتدلى رأسي نحو الأرض كأنني أحاولُ رؤيةَ العالمِ من زاويةٍ أقلَ كآبة. فجأةً، تذكرتْ واندر أن مهاراتِها في البيسبول تحتاجُ تدريباً مكثفاً، وقررت إيڤ أن الحزام الأسود في الكونغ فو لا يكفيها! صقلُ مهاراتٍ يا للسخرية... هكذا برروا غيابَهم، تاركينَ إياي في مواجهةِ هذهِ البدايةِ البائسةِ لصيفي المنتظر. العطلة الصيفية…
أسوأ بداية ممكنة ولكن هيا فهُنَّ يطوّرنَ أنفسَهُنَّ لبلوغِ أهدافِهنَّ، لستُ كغيري، ممن يلقونَ بأجسادِهم في وضعياتٍ غريبةٍ فوقَ الأريكة، يندبونَ حظهم العاثرَ بدلاً من البحثِ عن شغفٍ حقيقي يُحيي ركودَ أيامِهم.. (رغم أنني أفعلُ ذلكَ تماماً الآنَ!). توقفَ تذمري فجأةً حينَ وقعَ نظري على الساعة.. سكاي!
كيفَ نسيتُ موعدَنا!!، نهضتُ بجزئي العلوي من الارضُ واعتدلتُ فوقَ الاريكةِ بنشاطٍ مفاجئٍ، كوني في أولِ يومِ إجازةٍ، ساذهبُ مبكراً هذهِ المرةَ، بخلافِ عادتي في الذهابِ بعدَ المدرسة. وهيا ربما تكونُ المقبرةُ في وهجِ الظهيرةِ أقل وحشةً مما هيَ عليهِ بعدَ العصرِ، أليسَ كذلكَ؟ بلى، هذا هو الوقتُ المثالي التقطتُ سُترتي من فوقِ الاريكة وقبلَ أن أصلَ للبابِ تعثرتُ بمجموعةِ خيوطِ صوفٍ متشابكةٍ، محاولة فاشلة لصنعِ دميةِ صوفيةٍ لريد هود، لو أن ريد هود رأى هذا المسخَ لاعتزلَ حياتَه بأكملَها!.
بكيتُ داخلياً ثمَ خرجتُ من غرفتي أهبطُ ذاكَ الدرجَ اللولبي الذي يتوسطُ المنزلَ كقطعةٍ فنيةٍ منحوتةٍ؛ خطواتُه الخشبيةُ الداكنةُ وسياجُه المعدني المطروقُ يلتفانِ حولَ بعضِهما في رقصةٍ أنيقةٍ. وما إن وصلتُ لقلب الطابق السفلي حتى استقبلتني غرفةُ المعيشةِ برحابتِها العصريةِ. كانت الواجهة المواجهة للحديقةِ عبارة عن جدارُ زجاجي كامل، يمتدُ من الأرضيةِ الرخاميةِ حتى السقفِ العالي ، ما جعلَ الخضرةَ بالخارجِ تبدو وكأنها لوحة حية تحتضنُ المكان وتغمرهُ بضوءِ الظهيرةِ الدافئ. على يساري، كان المطبخ يندمج بسلاسة مع الصالة بتصميمه المفتوح وخطوطه الحادة الأنيقة، حيث تفصله جزيرة رخامية مصقولة تعكس أضواء السقف الخافتة. أما على جهة اليمين، فكانت غرفة الطعام تقبع في زاوية مفتوحة بذكاء، تتوسطها طاولة خشبية بيضاء طويلة وكراسٍ منجدة، حيث كانت أمي جالسةً خلفَ حاسوبِها، تبدو وكأنها غارقةً في عالمِها الخاص وسطَ هذا الهدوءِ الذي يسبقُ عواصفَ الصيفِ ولم تنتبه لي
"أمي، أنا خارجة!"
ناديتُ بصوتٍ عالٍ قبل أن أصلَ للباب. رفعت رأسَها عن الحاسوب وسألتني بنبرةٍ لم تخْلُ من السخرية
"أقررتِ مغادرة صومعتكِ أخيراً؟ ظننتُ أنكِ قررتِ الاعتكافَ في غرفتكِ حتى نهايةِ الصيف، خاصةً بعد تلكَ الخطبِ العصماءِ التي ألقيتِها على مسامعي عن 'مخططات العطلة المذهلة'. "
"تبخرتِ المخططاتُ يا أمي.. واندر في الملعب، وإيڤ تتدربُ وكأنها تستعد لغزو العالم. يبدو أنني الوحيدةُ التي لم تجد ما تفعلهُ."
"وماذا عن قائمةِ الهواياتِ التي ملأتِ بها الثلاجة؟ الحياكة، السباحة، وحتى صناعةُ الحلوياتِ التي كدنا نفقدُ مطبخَنا بسببِها؟ ولازالت الكعكةُ المحروقةُ التي أعددتِها بالأمسِ موجودةً و سوفَ تتناولينَها عندما تعودين"
أكانَ لزاماً عليها أن تنبشَ في قائمةِ هواياتي المهجورة وتواجهَني بتقاعُسي؟ و تناول تلكَ الكعكة؟؟ لا أريدُ التفكيرَ بذلك حتى
"اه تذكرتُ سبب نزولي... أراكِ لاحقا اماه"
ارتديتُ سُترتي بسرعة وخرجت، مجددًا أتهرب من واجباتي حسنًا هي ليست واجبات حقًا، بل هِوايات، مُشكلتي أنني كُلما شرعتُ في شيءٍ، فقدتُ الشغف بهِ بسرعة، عليَ إيجاد حل قريبًا لذلك... غدًا... سأبدأ... ربما....
بمجردِ أن خطوتُ خارجَ عتبةِ المنزل، لفحت وجهي حرارةُ الظهيرةِ الساكنة. كان الحيُّ هادئاً بشكلٍ مريب، وكأن الجميع قرروا الاستسلام للقيلولة، باستثنائي أنا كالعادة... أُحبُّ أن أكونَ خارجَ التوقعات...
ولم أكن أعلم أن خُروجي العابر… سيقودُني إلى شيءٍ لن أستطيعَ تجاهُله لاحقاً...
كانت المسافة قصيرة، لكنني في كل مرة أقطعها أشعر وكأنني أعبر جسراً غير مرئي بين صخب الحياة وصمت الموتى وصلتُ إلى البوابةِ الحديديةِ الكبيرة. صريرُها المعتادُ كانَ يهمسُ باسمي في كل مرة، وكأنهُ يرحبُ بعودتي اليومية. مشيتُ بخطواتٍ وئيدةٍ بينَ الممراتِ الضيقة، أتجنبُ النظرَ إلى الأسماءِ المنحوتةِ من حولي؛ فبوصلتي لا تشيرُ إلا لاتجاهٍ واحدٍ.. نحو تلكَ الزاويةِ التي تحتضنُ سكاي.
وقفتُ أمامَ قبرها، وشعرتُ بتلكَ الغصة المألوفة تخنقُ حنجرتي. "أنا هنا مجدداً"، همستُ والدموع تلسع عينيّ،"أتيتُ مبكرةً اليومَ.. لعلّ ضوءَ الظهيرةِ يطردُ القليلَ من الظلامِ الذي تركتُه خلفي يومَ رحلتِ.. لعلَّه يغفرُ لي ما عجزتُ أنا عن غفرانِه لنفسي"
جلستُ في مكاني المعتاد أرحتُ جانبي على برودةِ الرخامِ القاسية، مغمضةً عينيَّ لأستحضرَ طيفَها.. هنا فقط، يتوقف العالم عن الدوران، ويصبح صمت المقبرة هو اللغة الوحيدة التي أفهمها... " لو كنتِ هنا يا سكاي، لكنتِ الآن تسخرينَ من محاولتي الفاشلة لصنع دمية ريد هود.. أنتِ الوحيدة التي تعرفين كم أنا سيئة في هذِه الأشياء"
بعدَ وقتٍ طويل لا أعلم كم طال، وكأنني كنتُ في عالمٍ آخر، نهضتُ ونفضتُ ملابسي بينما كان الهواءُ يُداعبُ أطرافَ شعري القصير. نظرتُ حولي حتى وقعَ نظري على ذلك القبرِ الغريب.. كان مختلفاً تماماً عن بقية القبور الصامتة من حولي. يبدو قديماً في طرازه، لكنه ناصعٌ ونظيف بشكلٍ مريب؛ لا غبار يغطيه، ولا خدوش نالت من رخامه، وتلك الورود البيضاء.. أقسمُ أنها تبدو وكأنها قُطفت للتو، لا أثر للذبول عليها رغم لهيب الظهيرة. لم أرَ أحداً يزور هذا المكان من قبل، رغم أنني آتي إلى هنا كل يوم كظلها!
بدافع الفضول الذي يغلب حذري دائماً، قادتني قدماي باتجاه ذلك القبر.. شعرتُ بقشعريرة باردة تسري في جسدي رغم الحرارة، وكأنني أخطو نحو سرٍ لم يُرد له أن يُكشف.
"إلينورا"
كان هذا هو النقش الوحيد الذي يزين الرخام الصقيل. شعرتُ برعشةِ غرابةٍ تسري في كياني؛ لا تاريخ ميلاد، ولا رحيل، ولا اسم عائلة.. فقط 'إلينورا'. كان الاسم يتردد في أعماق ذاكرتي كصدىً مألوفٍ لم أستطع تحديد مصدره، لكنني نفضتُ الفكرة عني؛ فالعالم يغص بفتيات يحملن هذا الاسم.
امتدت يدي بفضولٍ لا يقاوم لتلمس الشاهد، لكن وقبل أن تلامس أناملي برودة الرخام، شعرتُ بقبضةٍ فولاذية تُطبق على معصمي. تجمدت الدماء في عروقي، وسرى بردٌ غريب من يده إلى جسدي. تقطعت أنفاسي حين سمعتُ صوتاً رجولياً عميقاً يقطر ازدراءً
"إياكِ.. لا تتجرئي على لمسه!"
التففتُ نحوه بصدمة، وقلبي يقرع طبول الحرب في صدري. متى أتى؟ وكيف لم أسمع وقع خطىً أو حتى حفيف ثياب؟ كان واقفاً هناك بمهابةٍ مرعبة؛ رجلٌ طويل القامة، بشعرٍ أسود كالليل، وعيون.. عيون صفراء غريبة، تخترقني بنظرةٍ حادة جعلت الغضب الكامن في ملامحه يبدو خطراً و.. وجذاباً بشكلٍ لا يُفسر. استفقتُ من ذهولي، وانتزعتُ يدي من قبضته بقوة، ثم قلتُ بنبرةٍ يملؤها الانزعاج:
"ما خطبكَ يا هذا؟ وما الذي تظن نفسكَ فاعلاً؟"
أجابني بذات النبرة الجليدية، وكأن كلماته نصالٌ حادة
"ما الذي أظنُّ نفسي فاعلاً؟ لقد اقتحمتِ مساحةً خاصة.. وتسألين؟"
اتسعت عيناي بذهول، وفغرتُ فاهي ببلاهةٍ لم أستطع تداركها من شدة وقاحته، ثم استجمعتُ شتات نفسي وقلتُ متهكمة
"مساحة خاصة؟ نحن في مقبرةٍ عامة يا هذا! ثم إن ردة فعلكَ هذه مبالغٌ فيها تماماً، لم أكن أنوي سرقة الشاهد!"
ضيق عينيه الصفرواوين، وشعرتُ وكأن الهواء حوله أصبح أثقل، وكأنه يزن كلماتي بميزانٍ من غضب مكتوم.
"هذا القبرُ ليس للعوامِ مثلكِ! "
ما خطبُ هذا الرجل؟ أيعتقدُ نفسه وصياً على الموتى؟ شعرتُ بنوبةِ تمردٍ تجتاحني، فأجبتُه بسخريةٍ لاذعة
"أوه، معذرةً يا صاحب السمو! لم أكن أعلمُ أنني في حضرة ملكيّة.. ثم إنه مجردُ قبر، وليس وكأن صاحبته والدتكَ مثلاً!"
ساد صمتٌ ثقيل، أثقلُ من رخام القبور حولنا. نظر إليّ بعينيه الصفرواوين اللتين اتقدتا بوميضٍ غامض، وقال بنبرةٍ جافة وهادئة بشكلٍ مرعب:
"إنه كذلك."
تسمرتُ في مكاني، وشعرتُ وكأن الأرض ابتلعت لساني. "أوه.. ماذا؟". صفعتُ جبيني داخلياً وأنا أتمنى لو تنشق الأرض وتخفيني من فرط الإحراج.. أحسنتِ صنعاً يا هيڤن! لقد نجحتِ في إهانة ذكرى والدة رجلٍ غريب يملكُ عيوناً مخيفة في أقل من دقيقة!
"آه.. حسناً، انظرْ.. أنا لم أقصد أن—"
لم يمهلني فرصةً لترميم ما حطمه لساني المندفع؛ بل قاطعني بصوتٍ جليدي لا يقبل النقاش:
"غادري."
تجمدت الكلمات في حنجرتي، وشعرتُ بوميض عينيه الصفرواوين يخترقني كتحذيرٍ أخير.
"حالاً.. فبعضُ الأشياء يا فتاة… لا تُلمس. ليس لأنكِ لا تستطيعين… بل لأنكِ لن تنجُو بعدها."
ساد صمتٌ مخيف، شعرتُ معه أن الهواء قد سُحب من المكان. تجمدت الاعتذاراتُ في حنجرتي، وشعرتُ بوميضِ الغضبِ في عينيهِ يطردُ ما تبقى من خجلي ليحلَّ محلَّه عنادي القديم. استجمعتُ شتاتَ كبريائي، ونظرتُ إليهِ بتحدٍّ رُغم نبضاتِ قلبي المتسارعة، ثم قلتُ بنبرةٍ حاولتُ جعلها متماسكة
"حسناً، سأغادر فليكن.. لكن، عليكَ حقاً تحسينُ أسلوبكَ الفظّ هذا مع الغرباء!"
لم أنتظر رداً، بل استدرتُ بحدةٍ وابتعدتُ بخطواتٍ سريعةٍ غاضبة، تاركةً خلفي صمتَ المقبرة، وصريرَ البوابةِ الحديديةِ الذي بَدا هذه المرة وكأنه يسخرُ من تسرعي. وبينما كنتُ أهرولُ عائدةً إلى المنزل، طاردني طيفُ عينيهِ الغريبتين، وأدركتُ أن صيفي الذي بدأ بالملل، قد انقلب لتوّه إلى مغامرةٍ مجهولة.. ولعنةٍ جديدةٍ تضافُ لذنبي القديم.
ملاحظة الرواية مؤلفة
و أخبروني برأيكم (. ❛ ᴗ ❛.)