الغرفة لم تتغير منذ الصباح.

نفس المكتب، نفس المصباح بضوئه المائل، نفس الكرسي الذي يئن حين يجلس عليه بالطريقة الخاطئة. لكن الصندوق المعدني الصغير على المكتب كان يجعل كل شيء آخر يبدو مختلفاً — كأن وجوده وحده يُعيد رسم حدود الغرفة.

وضع كاي كوب الشاي بجانبه. شاي بارد لأنه أشعل الموقد ثم نسي.

فتح الصندوق.

---

ثمانية ملفات. كل ملف مربوط بخيط رفيع بلون مختلف. لا عناوين على الغلاف — فقط أرقام مكتوبة بخط صغير في الزاوية اليمنى العليا. من واحد لثمانية.

بدأ بالأول.

وثائق مالية. أرقام وتواريخ وأسماء مؤسسات. معظمها بأسماء شركات لا تعني له شيئاً — لكن شيئاً واحداً تكرر في ثلاث صفحات متتالية: حروف صغيرة في الهامش، مكتوبة بخط مختلف عن باقي الوثيقة.

*م.م — موافق.*

*م.م.*

موراي. الحرفان الأولان من اسم العائلة — ليس اسماً كاملاً، ليس توقيعاً، لكن إقراراً. شخص ما كان يُوثّق موافقات شفهية بهذه الطريقة لأنه لم يستطع الحصول على توقيع رسمي. أو لم يُرِد.

وضع الملف الأول جانباً وفتح الثاني.

صور فوتوغرافية.

سبع صور. جودتها متوسطة، التقطت في الليل أو في إضاءة خافتة. رجال يتبادلون شيئاً — صناديق، حقائب، مغلفات. وجوه يصعب تمييزها في بعضها. لكن في الصورة الرابعة — وقف كاي.

المبنى في الخلفية.

يعرفه.

كل من عاش في الحي السابع عشر سنوات يعرف ذلك المبنى — برج الساعة في ساحة المركز، الذي توقفت ساعته منذ حادثة الرماد ولم يُصلحها أحد. يقولون إن العائلات اتفقت على تركها متوقفة كتذكير. أو كتحذير.

الصورة الرابعة التقطت بجانب برج الساعة. ورجل يُسلّم مغلفاً ضخيماً لرجل آخر. وجه الأول غير واضح — لكن وجه الثاني، بحكم زاوية الإضاءة، واضح بما يكفي.

رجل في الخمسين، شعر رمادي من الصدغين، ندبة من عظمة الخد الأيسر حتى الفك.

وضع كاي الصورة على المكتب.

نظر إليها طويلاً.

ثم نظر للباب المغلق كأنه يُفكّر في النزول.

لم ينزل.

---

الملف الثالث كان الأثقل — ليس وزناً بل محتوىً.

تقرير. مكتوب بدقة وترتيب يختلفان تماماً عن باقي الوثائق — هذا كتبه شخص تعوّد على الكتابة المنهجية، شخص يُفكّر في من سيقرأ وثيقته بعده. الخط منتظم وحجم الحروف ثابت والجمل قصيرة كأن كل كلمة زائدة دفعت ثمناً.

العنوان في الصفحة الأولى:

***"ما جرى في ليلة الرماد — شهادة العين الوحيدة الباقية."***

وتحته تاريخ — قبل تسعة عشر عاماً وشهرين. بعد الحادثة بعشرة أشهر.

قرأ.

---

الشهادة في اثنتي عشرة صفحة. لا اسم لكاتبها في البداية ولا في النهاية.

لكن ما فيها—

بدأ بالتفاصيل الصغيرة: تلك الليلة لم تكن عشوائية. لم يكن هجوماً من عائلة على أخرى. لم يكن انقلاباً داخلياً. كانت عملية مُدبَّرة بدقة جراحية من طرف يعرف مواقع كل شخص في كل لحظة — يعرف من أين يدخل الحراس، يعرف متى تتبدل المناوبات، يعرف أي الأبواب مؤمّنة وأيها تُؤمَّن فقط في النهار.

معلومات من الداخل. لا شك.

ثم وصف ما رآه كاتب الشهادة بنفسه — لم يكن في مكان القيادة تلك الليلة، كان في مبنى مجاور لسبب لا يذكره. وسمع الانفجار الأول. ورأى من النافذة ما لا يجب أن يُرى.

*"لم يكونوا يقتلون الجميع. كانوا يبحثون عن شخص واحد. كل من مات تلك الليلة مات لأنه كان في الطريق أو لأنه كان يعرف وجه ذلك الشخص الواحد. وحين وجدوه — أو حين ظنوا أنهم وجدوه — توقفت العملية."*

توقف كاي عن القراءة.

*"حين ظنوا أنهم وجدوه."*

تابع.

*"الجثة التي وجدوها لم تكن الجثة الصحيحة. من كانوا يبحثون عنه لم يكن في ذلك المبنى. كان قد غادر قبل ساعة. وأنا رأيته يغادر. ورأيت وجهه حين التفت مرة أخيرة نحو المبنى قبل أن يختفي في الظلام."*

*"لا أكتب اسمه هنا. ليس خوفاً. بل لأن من يصل لهذه الوثيقة يجب أن يجد الاسم بنفسه — لأن الطريق لمعرفة الاسم هو ذاته الطريق لفهم لماذا كانوا يبحثون عنه أصلاً."*

---

أغلق الملف الثالث.

الشاي لا يزال بارداً، المصباح يرفّ مرة واحدة ثم يستقر، والمدينة خارج النافذة تعيش بلا علم بأن رجلاً في الطابق الثالث من مبنى متوسط في الحي السابع يقرأ ما قد يُغيّر فهمه لكل شيء.

الصورة لا تزال أمامه. سيث.

سيث الذي أنكر معرفة الشجرة العمياء. سيث الذي علّمه القتال وقراءة المكان وكيف يسقط دون أن ينكسر. سيث الذي فتح له الباب البارحة بعيون تعرفه بعمق يزيد عما يجب لصاحب حانة ومعلم عابر.

سيث الذي كان في ذلك التبادل الغامض بجانب برج الساعة الموقوفة.

قبل عشرين عاماً أو أكثر.

وقف وذهب للنافذة ووقف فيها دون أن ينظر للخارج — ينظر للصورة التي حملها معه.

في تعليمه كل هذه السنوات، لم يسأله سيث يوماً عن أهله. لم يسأله من أين جاء. لم يسأله لماذا يعيش وحده في الحي السابع برواية غير مكتملة عن ماضيه.

ولم يُخبره كاي. لأن ما لا يُسأل عنه لا يُجاب.

لكن الآن — في ضوء الصورة وشهادة الاسم المخفي — بدأ يتساءل إن كان سيث لم يسأل لأنه أصلاً يعرف.

---

فتح الملف الرابع.

قائمة أسماء. طويلة — سبع وعشرون اسماً. بجانب كل اسم تاريخان: تاريخ ميلاد وتاريخ آخر بعده. في البداية ظنّها تواريخ وفاة. لكن حين نظر للتواريخ الثانية بعناية — كل التواريخ الثانية في نفس اليوم تقريباً.

ليلة الرماد.

لم يكن هذا قائمة موتى. كان قائمة بمن كانوا يُفترض أن يموتوا تلك الليلة. تخطيط مسبق. جدول إعدامات.

وفي أسفل القائمة، اسم أخير مكتوب بخط مختلف — أحمر. اسم واحد بلا تاريخ ميلاد وبلا تاريخ ثانٍ. فراغ بدلاً من التاريخ الثاني.

الاسم: *إيثان.*

اسم واحد. لا عائلة. لا تاريخ.

الاسم الذي لم يُنجز.

---

طرق الباب.

ثلاث ضربات. لكن ليس بالإيقاع الذي يعرفه.

وضع الملفات في الصندوق وأغلقه وأخفاه تحت لوح الأرضية المرتخي خلف الخزانة — مخبأ اكتشفه مصادفة في سنته الأولى في هذه الغرفة وأعاد إحكامه بنفسه.

فتح الباب.

---

فتاة في السابعة عشرة تقريباً. شعر أسود مضفور بعجلة، ملابس رمادية عملية بلا زخرفة. عيون تقيّم المكان قبل صاحبه بالطريقة التي تُكتسب لا تُولد. وفي يدها مغلف أبيض تُمسك به من الطرف كأنها تحاول تقليل مساحة تلامسها معه.

قالت بلا مقدمة: "أنت كاي؟"

"من يسأل؟"

"شخص أرسلني شخص." أعطته المغلف. "قال أن تقرأه قبل النوم وبعد النوم وقبل أن تفعل أي شيء غداً."

"ومن هذا الشخص؟"

ابتسمت ابتسامة تحمل معرفة أكبر من سنّها. "قال أنك ستسأل هذا. وقال أن أقول لك: *الرقم ستة يعرف اسمك.*"

ودارت لتنزل الدرج.

قال كاي: "انتظري."

لم تنتظر.

---

أغلق الباب وفتح المغلف.

ورقة واحدة. مكتوبة بخط مختلف عن كل ما رآه اليوم — سريع ومائل كخط من يكتب وعقله يسبق يده.

*"لا تذهب للمستودع غداً. وجدوا الصندوقين الآخرين.*

*الصورة التي في الملف الثاني — الرجل الذي تعرفه لم يكن يبيع. كان يشتري. الفرق مهم.*

*الاسم الذي تبحث عنه في الملف الثالث — ليس مختبئاً. بل ينتظر.*

*وأنت لست من تعتقد أنك من تكون.*

*— ز"*

حرف واحد في النهاية. *ز.*

---

جلس على السرير.

في يوم واحد — أقل من يوم في الحقيقة — ذهب من مهمة إيجاد شخص مفقود إلى وثائق تتحدث عن أكبر جريمة في تاريخ المدينة الحديث. ومن ذلك لصورة تُشكّك في الشخص الوحيد الذي يثق به. ومن ذلك لاسم مجهول يدّعي أنه يعرفه.

*وأنت لست من تعتقد أنك من تكون.*

الجملة الأخيرة.

تلك التي لم يستطع تجاهلها كما تجاهل ما قبلها.

لأن السؤال عن من يكون لم يطرحه على نفسه يوماً بجدية كافية. لأن المدينة علّمته أن الأسئلة المفتوحة خطرة والإجابات المغلقة مريحة. ولأن سيث — في كل هذه السنوات — لم يُجب عن ما لم يُسأل.

لكن الآن كل هذا تغيّر.

وضع الورقة على المكتب بجانب الصورة.

الصورة: سيث في تبادل غامض قديم.

الشهادة: شخص غادر ليلة الرماد ولم يُعثر عليه.

القائمة: اسم واحد بلا تاريخ وفاة. *إيثان.*

الرسالة: *لست من تعتقد أنك من تكون.*

أغمض عينيه وفكّر بكل ما يعرفه عن نفسه.

اسمه كاي. لا عائلة يعرفها. جاء للحي السابع قبل خمس سنوات — أو هكذا يتذكر، لكن ذاكرته لما قبل ذلك ضبابية بشكل يفسّره عادة بالاختيار لا بالعجز. وجد سيث. تعلّم. فتح مكتبه الصغير. وعاش بالطريقة التي تجعل الأسئلة الكبيرة تبدو أقل إلحاحاً من الإيجار الشهري.

لكن ذاكرته قبل الحي السابع — حقاً — كأنها خلف زجاج مُعتَّم.

فتح عينيه.

*لا. لن يذهب لسيث الليلة.*

ليس لأنه خائف من الإجابة — بل لأنه يريد أن يصل للإجابة بنفسه قبل أن يُعطاها. الفرق بين من يجد الحقيقة ومن يُعطاها هو الفرق بين من يفهمها ومن يحملها دون أن يفهم وزنها.

---

فتح الملفات الخمسة الباقية.

الخامس: رسائل مشفرة — رموز لا يعرف مفتاحها.

السادس: مخطط لمبنى لا يعرفه. طابقان تحت الأرض، ممرات بلا تسميات.

السابع: فارغ تقريباً — ورقة واحدة فيها جملة واحدة:

***"البذرة لا تموت مع صاحبها — تنتقل."***

وقف عند هذه الجملة.

في كل ما يعرفه عن النَّسَغ — في كل ما علّمه سيث وما قرأه وما شاهده — البذرة جزء من صاحبها. تنبع من جرحه الخاص. لا تُنقل ولا تُورث ولا تُسرق.

أو هكذا يقول الجميع.

*أو هكذا أراد البعض أن يُصدّق الجميع.*

الملف الثامن والأخير.

فتحه ببطء.

صفحة واحدة. خريطة مرسومة بالقلم. المدينة — يُمكن تمييز الأحياء الكبرى بالشكل العام. ومُحدَّد عليها بدائرة حمراء موقع واحد في الجهة الشمالية الشرقية، بين الحي الأول والحي الصناعي.

وتحت الخريطة كُتب:

***"الجذور لم تمت. فقط نامت."***

وتحته مباشرة، بالخط الأحمر الداكن ذاته الذي رآه على ورقة داون في فندق كلارك:

***"الطفل الذي أُنقذ تلك الليلة — هو من سيُكمل ما بدأناه أو يدفنه للأبد."***

---

أغلق الملف الثامن.

وضعه على المكتب ووضع كفيه عليه وبقي ثابتاً للحظة كأنه يُحاول إبقاء محتوياته داخله بالضغط الجسدي.

*الطفل الذي أُنقذ تلك الليلة.*

ليلة الرماد.

قبل عشرين عاماً.

كاي في العشرين من عمره الآن.

الحساب بسيط وثقيل في آنٍ واحد كالحجر المُلقى في بئر عميقة تنتظر أن تسمع الرنين قبل أن تعرف العمق.

رفع نظره للنافذة. الليل أسقط الحي السابع في صمت نسبي — الصمت الذي يعرف ساكنوه أنه ليس غياب الصوت بل غياب الصوت العالي فقط. الأشياء الهادئة لا تزال تحدث.

قام ووقف أمام المرآة الصغيرة المُثبّتة على الجدار.

نظر لوجهه.

وجه يعرفه منذ سنوات — بالقدر الذي يعرف فيه أحد وجه نفسه حين لا يتأمله كثيراً. شعر داكن. عينان رماديتان بظل من شيء لم يُسمَّ يوماً. جبهة تحمل أثر تفكير أكثر من أثر سنّه.

جبهة عريضة.

توقف.

صورة داون في ذهنه — شعر داكن وجبهة عريضة. وصف مارا لابنها. ووجهه هو في المرآة.

لا. التشابه مصادفة. الحي السابع مليء بالشعر الداكن والجباه العريضة.

لكن ليلة الرماد. والطفل المُنقذ. وسيث الذي يعرفه بعمق يزيد مما يجب.

والجملة التي لا تتركه: *لست من تعتقد أنك من تكون.*

ابتعد عن المرآة.

---

جلس على السرير وأخرج دفتره وكتب:

*"ما أعرفه الآن: شخص أُنقذ ليلة الرماد. الوثائق كُتبت لمن يجدها. الشجرة العمياء لم تنتهِ — فقط ابتعدت عن الضوء. موراي متورطة. سيث في الصورة. ز يعرف ما لا يجب أن يعرفه."*

توقف ثم أضاف:

*"وأنا — لا أعرف من أنا بالقدر الذي ظننت أنني أعرفه."*

أغلق الدفتر.

خارج النافذة بدأ المطر من جديد — بهدوء هذه المرة، بلا الاستعجال الذي كان فيه البارحة. كأنه يعرف أن لديه الوقت الكافي.

وقبل أن يُطفئ المصباح، نظر للصورة على المكتب مرة أخيرة.

سيث بجانب برج الساعة الموقوفة.

غداً سيُكلّمه. ليس لأنه يريد الإجابات — بل لأنه يريد أن يرى كيف يكذب.

وفي طريقة الكذبة، أحياناً، تكمن الحقيقة كلها.

---

*يتبع — الفصل الرابع: ما يعرفه سيث*

2026/04/09 · 8 مشاهدة · 1752 كلمة
نادي الروايات - 2026