النوم لم يأتِ.
ليس بسبب الأسئلة — الأسئلة الكبيرة لا تمنع النوم عادة، بل تُثقله حتى يصبح هروباً. لكن شيئاً آخر أبقى كاي مستيقظاً حتى الساعة الرابعة صباحاً، شيئاً لم يستطع تسميته حتى جاءته الكلمة الصحيحة في الظلام:
*حذر.*
ليس خوفاً. الخوف يأتي من شيء تعرفه ويُهددك. الحذر يأتي حين تُدرك أن ما لا تعرفه أكثر وأخطر مما تعرفه.
وما لا يعرفه الآن يملأ غرفته كاملة.
نهض قبل أن يشرق النهار، غسل وجهه بالماء البارد الذي يجعل المرآة تُعيد رسمك من البداية، وارتدى معطفه. الصندوق لا يزال تحت لوح الأرضية — تركه. ما يحمله في ذهنه كافٍ للمحادثة القادمة.
نزل.
---
باب الحانة في الطابق الأرضي موصد كالعادة في هذه الساعة. لكن الضوء يتسرب من تحته — خط رفيع ذهبي على بلاط الرواق.
سيث مستيقظ.
طرق بالإيقاع المعتاد. ثم توقف وطرق مرة رابعة — خارج الإيقاع. تغيير صغير لكنه مقصود. رسالة صغيرة تقول: *هذه المرة مختلفة.*
صوت خطوات. ثم صمت قصير قبل أن يُفتح الباب — توقف لم يكن موجوداً في المرات السابقة.
سيث رآه بعيون تقرأ وجهه أولاً قبل أن تفتح الباب كاملاً. ثم تراجع للداخل.
---
الحانة في ساعات الفجر لها وجه مختلف تماماً عن وجهها الليلي. الكراسي مقلوبة على الطاولات، الأضواء منخفضة حتى الحد الذي يجعل كل شيء يبدو وكأنه يحمل ظله بنفسه. رائحة الخشب القديم والتبغ البارد وشيء يشبه رائحة الشمع بعد إطفائه.
سيث ذهب للمنضدة وسكب كوبين من القهوة الداكنة دون أن يسأل. وضع أحدهما أمام كاي وأمسك الآخر بكلتا يديه ووقف يُحدّق فيه.
لم يجلس.
قال كاي: "أريد أن أريك شيئاً."
"أعرف."
"لم أُخبرك بسبب مجيئي."
"لم تحتج." نظر سيث لكوب قهوته. "مجيئك في هذه الساعة بهذا الطرق يعني أنك وجدت شيئاً يجعلك تُفكر في من أكون. وهذا يعني أنك وصلت لمكان لم أتوقع أن تصله بهذه السرعة."
صمت قصير.
قال كاي: "هل تريد أن تُخبرني وحدك أم تريد أن تنظر للصورة أولاً؟"
شيء مرّ في عيني سيث — ليس مفاجأة. كان أشبه بشخص يسمع صوت شيء تحطّم كان يعرف أنه سيتحطم يوماً ما ويُحاول منذ وقت طويل أن يُحضّر نفسه للصوت.
"أرني الصورة."
---
أخرج كاي الصورة من جيب معطفه ووضعها على المنضدة.
سيث نظر إليها. لم ينحنِ، لم يُقرّبها، نظر إليها من مسافتها كمن يرى شيئاً يعرفه جيداً ولا يحتاج لتفاصيل أكثر.
ثم رفع نظره لكاي.
قال: "من أين؟"
"مستودع في العظام. صندوق مخبأ تحت الأرض." توقف. "الشجرة العمياء."
وضع سيث كوب القهوة على المنضدة بحركة بطيئة ومتعمدة — حركة من يُريد لجسده أن يفعل شيئاً بينما يُقرر عقله شيئاً آخر. ثم سحب كرسياً وجلس. للمرة الأولى منذ دخل كاي الحانة.
"كم وجدت في الصندوق؟"
"ثمانية ملفات. صورتك في الثاني. شهادة في الثالث." توقف كاي. "واسم في الرابع. إيثان."
الاسم في الهواء بينهما كحجر مُلقى في ماء ساكن — والتموجات تنتشر ببطء.
سيث لم يتحرك لثانيتين كاملتين. ثم أغمض عينيه وفتحهما. وحين فتحهما كانت فيهما طبقة لم تكن موجودة قبل ثانيتين — شيء يشبه القرار.
قال: "كم سؤالاً لديك؟"
"سؤال واحد فقط الآن." قال كاي. "البقية تأتي بعده."
"اسأل."
"الصورة — كنت تبيع أم تشتري؟"
---
نهض سيث وذهب للجدار الخلفي للحانة حيث تصطف زجاجات على رف طويل. لم يأخذ زجاجة. وقف أمامها بظهره لكاي لثانيتين ثم عاد وجلس.
"لم أكن أبيع ولا أشتري." قال بنبرة أُفرغت من كل شيء غير الحقيقة. "كنت أُسلّم."
"لمن؟"
"لشخص كان يحفظ ما لم يكن يجب أن يُعرف." توقف. "ذلك الشخص مات بعد ثلاثة أسابيع من الصورة."
"حادثة الرماد؟"
"نعم."
"وما كنت تُسلّمه؟"
نظر سيث لكاي بالطريقة التي يُنظر بها لشخص تُحاول قياس جاهزيته لشيء ثقيل — ليس شكاً في قدرته بل احتراماً لثقل ما ستُلقيه عليه.
قال: "وثائق تُثبت أن حادثة الرماد لم تكن هجوماً بين العائلات."
"عرفت هذا من الملف الثالث."
"لا." هزّ سيث رأسه بهدوء. "الملف الثالث يقول إنها لم تكن حادثة. لكنه لا يقول من دبّرها." نظر لكاي. "الوثائق التي سلّمتها كانت تقول من."
الحانة صامتة بشكل كامل الآن. حتى المدينة خارج الباب تبدو كأنها تحبس أنفاسها.
قال كاي: "ومن؟"
"العائلات الخمس معاً."
---
الجملة لم تكن مفاجأة بالمعنى الذي يُسقط الناس — لكنها كانت من النوع الذي يُعيد رسم كل خريطة رسمتها في ذهنك.
قال كاي ببطء: "الخمس. بما فيها فالكور."
لم يكن سؤالاً. لكن سيث أجاب:
"بما فيها فالكور." ثم أضاف بنبرة أخفض: "بما فيها شخص واحد من فالكور تحديداً كان العقل المدبّر لكل شيء."
"من؟"
"رئيسها." توقف سيث. "الزعيم."
كاي لم يتكلم.
"الرجل الذي كان يُفترض أن يموت تلك الليلة مع قيادته — لم يكن ضحية. كان المهندس. دبّر تصفية قيادته القديمة التي كانت تعرف أسراره، واستخدم العائلات الأخرى كأدوات، وأوهم الجميع أنه مات في الحريق."
"إذن الجثة التي وجدوها—"
"لم تكن جثته." أومأ سيث. "الشهادة في ملفك تقول ذلك."
قام كاي من كرسيه ومشى خطوتين ثم توقف. لم يكن يريد المشي — فقط احتاج جسده لأن يتحرك بينما رأسه يُعيد ترتيب كل شيء.
قال دون أن يلتفت: "ولماذا أنت في الصورة؟"
صمت خلفه.
التفت.
سيث ينظر إليه بعيون لا تهرب لكنها تحمل ما يحمله الإنسان حين يصل لنقطة ظل يرجئ الوصول إليها طويلاً.
"لأنني كنت جزءاً من الشجرة العمياء."
---
جلس كاي.
ليس لأن جسده قرر — بل لأن الوقوف لم يعد منطقياً.
"أنت."
"قبل عشرين عاماً." قال سيث. "كنت أصغر مما أنا عليه الآن بما يكفي لأن أُصدّق أن المعلومة وحدها تُغيّر الأشياء. جمعنا وثائق. وثّقنا ما رأيناه. ظننا أن من يعرف الحقيقة سيُغيّرها." نظر لكفيه. "ثم جاءت ليلة الرماد وعرفنا أن من يملك الوثائق لا يملك شيئاً أمام من يملك القوة."
"لكنك بقيت حياً."
"بقيت حياً لأنني لم أكن في المبنى." شيء مرّ في وجهه — ليس ندماً بالضبط. أثقل من الندم. "كنت في الخارج. رأيت الحريق من بعيد. وعدت ووجدت ما وجدت وأخذت ما أخذت وهربت."
"وجئت للحي السابع."
"نعم."
"ومعك—"
توقف كاي في منتصف الجملة.
الحساب البسيط الذي رفضه الليلة الماضية لأنه كان يُريد رفضه عاد الآن بثقل مختلف تماماً.
قال بصوت أهدأ مما توقع من نفسه: "ومعك طفل."
سيث لم يُنكر ولم يُقرّ. نظر لكاي فقط بالنظرة التي تقول أن الجواب في السؤال نفسه.
"كم كان عمري؟"
"أربع سنوات تقريباً." قال سيث بنبرة باتت خالية من أي شيء غير الحقيقة المجردة. "لم تكن تتكلم كثيراً. لكنك كنت تتذكر الأشياء بطريقة غير عادية لطفل في سنّك."
"من أين أتيت؟"
"من داخل المبنى." توقف سيث. "أنقذتك من هناك قبل أن يصل الحريق للطابق الثالث."
"ومن كنت؟"
الجملة الأكبر. الجملة التي تجعل كل ما قبلها مقدمة.
سيث أخذ نفساً عميقاً واحداً.
"ابن إيثان."
---
الاسم من الملف الرابع. الاسم الوحيد بلا تاريخ وفاة. الاسم الذي كُتب بخط مختلف عن باقي الأسماء في القائمة كأن من كتبه كان يعرف أنه لن يكتب تاريخاً ثانياً بجانبه.
قال كاي: "وإيثان من يكون؟"
"الزعيم الذي دبّر كل شيء." قال سيث. ثم أضاف بعد ثانية واحدة كأنها آخر حجاب يُزيله: "زعيم فالكور."
---
الحانة لم تتغير. الكراسي المقلوبة على طاولاتها، الأضواء المنخفضة، رائحة الخشب والتبغ البارد. لكن كاي يجلس في مكان مختلف تماماً عن المكان الذي جلس فيه قبل عشر دقائق.
قال بصوت لا يحمل لهجة بعينها — لا غضباً ولا صدمة، شيء أبعد من الاثنين: "أنا ابن الرجل الذي أحرق عائلته."
"نعم."
"وأنت أخفيتني هنا عشرين عاماً."
"نعم."
"لماذا؟"
سيث نظر إليه بعيون لا تبحث عن تبرير — تبحث عن الكلمة الصحيحة للحقيقة الصحيحة.
"لأن من دبّر الرماد لم ينتهِ منه تلك الليلة. كان يعرف أنك موجود. وكان يريدك — ليس لتصفيتك." توقف. "بل لاستخدامك."
"استخدامي كيف؟"
"الوريث الشرعي لفالكور يملك حقوقاً لا تملكها أي عائلة أخرى — حقوقاً في الأرض والاتفاقيات القديمة وشيء أهم من ذلك بكثير." نظر لكاي. "إيثان يحتاج ابنه ليُكمل ما بناه. أو هكذا كان مخططه."
"كان. ماضٍ."
"إيثان لم يظهر منذ ليلة الرماد. لا أحد يعرف إن كان حياً." ثم أضاف بنبرة مختلفة قليلاً: "لكن الشهادة في ملفك تقول إنه غادر المبنى حياً."
"وأنت لا تعرف أين هو."
"لم أبحث." قاله سيث بحدة خفية لأول مرة في المحادثة. "لأن إيجاده لم يكن في مصلحتك يوماً."
---
قام كاي من كرسيه ببطء وذهب للباب.
قال سيث خلفه: "كاي."
توقف لكنه لم يلتفت.
"الثلاثة الذين طاردوك في فندق كلارك — موراي تحركت بهذه السرعة لأنها كانت تنتظر. لديهم مخبر يُراقب أي حركة تتعلق بالرماد منذ سنوات. وحين وجد داون الأرشيف تحرّكوا."
"وحين وجدته أنا تحرّكوا مرة ثانية."
"نعم. لكن هناك شيء أهم." توقف سيث. "الرجل الذي أرسل لك الرسالة البارحة — الحرف ز — هذا ليس شخصاً عادياً. موراي تبحث عنه منذ سنوات ولم تجده. وهو وجدك في يوم واحد."
التفت كاي أخيراً.
"تعرفه؟"
"أعرف ما يُمثّله." نظر سيث إليه بعيون باتت تحمل شيئاً يشبه الإعياء الطويل. "الشجرة العمياء لم تنتهِ بالرماد. من بقي منها استمر — لكن بطريقة مختلفة. أكثر حذراً. أكثر صبراً." توقف. "ز ليس اسماً. هو آخر حرف. وآخر حرف يعني آخر من بقي."
"آخر من بقي من الشجرة العمياء."
"نعم."
"وهو يريدني لماذا؟"
سيث نظر للصورة على المنضدة — صورته هو بجانب برج الساعة الموقوفة — ثم رفع عينيه.
"لأن الطفل الذي أُنقذ ليلة الرماد هو الدليل الوحيد الحي على أن إيثان كان موجوداً. وابن المهندس — حين يُقرر أن يتكلم — يُسقط كل ما بُني على الكذبة." توقف. "وكل العائلات الخمس تعرف هذا."
---
خرج كاي للرواق وأغلق باب الحانة خلفه.
وقف في الظلام لثانيتين.
ثم مشى نحو الدرج ببطء — خطوة خطوة، كأن كل درجة تحتاج قراراً مستقلاً.
في الطابق الأول، قبل أن يصل لباب غرفته، توقف.
على الجدار أمامه — مكتوب بالطباشير الأبيض بخط سريع طازج لا يزال الغبار حوله لم يستقر:
***"الساعة الثامنة. جسر النحاسين. تعال وحدك."***
ولا شيء آخر.
نظر للكتابة طويلاً. ثم نظر للدرج الذي صعد منه للتو.
ز يعرف أين يسكن.
ز يعرف متى سيخرج من عند سيث.
ز يعرف عنه ما يكفي لأن هذا يجب أن يُقلقه — ولا يزال بداخله شيء يرفض القلق ويختار بدلاً منه شيئاً أقرب للفضول.
صعد لغرفته. جلس على السرير. وللمرة الأولى منذ يومين أغمض عينيه بقرار.
ساعتان من النوم. ثم الجسر.
لأن الرجل الذي يعرف كل هذا ويختار الكتابة على الجدار بدلاً من الباب — هذا رجل يفهم الفرق بين الأمر والدعوة.
وكاي لا يستجيب للأوامر.
لكن الدعوات — خاصة من يملك هذا القدر من الأسرار — يصعب رفضها.
---
*يتبع — الفصل الخامس: جسر النحاسين*