1 - تعليق من حافه الهاويه

كانت الشاشة هي الضوء الوحيد في غرفتي المظلمة . الساعة تجاوزت الرابعة فجراً، وعيناي المحتقنتان بالدم لمتتحركا عن السطر الأخير من رواية "وريث النهاية" .

> « وهكذا، غرق العالم في صمت أبدي، حيث لم يتبقَّ بطل لينقذه، ولا عدو ليدمره .. فقط الفراغ .»

"هراء .. " همست بصوت مبحوح .

أصابعي ارتجفت فوق لوحة المفاتيح . لم يكن هذا مجرد كتاب بالنسبة لي؛ كان المهرب الوحيد من حياتي الفاشلة،من اسمي الذي لا يتذكره أحد، ومن مستقبلي الذي يشبه حائطاً مسدوداً .

بدأت أكتب بمرارة :

[ إلى المؤلف : هل هذه هي النهاية حقاً؟ بعد 1000 فصل من كفاح "آريان"، تجعله يضحي بكل شيء ليفشل فيالنهاية؟ لقد جعلت القصة بأكملها بلا معنى . لو كنت مكان "كايل"، ذلك الوريث الفاشل الذي قتلته في البداية،لغيرت هذا القدر اللعين، أو على الأقل .. لمتُّ وأنا أحاول .]

ضغطت "إرسال" .

لم تمر ثانية واحدة حتى ظهر إشعار غريب باللون الأحمر القاني، لم يظهر من قبل في الموقع :

« تم قبول التحدي . العالم ينتظر وريثه .. الجديد .»

قبل أن أستوعب الجملة، شعرت بضغط هائل، كأن الغرفة بأكملها يتم شفطها داخل ثقب أسود . تلاشى صوت مروحةالحاسوب، واختفت رائحة غرفتي الرطبة، وحلّ مكانها شيء واحد ..

رائحة الدم والبخور القديم .

في مكان آخر .. في عالم "فالورين"

"استيقظ .. أيها الحطام البشري . "

فتحت عينيّ بذعر . لم أكن في غرفتي . كنت مستلقياً على سرير ضخم مغطى بجلود وحوش حقيقية . السقف كان عالياًجداً، مزيناً بسيوف متقاطعة محفورة في الحجر .

أمام المرآة الكبيرة بوعي مشوش، رأيت انعكاسي .

شاب في الثامنة عشرة، شعره أسود فاحم، وعيناه باهتتان كأنهما فقدتا الرغبة في الحياة . جسده نحيل بشكل مثيرللشفقة رغم الثياب الفاخرة التي يرتديها .

هذا ليس أنا . هذا هو كايل فالورين .

الابن الأصغر للورد أوريليان "حاكم السيوف" .

الرجل الذي وُصف في الرواية بأنه "العار الذي لوّث دماء العائلة"، والذي قُتل في الفصل العاشر كأضحية لبدءالحرب .

"سيدي الشاب .. اللورد والدك ينتظرك في ساحة التدريب . "

تحدث خادم عجوز ببرود لا يخلو من الازدراء . "إنه يريد أن يرى إذا كنت قد تعلمت كيف تمسك السيف أخيراً، أم أنكستجلب العار لنا مجدداً أمام الضيوف . "

تجمدت الدماء في عروقي .

أتذكر هذا المشهد .. في الرواية، هذا هو اليوم الذي تعرض فيه كايل للإهانة العلنية، مما أدى لطرده من العائلة، ومنثم اغتياله في الطريق .

نظرت إلى يديّ النحيفتين . لم أشعر بالقوة، ولم أشعر بالسحر . شعرت فقط بالخوف .

لكن فجأة، ظهرت شاشة شفافة أمام عينيّ، تشبه واجهة النظام التي انتقدتها بالأمس :

> [ المهمة الحتمية : النجاة من ساحة التدريب ]

> [ المكافأة : استيقاظ "الرنين" (المستوى 0 ) ]

> [ الفشل : الموت كما هو مكتوب في الرواية ]

بعد خروج الخادم، لم يتحرك كايل — أو "أنا ميروف " — من مكانه . بقيت متسمراً أمام تلك المرآة اللعينة . مددت يديالمرتجفة لألمس سطحها البارد، وكأنني أتوقع أن تخترق يدي الزجاج وتعود لغرفتي المظلمة، لكن ملمس الزجاجكان حقيقياً بشكل مؤلم .

"هذا مستحيل .. " همست، لكن الصوت الذي خرج لم يكن صوتي . كان نبرة حادة، منكسرة، تميز شاباً لم يعتدالصراخ بل اعتاد التذلل .

تراجعت للوراء حتى اصطدمت حافة السرير بظهري، فسقطت جالساً . نظرت إلى الغرفة الشاسعة؛ كل ركن فيهاينضح بالقوة والفخامة، لكنه أيضاً ينضح بالبرود . السيوف المعلقة على الجدران لم تكن للزينة، كانت تشع بـ "نيةقتل" خافتة جعلت شعر جسدي يقف .

"من بين كل الشخصيات .. من بين كل الأبطال، والعباقرة، وحتى الأشرار الأقوياء .. " بدأت أضحك بمرارة، ضحكةاختلطت بنبرة بكاء مكبوتة . "لماذا كايل؟ لماذا هذا الحطام؟"

كايل فالورين لم يكن مجرد شخصية جانبية، كان "أداة حبكة" وظيفته الوحيدة في الرواية هي أن يموت ليعطي سبباًلوالده، لورد السيوف، ليبدأ حرباً تطهيرية . لم يمت حتى موت الأبطال، بل مات في زقاق خلفي، وحيداً، وهو يحاولالهرب ببعض المال المسروق .

"لقد كتبتُ للمؤلف أنني سأغير القدر لو كنت مكانه .. " ضربت السرير بقبضتي الضعيفة . "لكنني كنت أقصد أن أحصلعلى نظام غش ! على قوة خارقة ! ليس على جسد يعاني من سوء التغذية وانسداد في عروق السحر ! "

أغلقت عينيّ بقوة، محاولاً تذكر التفاصيل . في الرواية، كايل كان يمتلك "نواة سحرية مشوهة" و"بنية جسدية هشة" . كان يمثل الفشل المطلق في عالم لا يحترم إلا القوة . والده، لورد أوريليان، لم يكن يراه كابن، بل كبقعة حبر سوداءعلى ثوبه الأبيض الناصع .

"اليوم هو اختبار الساحة .. " تمتمت والرعب يتسلل لمسامي .

أتذكر هذا الفصل جيداً . "الفصل الرابع : سقوط النفاية" . في ذلك اليوم، سيجبره والده على مبارزة أخيه غير الشقيقأمام ممثلي الإمبراطورية . سيتعرض كايل لسحق مهين، ليس فقط لجسده، بل لكرامته، مما سيدفعه للهرب ليلاً .. ليجد خنجر القتلة في انتظاره .

"لو بقيت هنا، سأُذل . ولو هربت، سأُقتل . "

نظرت إلى الشاشة الشفافة التي لا تزال تومض ببرود : [ المهمة الحتمية : النجاة من ساحة التدريب ].

"أيتها اللعنة .. حتى النظام لا يعطيني خيارات . "

وقفت ببطء، شعرت بدوار خفيف، كأن روحي لا تزال تحاول التأقلم مع هذا الوعاء الضيق . توجهت نحو الزاوية حيثيقبع ذلك السيف الخشبي . أمسكته، فكاد يسقط من يدي بسبب وزنه .

"أنا لست مقاتلاً، ولست ساحراً .. أنا مجرد قارئ غاضب . "

نظرت إلى السيف بائساً . "يا له من حظ .. انتقلت لرواية أحبها، فقط لأكون أول من يغادرها بجنازة . "

أخذت نفساً عميقاً، محاولاً استجماع ما تبقى من شتات عقلي . المعرفة هي سلاحي الوحيد الآن . أنا أعرف نقاطضعف الجميع، أعرف الأسرار المخفية تحت بلاط هذا القصر، وأعرف ما الذي سيحدث بعد ساعة من الآن .

"إذا كان هذا العالم يريد موتي كأضحية .. " شددت قبضي على السيف الخشبي حتى ابيضت مفاصلي . "فسأجعل هذهالأضحية تقلب الطاولة على الكاهن . "

تحركت نحو الباب بخطوات ثقيلة، كل خطوة كانت صراعاً ضد الرغبة في الاختباء تحت السرير والبكاء . لم تكنشجاعة، كانت غريزة كائن محاصر يعرف أن الوقوف والثبات هو الطريقة الوحيدة لعدم السقوط .

فتحت الباب، فاستقبلني ضوء الشمس الساطع لساحة القصر، وصوت صليل السيوف الذي كان يصم الآذان، وكأنهيرحب بموتي الوشيك .

سار "كايل" في الرواق الطويل المؤدي إلى ساحة التدريب المركزية . كانت الجدران مزينة بدروع الأسلاف، وخيل إليهأن عيون الخوذات الحديدية تراقبه بسخرية . كل خادم يمر بجانبه كان ينحني برسمية مبالغ فيها، لكن بمجرد أنيتجاوزهم، كان يشعر بضحكاتهم المكتومة تلسع ظهره كالأسواط .

عند وصوله إلى البوابة الضخمة للساحة، توقف . استنشق هواءً مشبعاً برائحة التراب والعرق المعدني .

كانت الساحة عبارة عن مدرج حجري واسع . في الوسط، وقف عشرات الفرسان بملابسهم التدريبية البيضاء، لكنعيني كايل لم تقع إلا على شخص واحد .

هناك، على المنصة المرتفعة، جلس اللورد أوريليان فالورين .

كان رجلاً يبدو وكأنه نُحت من جبل من الجليد . شعره الأسود ينسدل بصرامة، وعيناه الذهبيتان تمتلكان حدة تجعلالهواء من حوله يبدو ثقيلاً . لم يكن يحتاج لتحريك سيفه؛ كان وجوده نفسه يضغط على صدور الموجودين . كان"سيد السيوف" الذي لا يُهزم .

"لقد تأخرت .. مجدداً . "

لم يكن صوته عالياً، لكنه تردد في أذني كايل كصاعقة . لم ينظر اللورد إلى ابنه، بل ظل يراقب نصل سيفه الذي كانيلمعه بقطعة قماش حريرية .

"أعتذر .. والدي . " قال كايل، محاولاً السيطرة على ارتجاف صوته .

في تلك اللحظة، تقدم شاب آخر من وسط الساحة . كان طويلاً، مفتول العضلات، وبابتسامة واثقة تفيض بالسم . إنهرين، الأخ غير الشقيق لكايل، والشخص الذي برع في كل ما فشل فيه كايل .

"والدي، لا تكن قاسياً عليه،" قال رين بنبرة مغلفة باللطف الزائف . "ربما كان أخي الصغير مشغولاً بمحاولة العثورعلى سحر في كتب القصص مجدداً . أليس كذلك يا كايل؟"

انفجر الفرسان بالضحك . كان كايل في الرواية يغضب ويثور بشكل أحمق، مما يجعل إهانته أكثر إمتاعاً . لكن "كايلالحالي" ظل صامتاً . كان عقله يعمل كالمحرك : « رين .. المستوى 3 في طريق السيف . يعتمد على هجمات الجانبالأيمن بسبب إصابة قديمة في كاحله الأيسر لم يذكرها المؤلف إلا في ملاحظات جانبية ..»

وقف اللورد أوريليان أخيراً، ونظر نحو كايل لأول مرة . كانت نظرة خالية من أي مودة، كأنما ينظر إلى حشرة تعترضطريقه .

"اليوم، ضيوف من الكنيسة والبرج يراقبون،" قال اللورد ببرود . "لن أسمح بوجود ضعف في اسم فالورين . رين، علّمأخاك كيف يحمل السيف كفارس، أو علمه كيف يتوقف عن تسمية نفسه فالورين للأبد . "

2026/02/24 · 14 مشاهدة · 1342 كلمة
الصاقل.
نادي الروايات - 2026